مرحباً بكم بموقع الدكتور عبدالله بن صالح المقبل. تم إنشاء هذا الموقع في عام 1996 حينما كنت ادرس مرحلة الدكتوراة بالولايات المتحدة الأمريكية.

  • ×

09:59 صباحًا , الثلاثاء 24 أبريل 2018

الحلقة الثالثة عشرة: رحلة علمية إلى جبال الروكي الأميركية

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
image
http://www.alrai.com/article/761945.html
صحيفة الرأي الأردنية (قسم الأبواب)

تاريخ النشر: الاحد: 17/1/2016- العدد: (16482)

الحلقة الثالثة عشرة:
رحلة علمية إلى جبال الروكي الأميركية
image

أ.د. جودت أحمد المساعيد: :

كان من بين الشروط الصعبة للحصول على ماجستير الجغرافيا من جامعة كانساس، التي كانت تتبوأ المركز الرابع من بين الجامعات الأمريكية في هذا التخصص، بالإضافة إلى إنهاء (36) ساعة معتمدة بتقدير جيد جداً على الأقل، أن يمر الطالب بفترة تدريب ميداني في جبال الروكي الأمريكية لمدة شهرٍ كاملٍ في فصل الصيف، ينجز خلالها عدداً من المهام العملية، تطبيقاً لما تمتْ دراسته من موضوعات سابقة في مجال الجغرافيا الطبيعية والنباتية والبشرية، وذلك من أجل التأكد من اكتساب الدارسين لكلٍ من المعارف والمهارات والاتجاهات المرغوب فيها.

وعند انتهاء فصل الربيع لعام 1978، وبعد خروج نتائج بقية مواد برنامج ماجستير الجغرافيا، وصلتني رسالةً رسميةً من المشرف على البرنامج الجغرافي الميداني البروفيسور شورتريدجShort Ridge يؤكد فيها على ضرورة حضور الاجتماع الخاص بالدارسين، المطلوب منهم القيام بالتدريب الميداني في جبال الروكي. وفي ذلك الاجتماع المحدد، أوضح المشرف جميع الأهداف العلمية لبرنامج التدريب، منوهاً إلى العديد من التجارب خلال السنوات السابقة من إيجابيات وسلبيات، ومحدداً لجميع الاستعدادات الواجب أخذها في الحسبان من جانب كل متدرب، ولا سيما من حيث الملابس الميدانية، والأحذية الرياضية المرنة، وحقائب الظهر الخاصة بالرحالة، والتهيؤ لتسلق الجبال الوعرة، مع المرور بحذرٍ شديدِ من بين أشجار الغابات الكثيفة، وإمكانية التعرض لأشعة الشمس لفترة طويلة، مما يستدعي إستعمال أنواعٍ محددة من الكريمات الواقية من أشعة الشمس، بالإضافة إلى القدرة السريعة على كتابة التقارير الميدانية الفورية أولاً بأول .

وانطلقت الحافلة في الوقت المحدد، وكانت تقل تسعة عشر دارساً ودارسة، بالإضافة إلى المشرف العام على الرحلة، كي تبدأ الخطوة الأولى من مسافة السبعماية كيلومتر المطلوب قطعها في الاتجاه الواحد. وبينما نحن في منتصف المسافة تقريباً، حدث ما كنا نخشاه. فمن المعروف أن الولايات الواقعة في الوسط والجنوب من قارة أمريكا الشمالية، تشتهر خلال فصل الصيف بحدوث أعاصير التورنيدو Tornado المدمرة، حيث تغطت السماء فجأةً بسحبٍ سوداء داكنة، إلى درجة أن النهار تحول إلى ما يشبه الليل، وانهمرت الأمطار بغزارةٍ شديدةٍ، وكنا نرى الأعاصير اللولبية أوالقُمعية من بعيد، فأدركنا جميعاً أنها قد تكون نهايتنا، حيث توجد الحافلة في منطقةٍ زراعية شاسعة لا وجود للمباني التي يمكن أن نحتمي بها، مع توقف حركة السير تماماً، وعدم معرفة الإتجاه الدقيق لمسار تلك الأعاصير، مما استدعى الاتفاق من الجميع على بقاء الحافلة في الشارع العام دون حركة، والتركيز المتواصل على متابعة محطات الإذاعة المحلية العديدة، وما تصدره من نشراتٍ متلاحقةٍ عن هذه الحالة الخطرة من طقس الأعاصير المميتة.

وبقينا كالأسرى داخل الحافلة، رهنَ تغير الجو العاصف دون فائدة، والكل ينظر يمنةً ويسرةً، خشية توالد إعصارٍ جديدٍ هنا أوهناك، يقذف بنا بعيداً دون هوادة في مهب الرياح المزمجرة، والتي لا ترحم البشر أو الشجر أو حتى الحجر. وفي الوقت الذي كان فيه الدارسون الأمريكان يتجادلون حول مصيرنا المجهول، كنت أتمتم بيني وبين نفسي بجميع آيات القرآن الكريم التي أحفظها، والأدعية التي يُطلقُها الإنسان المسلم في مثل هذه المواقف الصعبة، لعل الله سبحانهُ وتعالى أن يلطف بمصيرنا المجهول.وبعد مرور ما يزيد قليلاً عن الساعة في هذا الجو القاتم، بدأت الأمطار تقلُ غزارةً، والرياحُ تخفُ قوةً، ومدى الرؤيا يزيد وضوحاً، وظهرت بوادر مرور سيارات المغامرين من السائقين المرتبطين بمواعيد محددة لتوصيل ركابهم أو تسليم بضائعهم، مما رفع من مستوى معنوياتنا، وساعدنا على إصدار قرارٍ جماعي جديد بالاستمرار في الرحلة صوب ولاية كلورادو، بعد ربع ساعةٍ من استمرار تحسن الأجواء، وبشرط عدم إصدار تحذيرات جديدة من الإذاعات المحلية. وبالفعل، تحركتْ الحافلة وسط تصفيقٍ حادٍ من الجميع.

وسارتْ الرحلة فيما بعد إلى هدفها على خير ما يرام، وقبيل منتصف الليل بقليل أعلن مشرف الحملة قرب الوصول إلى مركز التدريب الميداني التابع لقسم الجغرافيا بجامعة كانساس بين جبال الروكي في ولاية كلورادو، كي يستعد الجميع لنقل الأمتعة وترتيبها في الغرف المخصصة للدارسين. وما هي سوى نصف ساعة من الوقت، حتى كانت الحافلة وسط ذلك المركز، قام المشرف بعدها بتوزيع الدارسين على الغرف المتوفرة، وبمعدل أربعة دارسين في كل غرفة، مع إتاحة الفرصة لمن يرغب في أن يكون العدد أقل في هذه الغرف أن يمارس حقه في ذلك، في ظل توفر المزيد منها، مع الأخذ بالحسبان وجود ثلاث دارسات تم وضعهن في سكن الإناث الذي يبعد نحو مائتي متر عن سكن الذكور. وما أن طرحنا بأجسادنا على الأسِرةِ المريحة، حتى أخذنا نَغُطُ في نومٍ عميق، بعد أكثر من عشر ساعات من السفر المُضني، والذي اقترنَ بظروفٍ استثنائية مليئةٍ بالرعبِ والخوف على المسار والمصير. وفي الصباح المتأخر قليلاً جاء المشرف ليطالب الجميع بالنهوض من النوم والاستعداد للاستحمام، ومن بعدها الذهاب لتناول طعام الإفطار. وفجأة حصل شيء أذهلني، إذ قام الطلبة الثلاثة الآخرين معي وجميعهم من الأمريكيين، بخلع ملابسهم تماماً وأخذ المناشف معهم واتجهوا بشكلٍ جماعي لأماكن الاستحمام وهم عُراةً، وعادوا بعدها ملتفين بتلك المناشف، ليقوموا بارتداء ملابس نظيفة أمام بعضهم بعضاً دون حرج. فعرفت بعدها أن هذا الأمر يعتبر شيئاً عادياً لدى الأمريكان، مما دفعني إلى الطلب من المشرف العام على الحملة، أن أنتقل إلى غرفةٍ أسكن فيها لوحدي طيلة فترة التدريب .

وذهبتُ لوحدي إلى مكان الاستحمام، بعد أن تأكدت بأن الجميع قد انتهى من هذه المهمة، وما أن عدتُ إلى غرفتي حتى طلب المشرف من الجميع التوجه إلى الحافلة، من أجل الذهاب مسافة ثلاثة كيلومترات إلى منزل عائلة تتعاقد معها الجامعة سنوياً لتجهيز ثلاث وجبات يومياً للدارسين. وما أن وصلنا حتى استقبلتنا تلك العائلة بترحابٍ شديدٍ، ليطرحوا بعدها طعام الفطور على طاولات مخصصة لذلك، كي أفاجأ من جديد بأن جميع الأطعمة التي تمّ تحضيرها لأفراد الحملة، فيها مشتقات من لحم الخنزير، مما دفعني للاعتذار عن تناولها موضحاً السبب، فتصرف المشرف مع رب العائلة المضيفة بسرعة، عندما علم الجميع بأنني مسلم، إذ تم إحضار البيض والجبنة والنقانق المكونة من لحم البقر، وتناولتُ الوجبة مع الآخرين بشكلٍ عادي، وتمَ ترتيب الوجبات الخاصة بي فيما بعد من جاني تلك العائلة على هذا الأساس، مما يؤكد احترام معتقدات الآخرين من حيث المأكل والمشرب والملبس والمسكن.
prof.almassaeed@gmail.com profjawdat@yahoo.com



بواسطة : admin
 0  0  102
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 09:59 صباحًا الثلاثاء 24 أبريل 2018.