مرحباً بكم بموقع الدكتور عبدالله بن صالح المقبل. تم إنشاء هذا الموقع في عام 1996 حينما كنت ادرس مرحلة الدكتوراة بالولايات المتحدة الأمريكية.

  • ×

12:11 صباحًا , الثلاثاء 24 أبريل 2018

الحلقة الثانية عشرة: ذكريات صعبة مع الماجستير الثانية

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
image
http://www.alrai.com/article/760387.html
صحيفة الرأي الأردنية (قسم الأبواب)

تاريخ النشر: الاحد: 10/1/2016- العدد: (16475)

الحلقة الثانية عشرة:
ذكريات صعبة مع الماجستير الثانية
image
بقلم أ.د. جودت أحمد المساعيد

ما أن استقرت الأوضاع المادية والأكاديمية في منتصف السنة الثانية لالتحاقي ببرنامج الدكتوراة في جامعة كانساس Kansas الأمريكية، بعد حصولي على منحةٍ دراسيةٍ كريمةٍ من جامعة اليرموك الأردنية لإكمال برنامج الدكتوراة، حتى أوضح لي المشرف الأكاديمي البروفيسور جون جنثر Guenther John، بأنه مع بداية السنة الثالثة، وبعد أن تمّ قطعُ شوطٍ جيدٍ للغاية في دراسة مقررات التخصص الرئيسي Major، وهو مناهج وطرق تدريس الدراسات الاجتماعية، فإنه لا بد من تحقيق شرطٍ مهمٍ آخر وهو دراسة مقررات التخصص الفرعي Minor، والذي تقوم فيه الجامعة أصلاً بإعطاء الحرية الكاملة لطالب الدكتوراة لاختيار أي تخصص فيها تسمح به التعليمات والأنظمة، من أجل دراسة اثنتي عشرة ساعة معتمدة والنجاح فيها حسب الأصول، بشرط أن تكون هذه المقررات من خارج الكلية التي ينتمي اليها الطالب، وهي بالنسبة لي هنا، تعني خارج كلية التربية.

وبما أنني كنتُ أحملُ في الأصل درجة البكالوريوس في الجغرافيا بتقدير جيد جداً والأول على الدفعة عام 1968، ولما كان هذا المجال المعرفي قد أستمتعتُ بتدريسهِ لطلبة المرحلة الثانوية الأردنية عند خدمتي معلماً فيها لمدة خمس سنوات، وبما أنني أيضاً قمتُ بتعليم مناهج الجغرافيا وطرق تدريسها لمدة ثلاث سنوات، عندما كنتُ محاضراً في جامعة الملك سعود بالرياض في الفترة من 1973-1976، فقد قررتُ أن يكون التخصص الفرعي الأنسب لي هو ميدان الجغرافيا، لما قد يفيد ذلك كثيرأ في دعم تخصصي الرئيسي، إذ تعتبر الجغرافيا مجالاً مُهماً من المجالات المتعددة للدراسات الاجتماعية.

ولكن وفي إحدى الليالي التي انفردتُ بها في التفكيرالعميق مع نفسي حول ما قاله الأستاذ المشرف بالنسبة الى التخصص الفرعي، فقد وردتني فكرة متعبة جداً ولكنها مفيدة للغاية، سيطرتْ على تلابيب عقلي طيلة تلك الليلة تقريباً، وهي أنه يمكن لي أن أضيفَ إحدى وعشرين ساعةً معتمدةً من مقررات الدراسات العليا في الجغرافيا إلى الإثنتي عشرة ساعة المطلوبة أصلاً مني لتحقيق شرط التخصص الفرعي، كي أحصل على ماجستير آخر في الجغرافيا من جامعة كانساس الأمريكية، غير ماجستير التربية الذي حصلتُ عليه من الجامعة الأردنية عام 1973.
وما أن انبلج فجر اليوم التالي، حتى بدأتُ بالاستعداد للذهاب إلى الجامعة مبكراً لمقابلة الأستاذ المشرف، الذي أعرفه تماماً بأنه من المحبين لتشجيع طلابه على اكتساب المزيد من المعارف الجديدة، إذ كنتُ ألاحظ أنه ما أن يتم طرح أي مقررٍ جديدٍ له صلة بتخصصي الدقيق، حتى يطلب مني التسجيل فيه، رغم كوني أحياناً على وشك إتمام المتطلبات الإجبارية والاختيارية للبرنامج. ومع ذلك، فقد انتابني القلق الشديد بأنه لن يقبل اقتراحي هذا، خشية التأثير على برنامج الدكتوراة في التربية. وكان من المعروف عن ذلك المشرف تواجدهُ في مكتبهِ مبكراً. وما أن قرعتُ باب مكتبه حتى قال: قدومكَ مبكراً للغاية يا جودت، يعني وجود مشكلة. قلت له نعم، حيث لم أذق من طعم النوم إلا القليل، وأنا أفكر في الحصول على ماجستير آخر في الجغرافيا، وأخشى من معارضتك لذلك.

فاستغرب جداً من الاقتراح قائلاً: ولكنك طالب دكتوراة، وهذا سيؤثر على مسيرتك الأكاديمية. عندها ترددتُ قليلاٍ في بداية الأمر للرد، ولكنني استطردتُ قائلاً: أنت من علمتنا ضرورة مراعاة الحاجات والميول والاهتمامات للطلبة، وأنت من تطلب مني كلما ظهرت مادة تربوية حديثة ومفيدة أن أسجل فيها لتقوية الجانبين المعرفي والتربوي، فما الذي يختلف في طرحي الجديد عما توجهنا إليه؟ فرد قائلاً الخشية على مسيرتك الأكاديمية في برنامج الدكتوراة، ومع ذلك لا مانع عندي من تنفيذ مقترحك، على أن تتحمل المسؤولية الكاملة في حال التأخير، لأن عليكَ إنجاز برنامج الدكتوراة في المدة المحددة، ولأن ماجستير الجغرافيا يتبع كلية الآداب البعيدة نسبياً عن كلية التربية في موقعها، حيث تتوزع الجامعة على تلالٍ عديدةٍ وبمساحاتٍ كبيرة، ولأن تواصلنا مع أعضاء هيئة التدريس فيها يبقى محدوداً إذا ما قيس بما هو عليه في كلية التربية.
فشكرتُهُ على موافقتهِ في نهاية المطاف، واتجهتُ بعدها مباشرةً صوبَ عمادة القبول والتسجيل في الجامعة، للاستفسار عن كيفية التسجيل في برنامج ماجستير الجغرافيا، جنباً إلى جنب مع برنامج دكتوراة التربية، فطلبوا مني تعبئة بعض النماذج من أجل تكوين ملفٍ جديدٍ يوجه إلى رئيس قسم الجغرافيا بكلية الآداب، على أن أقوم بمراجعته بعد اسبوع لتحديد مشرفٍ أكاديمي آخر، لأنهم اعتبروني شخصين في جامعة واحدة لحين إنهاء أحد البرنامجين.

ورغم شعوري بالانتعاش المعنوي بسبب إنجاز الخطوة الأولى نحو تحقيق أمنيتي بالحصول على ماجستير الجغرافيا، إلا أن القلق عاد يراودني من جديد، عندما علمتُ بأن ترتيب قسم الجغرافيا في جامعة كانساس، بين أقسام الجغرافيا في الجامعات الأمريكية قاطبةً هو الرابع آنذاك، أي أن التعقيدات والصعوبات متوقعة جداً. بالإضافة إلا أن رئيس القسم قد أبلغني أن الماجستير عن طريق الامتحان الشامل يكون بإتمام (36) ساعة معتمدة، أي بزيادة ثلاث ساعات عن ماجستير الرسالة. ومع ذلك، فقد عزمتُ على السيرِ قُدُماً نحو تحقيق الهدف المرسوم مهما كلف الأمر من متاعب. وما أن اقترب موعد تسجيل الفصل الدراسي الجديد حتى جاءتني فكرة متعبةً أخرى، وهي ضرورة إنهاء ماجستير الجغرافيا في فصلين دراسيين فقط، مع تخصيص الفصلين القادمين لتحقيق هذا الغرض، ودون تسجيل أي مادة تربوية معها. فما كان مني سوى تسجيل ثماني عشرة ساعة معتمدة جميعها مواد جغرافية.
كل هذه الصعوبات والآلام تبقى هينةً للغاية بجانب ما حدث معي فجأةً، عندما استلمتُ خطاباً عاجلاً من أ.د. هاك HACK،عميد الدراسات العليا في الجامعة، يطلب مني مراجعته فوراً، وذلك قبيل منتصف الفصل الدراسي، ودون إبداء أي توضيح لطبيعة السبب. وما أن دخلتُ مكتبهِ بعد التنسيقٍ مع السكرتيرة، حتى بدء بالهجوم الشديد، إذ ما زلتُ أتذكر ما قال بالحرف الواحد: (هل أنت مجنون كي تسجل (18) ساعة معتمدة في فصلٍ واحد ببرنامج دراسات عليا، علماً بأنه ممنوع على الأجنبي تسجيل أكثر من (12) ساعة، وحتى الأمريكي لا يجوز أن يسجل أكثر من (15) ساعة معتمدة في ظروف استثنائية.

وقد رجوته كي تبقى الأمور على ما هي عليه، لأننا في الجزء الثاني من الفصل الدراسي، وقدمتُ فعلاً امتحانات منتصف الفصل، وعدد من المشاريع البحثية الشفوية والتحريرية، ولكنه لم يكترث بذلك وقال هذا خطأ منك وأنت تتحمله. فقلت له: هل هناك من استثناءات ضمن لوائح وأنظمة الجامعة،لأنني سأدفع رسوم تسجيل الساعات المعتمدة الست إذا انسحبتُ منها بعد انتهاء موعد الانسحاب، حسب تعليمات الابتعاث لجامعة اليرموك، فقال هناك استثناء واحد، ولكنني لا أظن أنه ينطبق عليك. فقلتُ وما هو سيدي: قال الحصول على (4) من (4) في المعدل التراكمي. فانفرجتْ سريرتي وقلت له وأنا مسرور جداً: لطفاً أنظر إلى ملفي، فقد أنهيتُ (48) ساعة معتمدة بهذا التقدير. وعندما تأكد من الملف قام والله وصافحني بحرارةٍ قائلاً: مبروك عليك، وبامكانك الاستمرار في هذا العبء الدراسي الثقيل لهذا الفصل، فقلتُ فوراً: وهل يمكنني تكرار ذلك في الفصل القادم، قال إذا حافظتَ على هذا الشرط.
رجعتُ بعدها منتعشاً إلى البيت، بعد معاناةٍ نفسيةٍ قاسية، وعند بداية الفصل الدراسي التالي، قمتُ بتسجيل(18) ساعة معتمدة أخرى، وتقدمتُ في نهايتهِ للإمتحان الشامل، وحصلتُ ولله الحمد على شهادة ماجستير أخرى في الجغرافيا هذه المرة غير ماجستير التربية، كي أعود بعدها إلى إكمال المطلوب من برنامج الدكتوراة في التربية. وبالفعل، كم كان لهذه الدرجة العلمية الجديدة أثرٌ كبيرٌ في تأليف كتبٍ جغرافية عديدة، وإجراء بحوث تربوية جغرافية متنوعة سيأتي الحديث عنها لاحقاً. وباختصار، فإن أي هدفٍ يضعه الإنسان نُصبَ عينيه، فما عليه سوى الاستعداد التام لتحقيقه، ومحاولة تذليل العقبات التي تعترضه بشتى الوسائل والسُبُل المشروعة، مع الاستعانة دوماً بقدرة الله وعونه وتوفيقه.... إنه نِعْمَ المولى، ونِعْمَ النصير.
jawdatmassa@gmail.com profjawdat@yahoo.com


بواسطة : admin
 0  0  105
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 12:11 صباحًا الثلاثاء 24 أبريل 2018.