مرحباً بكم بموقع الدكتور عبدالله بن صالح المقبل. تم إنشاء هذا الموقع في عام 1996 حينما كنت ادرس مرحلة الدكتوراة بالولايات المتحدة الأمريكية.

  • ×

12:23 صباحًا , الثلاثاء 24 أبريل 2018

الحلقة الرالعة عشرة: ذكريات التدريب الميداني في أميركا

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
image

http://www.alrai.com/article/763580.html
صحيفة الرأي الأردنية (قسم الأبواب)

تاريخ النشر: الاحد: 17/1/2016- العدد: (16499)

الحلقة الرابعة عشرة:

ذكريات التدريب الميداني في أميركا
image
نهر «أركنساس» في منطقة الخانق العظيم «Great Canyon»
بقلم: أ.د. جودت أحمد المساعيد

ما أن استقرت حملة التدريب الميداني، المؤلفة من عشرين دارساً مع أستاذهم، في مركز التدريب الواقع بين جبال الروكي الأمريكية شاهقة الارتفاع، والتابع لجامعة كانساسKansas University ، خلال شهر آب(أغسطس) من عام 1978، حتى بدأتْ فوراً عملية التطبيق الفعلي للزيارات الميدانية اليومية التي قام بالتخطيط الدقيق لها المشرف العام على البرنامج التدريبي الميداني البروفيسور شورتريدج Short Ridge.

وكان يتم قبل كل زيارة ميدانية، توزيع الأستاذ المشرف على الحملة لمجموعةٍ من الأوراق العلمية المفيدة ذات الصلة برحلة الغد، مع الطلب من الجميع حضور إجتماع بين الدارسين وأستاذهم في قاعة المركز، لوضعهم في تفصيلات مهام الغد الموكلة لكل واحدٍ منهم كأعمالٍ فردية، في الوقت الذي تتحدد فيه أيضاً أنشطة أخرى توزع على المجموعات التي يتم تشكيلها في كل مرةٍ بطريقةٍ مختلفة، حتى يتبادل الدارسون المناشط والمسؤوليات فيما بينهم بشكلٍ دوري. ويعقب كل عمليات التوضيح، فتح النقاش على مصراعيه، من أجل طرح استفسارات من جانب الدارسين، والرد عليها من طرف الأستاذ المشرف على الحملة، حتى تتكون لدى الجميع فكرةً واضحةً لكل ما ينبغي القيام به في صباح الغد.

وأذكر من بين أهم الجولات الميدانية الجغرافية التي تمّ تنفيذها في هذا الصدد، تلك التي كان المطلوب من الجميع الاستعداد الجيد لها، من أجل الإنطلاق لتنفيذها وبشكلٍ مبكرٍ جداً في صباح اليوم التالي، والتي تتمثل في تسلق ممرات الجبال صعوداً إلى منطقة القبة الجليدية لمرتفعات جبال الروكي الأمريكية العالية، بحيث يتم تتبع سير هذه الممرات من خلال مناطق معروفة لدى الأستاذ المشرف بأنها ليست خطرة، رغم كونها متعبة للغاية. وكان المطلوب من الجميع ملاحظة كل شيء من حولنا، سواء من حيث نوع النباتات التي بدأت كشجيرات صغيرة، ثم متوسطة الطول، ثم عملاقة من شجر الشربين الأحمر شاهقة الارتفاع، والتي تعود هذه النباتات كي تتضاءل في كثافتها وتقصر في طولها، حتى تنعدم تماماً عند القبة الجليدية، باستثاء انتشار الورود والأزهار الجميلة جداً في ألوانها الزاهية، وفي أشكالها المنوعة.

وصحيح أننا انطلقنا من منطقة ترتفع بنحو (1500) متراً عن سطح البحر، إلا أنه كان المطلوب منا الوصول إلى مناطق الجليد في شهر آب(أغسطس) على ارتفاع نحو أربعة آلاف متر. وكنا كلما سرنا صعوداً لمدة ساعة من الوقت جلسنا في حلقة دائرية يتوسطنا الأستاذ المشرف، كي تتم عملية طرح الملاحظات الموجزة التي قام أفراد المجموعة بمشاهدتها وتدوينها في مذكراتهم، عن أنواع التربة السائدة، وأنشطة التعرية المائية والهوائية التي تحدث لها، إلى طبيعة الصخور الموجودة من رسوبية أو نارية أو متحولة، إلى نوع الحياة البرية المنتشرة من القوارض، إلى السناجب، إلى الذئاب والثعالب، الى الطيور فائقة التنوع والجمال، إلى الدببة والضباع أحياناً، إلى طبيعة الأنشطة البشرية المتوفرة مثل بعض مزارع التفاح ، وبعض مناطق رعاية الأبقار، بالإضافة إلى مراكز قطع الأشجار وصنع الأثاث، وغير ذلك. وكان يحدث في الواقع ما يشبه الندوة العلمية المصغرة في كل مرة نرتاح فيها، ونتناول ما في جعبتنا من مأكولات خفيفة ومشروبات غازية.

وكم كنا نشاهد ما قامت به الأقوام السابقة من ترك بصماتها على الصخور والكهوف والمغارات، من رسومٍ وأشكالٍ وتماثيل وبناء مساكن منحوتةٍ داخل هذه الصخور، إضافةً إلى جهود المستوطنين الأوائل لقارة أمريكا الشمالية بعد حركة الكشوف الجغرافية التي تلت عصر وصول كريستوفر كولومبوس لهذه القارة الكبيرة، من البحث عن الذهب في الجبل هذا أو ذاك، إلى شق طرق السكك الحديدية التي قطعت القارة من شمالها إلى جنوبها، ومن شرقها إلى غربها، كي تساهم في ازدهار الولايات المتحدة بعد استقلالها عام 1776م على يد جورج واشنطن، وقبل اختراع السيارات بنحو مائةٍ وعشرين عاماً.

وقبيل عصر ذلك اليوم الذي انطلقنا فيه، بدأت الأشجار في الانحسار شيئاً فشيئاَ، حتى ظهرت تلك الزهور الغناء والطحالب القطبية المتنوعة، ورأينا رؤية العين المجردة الحلبات الجليدية هنا وهناك، مع وجود عدد من هواة التزلج في أشد شهور الصيف حرارة. وكان المنظر من حولنا يأخذ بالألباب من سحر جمال الطبيعة الربانية، مع وجود نسيم عليل يميل إلى البرودة المرغوب فيها خلال تلك الفترة من السنة، مما فتح الحديث على مصراعيه عن التعرية الجليدية ودورها في التأثير على النبات والحيوان من جهة، وعلى القيام بمد الإنسان بمصادر المياه اللامحدودة من جهةٍ ثانية. وبعد جلسة استمتاع بالنقاش ورؤية الطبيعة النضرة، عُدنا أدراجنا نحو مركز التدريب، ونحن نعلم أن النزول أسهل بكثيرٍ من الصعود، مع وجود بعض المحاذير أحياناً، إلى أن وصلنا الساعة التاسعة قبيل المساء، وما زالت الشمس تصارع الغروب، وذلك لقرب المنطقة نسبياً من الدائرة القطبية الشمالية، حيث تزداد فترة النهار على الليل بشكلٍ واضح في هذا الوقت من السنة.

ومن الرحلات العلمية الميدانية الأخرى التي يصعب نسيانها، السير مع نهر أركنساس Arkansas في منطقة الخانق العظيمGreat Canyon ، حيث الوضع مختلف تماماً عن رحلة القبة الجليدية، إذ يتطلب الأمر من أفراد المجموعة، السير بجانب النهر المزمجر لسرعته الواضحة قرب المنبع، ونشاطه الكبير في حفر خانق عميق جداً على مدى ملايين السنين ، إذا ما قورن بأي نهرٍ آخر في العالم. وكنا نسير بسرعةٍ أفضل وجهدٍ أقل، مما كان عليه الحال في رحلة تسلق الجبال السابقة. وفي الوقت ذاته، كنا نلاحظ بدقةٍ عالية حركات الحجارة والحصى في مجرى النهر حيث المياه الصافية المتدفقة من المنبع القريب، وحيث الضوضاء المزعجة التي يحدثها جريان النهر السريع نسبياً، وضيق الضفاف على جانبيه، وهي من الصفات الطبيعية المعروفة لأنهار العالم في مرحلةٍ يسميها علماء جغرافية أشكال سطح بمرحلة الشباب Youth Stage.

ورغم أن متاعب رحلة الجبال كانت أكثر، إلا أن وجود النسيم العليل في عز الصيف كان يشعرنا بالراحة والانتعاش، بعكس الرحلة صوب منبع نهر أركنساس، حيث كنا نسير على حواف ذلك النهر، الذي يقع بين حائطين مرتفعين جداً ، يصلان إلى نحو ثلاثمائة متر لكلٍ حائط منهما، مما يترك العنان للتفكير كيف أن مجموعةً من الرحالة تسير في منتصف شهر آب(أغسطس) بين هذين الحائطين الشاهقين، وفي منطقة غير مكشوفة للهواء العليل، مما يؤدي إلى ارتفاع درجات الحرارة إلى أعتاب الأربعينيات المئوية، وبخاصةٍ كلما اقترب النهار من منتصفه.

ومع ذلك، فإن الحُكم على ما فعلهُ ذلك النهر من التعرية الشديدة في الصخور على مدى ملايين السنين، يجعل من المناظر الخلابة حولنا مدعاةً للدراسة والتأمل والتفسير. وهذا ما كان يشجعنا عليه الأستاذ المشرف على تلك الحملة، الذي ما انفكَ يتحدث عن هذه الظاهرة الطبيعية أو تلك، مما نشاهده من أنشطة النهر، موجهاً أحياناً بعض الأسئلة إلينا، ومجيباً عن بعض الأسئلة من طرفنا، مع التركيز على المجروفات التي يحملها النهر من حجارة صغيرة، إلى الحصى الأصغر حجماً والأخف وزناً، إلى الذرات الدقيقة التي نجمت عن تصادم الحصى والحجارة مع بعضها في مجرى النهر.
وكانت نهاية الرحلة رائعة، بكل ما تحمله الكلمة من معنى، حيث الوصول إلى أدنى عمقٍ لمجرى النهر، حيث تم إنشاء الجسر المعلق عليه، والذي يعتبر من بين أعلى الجسور المعلقة في العالم، والمسمى بجسر الخانق الملكي Royal Gorge Bridge . وقد تطلب هذا منا الصعود من ذلك الوادي السحيق، إلى الجسر الذي يعلوه بشكلٍ ملفتٍ للنظر، وذلك عن طريق سلالم حديدية بمئات الدرجات، كي نأخذ بعدها صوراً تذكارية، ونعود أدراجنا نحو مركز التدريب، كي نكتب ليلاً تقريراً علمياً عن مشاهداتنا وملاحظاتنا، وملخصاً لما دار من حوارات ومناقشات مفيدة للجميع، كي توضع في ملف أعمال المادة لكل طالب على حدة.

لهذا كله، فإن رسالة التدريب الميداني تبقى سامية للغاية، في ترجمة المعلومات النظرية التي تمّ اكتسابها سابقا إلى خبرات واقعية، حتى ترسخ في الذاكرة ويصبح من الصعب نسيانها، بالإضافة إلى اكتساب الكثير من العادات والاتجاهات والمهارات المرغوب فيها من جانب الدارسين، لاسيما من حيث الانخراط في العمل الجماعي، واحترام آراء الآخرين وتقدير وجهات نظرهم، والاستفادة مما يطرحونه من أفكارٍ وخبراتٍ تؤكد تماماً على تطبيق أفكارالمفكر المعروف ابن خلدون وأقوالهُ الخالدة، بأن الإنسان مدنيٌ بالطبع.

jawdatmassa@gmail.com
profjawdat@yahoo.com


بواسطة : admin
 0  0  106
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 12:23 صباحًا الثلاثاء 24 أبريل 2018.