مرحباً بكم بموقع الدكتور عبدالله بن صالح المقبل. تم إنشاء هذا الموقع في عام 1996 حينما كنت ادرس مرحلة الدكتوراة بالولايات المتحدة الأمريكية.

  • ×

09:39 صباحًا , الثلاثاء 24 أبريل 2018

الحلقة التاسعة: ذكريات السفر إلى الدراسة في أميركا

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
image
http://www.alrai.com/article/756326.html

صحيفة الرأي الأردنية (قسم الأبواب)

تاريخ النشر: الاحد: 20/12/2015- العدد: (16464)

الحلقة التاسعة:
ذكريات السفر إلى الدراسة في أميركا


image

بقلم: أ.د. جودت أحمد المساعيد
ما أن أنهيتُ السنة الرابعة من التدريس الفعلي في كلية التربية بجامعة الملك سعود بالرياض في شهر تموز(يوليو) من عام (1976)، والعمل في حملات محو الأمية التابعة لوزارة المعارف السعودية لخمسة شهور خلال فصلين من فصول الصيف لعام (1974) وعام (1975)، وحصولي على عدة قبولات لدراسة الدكتوراة من سبع جامعاتٍ أمريكية مشهورة، وتجميعي لمبلغٍ مناسبٍ من المال طيلة سنوات العمل الأربع، حتى قررت السفر في أوائل شهر آب (أغسطس) من عام 1976م إلى جامعة كانساس Kansas University الأمريكية. وقد تمّ ذلك بعد العودة إلى الأردن من السعودية، للجلوس إسبوعين مع الأهل في مدينة صويلح غرب العاصمة عمان، قبل وداعهم والانطلاق إلى الالتحاق ببرنامج الدكتوراة.

أما عن السر من وراء اختيار جامعة كانساس للدراسة فيها من بين سبع جامعات أمريكية، فيعود إلى مجموعةٍ من العوامل تمت دراستها بعمق في ضوء المعلومات التفصيلية التي حصلت عليها عن الجامعات السبع، ويتمثل أول هذه العوامل في ضخامة كلية التربية، وتنوع برامجها للدراسات العليا، ولا سيما برنامج مناهج وطرق تدريس الدراسات الاجتماعية وهو مجال تخصصي الدقيق، وحداثة المواد الدراسية التربوية المطروحة في ذلك البرنامج آنذاك، وكثرة التسهيلات التي توفرها جامعة ضخمة يلتحق بها نحو خمسين ألفا من الطلبة من مختلف أرجاء العالم، ووجود عدة مراكز تربوية تتبع الكلية ذاتها، ووجود جالية في جامعة كانساس من معظم الأقطار العربية ولا سيما من المبعوثين من جامعة الملك سعود بالرياض لدراسة الدكتوراة، ووجودها في منطقةٍ زراعية خصبة وغير مزدحمة جداً بالسكان كالمدن المليونية الكبرى، مما يجعل تكاليف الحياة أقل، ووجود الجامعة في ولاية كانساس التي تقع في وسط خريطة الولايات المتحدة تماماً، حيث تسمى عندهم في العادة بقلب البلاد Heart of the U.S.A.، مما يسمح لي مستقبلاً بالسفر في مختلف الاتجاهات عند حضور المؤتمرات أو اللقاءات أو الندوات العلمية المتعددة، أو حتى للقيام بالزيارات والرحلات الترفيهية والسياحية.

وغادرتُ مطار عمان الدولي في 8 – 8 – 1976، متوجهاً إلى مطار كانساس سيتي، عبر مطار شيكاجو، ومعي زوجتي وثلاثة أبناء صغار هم خلدون وإيهاب ورائد، دارت حول سفرهم معي من عدمه العديد من الآراء ووجهات النظر المتعارضة. إذ نصحني الكثيرون بتركهم في الأردن من أجل التخفيف من التكاليف، وعدم الانشغال بمتاعب أسرة مؤلفة من خمسة أشخاص، والاختلاط بشكلٍ أفضل مع الحياة الأمريكية. وبعد دراسةٍ مستفيضةٍ، قررتُ اصطحابهم معي لأسبابٍ دينيةٍ واجتماعيةٍ بل وحتى إقتصادية أيضاً، لما توفره الزوجة والأبناء من استقرارٍ نفسي ودراسي وخدماتي يندر مثيلهُ في بيئةٍ مختلفةٍ في كل شيء تقريباً عن بيئتنا العربية الإسلامية.
وما أن وطأت قدمايّ أرض مدينة لورنس Lawrence، مركز جامعة كانساس، حتى اتصلتُ بأحد الطلبة السعوديين في تلك الجامعة، الذي كان يمر بمكتبي في جامعة الملك سعود بمدينة الرياض خلال إجازاته الجامعية، ويشجعني على الدراسة في الجامعة المبعوث اليها، وبخاصةٍ عندما علمَ برغبتي في إكمال دراستي في إحدى الجامعات الأمريكية، وهو الطالب عبدالوهاب السماعيل(رحمه الله) ، الذي استقبلني أيما استقبال، وأوجد لي سكناً في منطقةٍ قريبة نسبياً من سكناه، وأكمل معي الأوراق الرسمية التي تطلبها الجامعة، وأرسلني إلى مراكز امتحان التوفل TOEFL، وامتحان أل GRE، واللذين انتهيت منهما في الأسبوع الأول ذاته، واجتزتهما ولله الحمد بالمستوى الذي توصي به الجامعة، وقمتُ بعدها بتسجيل أول (12) ساعة معتمدة للدكتوراة.
وما زلتُ أتذكر الحصة الأولى في برنامج الدكتوراة، والتي كانت عن مادة (تخطيط المناهج وتطويرها Curriculum Planning and Development)، والتي التحق بها نحو ثلاثين من طلبة الدكتوراة، وكيف وزع أستاذ المادة فلسفته في التدريس، بموجب خطةٍ مكتوبةٍ وموزعةٍ على طول أشهر الفصل الدراسي الأربعة، ابتداءاً من أهداف ذلك المساق، وانتقالاً إلى عناوين موضوعاتهِ المتعددة، والأنشطة المطلوب من الدارسين القيام بها داخل الحجرة الدراسية، أو في المنزل، أو في المكتبة، وبشكلٍ فردي أو جماعي، ومنتهيةً تلك الخطة بأساليب تقويم الدارسين لهذا المساق وأوزانها المئوية، وتحديد مواعيد الاختبارات، أو تقديم البحوث، أوالأنشطة والواجبات الأخرى، مع طرح المراجع الكثيرة التي يجب على الدارس اللجوء اليها والاستفادة منها لتحقيق أهداف تلك المادة.
وما أن تمَ توزيع الخطة من جانب أستاذ المادة، وتوضيح مضامينها المتنوعة ومتطلباتها المتعددة، حتى طلب من الدارسين أن يقدم كل واحدٍ منهم نفسه في نصف دقيقة. وقد لاحظتُ من خلال هذه الحركة، عدم وجود أي طالبٍ عربي معي، مما يلزمني بتكوين صداقات مع بعض الطلبة الأمريكيين، الذين كان يغلب على معظمهم التقدم في السن من جهة، والخبرة في التدريس أو الإدرة التعليمية على مستوى المدارس أو المعاهد أو الجامعات من جهةٍ ثانية. وهذا في الواقع سيكون في صالحي من الناحية الدراسية، حيث ستزداد لغتي الانجليزية قوةً، وسيتم التعرف جيداً من جانبي على طريقة تفكير هؤلاء الطلبة وكيفية التعامل معهم سواء في هذا المقرر أو في غيره من المقررات القادمة.
وانتقل استاذ المادة فيما بعد، إلى إعطاء خلفيةٍ نظريةٍ عميقةٍ عن الموضوع، وطالبَ الجميع بالاستعداد في النصف الثاني للحصة، لتكوين مجموعات صغيرة لمناقشة ما تمَ طرحهُ من معلومات، وربطهِ جيداً بالتنوع الثري لخبرات الدارسين لهذا المساق. عندها أدركتُ بأن التفاعل مع الآخرين سوف يتم في ضوء خبراتي السابقة كمعلمٍ في المدارس الثانوية الأردنية، ومحاضرٍ في إحدى الجامعات السعودية، ومشرفٍ على بعض حملات محو الأمية السعودية.
وبالفعل، ما أن عُدنا من استراحة الربع ساعة لما بين جزئي الحصة، حتى تمّ تقسيم الصف إلى خمس مجموعات، حصل خلالها توزيع أستاذ المادة لعددٍ من المهام المحددة لكل لجنة، مع مطالبة أفراد كل مجموعة بالنقاش الفعال لتحقيق هذه المهام، وربط كل نقطةٍ منها بنوع الخبرة أو الخبرات التي مرَ بها أعضاء المجموعة مهما كانت بسيطة، ومدى تأثيرها على المادة المدروسة.
وقد تعلمتُ من الحصة الأولى لبرنامج الدكتوراة في جامعة كانساس الأمريكية، العديد من القيم والاتجاهات المرغوب فيها، مثل الجدية في العمل منذ اللحظة الأولى لبداية الفصل الدراسي من جانب أستاذ المادة والدارسين على حدٍ سواء، وتوزيع خطة المساق الدراسي على الجميع ومناقشتها بوضوح، والبداية القوية لطرح الخلفية النظرية للموضوع الأول الموجود في تلك الخطة، وربط ما يُطرح من حقائق ومعلومات في الحصة بخبرات الدارسين المتنوعة ومعلوماتهم السابقة، واعتماد أسلوب المجموعات الصغيرة لإثراء النقاش وتبادل الأفكار والآراء في جو تعاوني مثمر، والتدريب على احترام وجهات نظر الآخرين حتى لو اختلفت مع وجهات نظرك الشخصية، والتدريب على مهارة الإصغاء الإيجابي لما يقوله أستاذ المادة أو الزملاء في المجموعة، والعمل على تحليل كل ذلك والتعليق عليه، والتدريب على عملية صنع القرارات بين أفراد المجموعة بعد اختيار الأفضل منها، وإدراك الدارس بأن عليه دوراً نشطاً يجب أن يؤديه. ومثل هذه الاتجاهات والقيم، من المفروض أن يتم ترسيخها خلال عملية التدريس الجامعي العربي بكل دقةٍ وأمانةٍ وإخلاص، حتى تتحقق أهداف ذلك التعليم، في تكوين الشخصية الناقدة والقيادية والفاعلة في وقتٍ واحد، للدارس الجامعي الذي نريد.
jawdatmassa@gmail.com profjawdat@yahoo.com


بواسطة : admin
 0  0  95
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 09:39 صباحًا الثلاثاء 24 أبريل 2018.