مرحباً بكم بموقع الدكتور عبدالله بن صالح المقبل. تم إنشاء هذا الموقع في عام 1996 حينما كنت ادرس مرحلة الدكتوراة بالولايات المتحدة الأمريكية.

  • ×

09:54 صباحًا , الثلاثاء 24 أبريل 2018

الحلقة العاشرة: الشهور الصعبة الأولى لدراسة الدكتوراة

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
image
http://www.alrai.com/article/757667.html
صحيفة الرأي الأردنية (قسم الأبواب)

تاريخ النشر: الاحد: 27/12/2015- العدد: (16471)

الحلقة العاشرة:
الشهور الصعبة الأولى لدراسة الدكتوراة


image


بقلم: أ.د. جودت أحمد المساعيد


وكأي فردٍ في هذا الكون، يغادر وطنهُ وبيئتهُ ومجتمعهُ الذي احتضنهُ سنواتٍ وسنوات، وانتقل إلى بيئةٍ اجتماعيةٍ وثقافيةٍ وقيميةٍ مختلفةٍ في كل شيءٍ تقريباً ، فإنه لا بد أن يواجه الكثير من الصعوبات، ويتعثر بالمزيد من العراقيل، ويتهيب من كل خطوةٍ يخطوها، ويصنع الكثير من القرارات السريعة والبطيئة، دون استشارة قريبٍ، أو أخذ رأي صديقٍ، أو الاستعانة بالكثير من المؤسسات ذات الصلة، والتي يعرف أماكنها والعاملين فيها، ويزورها متى شاء، دون إذنٍ أو ميعاد، كي يتم استقباله بالترحاب، ويعود أدراجهُ مسروراً حتى لو لم يحقق جميع أهدافه. في الوقت الذي لا يستطيع في البيئة الجديدة أن يلتقي أحداً، أو يزورهُ، أو يذهب إلى مؤسسةٍ تعليميةٍ أوثقافية أو اجتماعية أو اقتصاديةٍ، بدون ترتيباتٍ مسبقةٍ ومواعيد انتظار قد تطول، بحيث تفسد على صاحبها الغرض من تلك الزيارة أو اللقاء.

وقد تبدو لي أن هذه الأمور التنظيمية التي واجهتها في الشهور الأولى لوجودي في الولايات المتحدة الأمريكية، في خريف عام 1976واعتبرتها عقباتٍ كبرى، تمثل في الواقع أموراً حياتية عادية في المجتمعات المتحضرة، ولكنها لم تكن سائدة بشكلٍ واضح في مجتمعاتنا العربية آنذاك، مما جعلها غريبة علينا. كما قد يكون لتأصل العادات والتقاليد العربية في سهولة التواصل واللقاء بالآخرين بطريقة أخوية أو عشائرية أو دينية أو عروبية عفوية وميسرة، سبباً في الضيق مما وجدناهُ من صعوبة التداخل مع الآخرين. هذا ناهيكَ عن الحواجز اللغوية والثقافية والفكرية والاجتماعية والسياسية والسيكولوجية، بين الدارس العربي وزميله الأمريكي.

وتزداد التعقيدات أمام الدارس العربي في العادة، لو كانت زوجته وأطفاله بصحبته هناك، حيث الاختلاط بالعائلات الأمريكية يظل دون الحد الأدنى بكثير، وذلك لاعتبارات عديدة، مما يدفعه جدياً لإقامة علاقات وثيقة مع عائلات العرب من الطلبة أو المهاجرين، وذلك هرباً من العزلة القاتلة بين العائلات الأمريكية من جهة، وتعويضاً عن الجو العائلي الحنون الذي تركه في الوطن الأم من جهةٍ أخرى. وبينما أنا في هذه المشكلة الصعبة التي زادت من حدة التوتر والقلق النفسي العائلي، إذا بالفرج يأتي عن طريق الصدفة. فبينما كنتُ يوماً أتحدث مع البروفيسور John Guenther المرشد الأكاديمي الخاص بي، والذي أشرف فيما بعد على أطروحتي للدكتوراة، وبينما أنا أشكو له من عزلة الزوجة والأطفال، الذين كانوا دون السن القانونية للمدرسة، إذا به يمسك هاتف مكتبه ويتصل بإحدى المؤسسات التي يطلق عليها إسم Head Start، وهي عبارة عن حضانة وروضة خيرية لذوي الدخل المحدود، تقدم خدماتها مجاناً للأطفال. وقد حدد معهم موعداً لزيارة بعض المسؤولين لمنزلي، للاطلاع عن كثب على وضع الأطفال الثلاثة. ونصحني بضرورة التعاون معهم، مع إبلاغه بأي مشكلة قد تحول دون التحاق الأطفال بالحضانة والروضه. فشكرته كثيراً وعدت مسرعاً إلى البيت كي أنقل الخبر السعيد إلى عائلتي.

وفي اليوم المحدد، وصل الوفد من ثلاثة أشخاص والتقوا مع الأطفال وتوددوا إليهم بكلماتٍ وأحاديث لطيفة، إلا أن الأطفال للأسف الشديد لم يتقبلوهم، وهربوا نحو أمهم، لأنهم لم يفهموا شيئاً من كلامهم، وهذا ما زاد من قلقي بأنهم ربما يرفضون مبدأ التحاق الأطفال الثلاثة بالحضانة والروضة، وتبقى مشكلة عزلتهم قائمة. وبينما كنتُ أقوم أنا والزوجة بإكرام هذا الوفد بالمأكولات الخفيفة من المعجنات العربية اللذيذة والشاي والقهوة، نجدهم يتبادلون أطراف الحديث بصوتٍ خافت ومتواصل، إلى أن قالوا لي: المشكلة لديك صعبة، وهي أن أطفالك لا يجيدون اللغة الإنجليزية، ثم لا يقبلون أحداً غير أمهم، ومع ذلك فالحلُ هو عندك، ويتمثل في أن تتطوع زوجتك بالعمل المجاني في الحضانة والروضة كي تكون بجانب أطفالها حتى نشعر بتكيفهم التام، على أن تقوم الحافلة يومياً بنقلهم صباحاً وتعيدهم بعد الظهر، فوافقتُ فوراً دون تردد، وأصبح الأطفال بعد عدة شهور يتحدثون الانجليزية بسرعة، وعاشت والدتهم في جو مدرسي مع أبنائها لفصلٍ دراسي كامل، حتى تعودوا على مثل هذه الأجواء، وانتقلوا شيئاً فشيئاً الى المدارس الحكومية مع تقدمهم في السن.

وهنا لم تتحسن الأمور النفسية والعائلية والاجتماعية لدى الزوجة والأطفال فحسب، بل انعكس هذا التحسن أيضاً على مسيرتي الدراسية في برنامج الدكتوراة، ولا سيما بعد تقديم امتحانات منتصف الفصل للمواد الأربع التي سجلتها، والتي كانت ولله الحمد ممتازة، إضافةً إلى تقديم أربعة عروضٍ شفويةٍ أمام الطلبة من جانبي لموضوعاتٍ ذات علاقةٍ وثيقةٍ بتلك المواد، والتعزيز الذي ظهر من أساتذة المواد والطلبة الملتحقين بها، والتي ساهمت في التأقلم شبه الطبيعي من جانبي مع أجواء الدراسة في الجامعات الأمريكية. ومما ساعد في تحقيق هذا الهدف بسرعة، كثرة الواجبات الصفية والمنزلية التي كان يطلبها أساتذة المواد، ومن بينها المشاريع البحثية الجماعية، التي عززت من اللقاءات المتعددة مع أفراد المجموعة داخل الجامعة وفي غير أوقات الحصص الرسمية، وذلك لتبادل الآراء حول جوانب تلك المشاريع، في ضوء الالتزام الدقيق بمواعيد تقديمها لأساتذة المواد.

وهذا ما يميز في الواقع برامج الدراسات العليا في الجامعات الأمريكية، حيث لا يكاد يخلو اللقاء الأسبوعي للطلبة مع أستاذ المادة، من قراءة كتابٍ ما أو عدة فصولٍ منه على الأقل، أو تقديم عرضٍ شفهي فردي أو جماعي لقضيةٍ ما، أو تسليم بحثٍ قصير حول معضلةٍ معينة وتوزيع ملخصٍ له على الزملاء، أو تطبيق نظام أسلوبٍ من أساليب التعلم الفعالة. ومن أكثر ما أعجبني من هذه الأساليب ما أطلق عليه بروفيسور جنثرGuenther وقتها: أسلوب أو تقنية المحكمة Court Technique ، والذي يتمثل في تقسيم طلبة الدكتوراة المسجلين لمادة (تخطيط المناهج وتطويرها)، إلى خمس مجموعاتٍ صغيرةٍ، أعطى لكل مجموعة منها رقماً من (1 – 5)، ووزع عدداً من المهام ذات الصلة بموضوعات المادة عليها، وطلب منها مناقشة تلك المهام فيما بين أعضائها بفاعلية، بعد اختيار مقررٍ لكل مجموعة، كي يكتب ما يتفق عليه الأعضاء في ورقة خاصة استعداداً للخطوة التالية.

وبالفعل، ما أن انتهت المجموعات من مناقشاتها للمهام المحددة، وتدوين ما توصلتْ إليه من قرارات أو حلول، حتى قال أستاذ المادة : دعنا نفترض وضع المجموعة الأولى في قفص الاتهام مجازياً وكأننا في محكمة رسمية، ونطلب من مقررها قراءة ما توصلت إليه تلك المجموعة، على أن تصغي بقية المجموعات لذلك، وتوجه استفساراتٍ متنوعة، على أن يرد أفراد المجموعة الأولى عليها. وما أن تنتهي عملية مناقشة المجموعة الأولى، حتى يطلب من أفرادها إعادة صياغة قراراتهم في ضوء تلك الاستفسارات والاحتفاظ بالورقة لحين انتهاء المجموعات الأخرى. ويتم الطلب من المجموعة الثانية بعد ذلك أن تتصور نفسها مجازياً في قفص الاتهام، وتعرض ما توصلت إليه من حلول للقضايا التي كُلِفَتْ بها أمام بقية المجموعات، على أن تقوم بالرد على استفسارات أعضاء المجموعات الأخرى، وتعمل الخطوات ذاتها التي أتبعتها المجموعة الأولى، وهكذا بالنسبة لبقية المجموعات. وما أن انتهت آخر مجموعة من عملها، حتى طلب من أحد مقرري اللجان الذهاب الى سكرتيرة رئيس القسم لتصوير الأوراق الخمس بعدد الطلبة وتوزيعها عليهم لللاستفادة منها.

مثل هذا الأسلوب الشيق للتدريس الذي اتبعه بروفيسور جنثرGuenther، لم يسهم في فهم المادة الدراسية بشكلٍ عميق فحسب، ولم يكسب الدارسين مهارات واتجاهات عديدة مرغوب فيها فقط، وإنما علاوةً على هذا وذاك، زرع في نفس هذا الدارس الأردني العربي، روح الشعور بالاطمئنان والراحة النفسية في التفاعل مع الآخرين، مهما تنوعت خلفياتهم أو تعددت لغاتهم، أو اختلفت أنماط حياتهم، لأننا في الواقع نعيش دوماَ في عالم صغير، مهما ترامت أطرافه، ومهما توسعت بحاره ومحيطاته.

jawdatmassa@gmail.com profjawdat@yahoo.com



بواسطة : admin
 0  0  96
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 09:54 صباحًا الثلاثاء 24 أبريل 2018.