مرحباً بكم بموقع الدكتور عبدالله بن صالح المقبل. تم إنشاء هذا الموقع في عام 1996 حينما كنت ادرس مرحلة الدكتوراة بالولايات المتحدة الأمريكية.

  • ×

12:04 صباحًا , الثلاثاء 24 أبريل 2018

الحلقة الثامنة: ذكريات حملات محو الأمية في الجوف

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
image

http://www.alrai.com/article /754909.html
صحيفة الرأي الأردنية (قسم الأبواب)
تاريخ النشر: الاحد: 13/12/2015- العدد: (16457)

الحلقة الثامنة :

ذكريات حملات محو الأمية في الجوف

image

بقلم: أ.د. جودت أحمد المساعيد:
ما أن أنهيتُ بنجاحٍ حملة محو الأمية الأولى التي عُقدتْ في منطقة العيص التابعة للمدينة المنورة، حتى زادت علاقتي مع وزارة المعارف السعودية، إذ تمت زيارات متتالية من جانبي إلى المسؤولين عن هذه الحملات بشكلٍ شهري، بناءً على طلبهم في الغالب، وذلك لتقييم الحملة الأولى، واستعداداً وتخطيطاً للحملة التالية في الصيف المقبل. وقد تدخل عاملٌ آخر زاد من متانة هذه العلاقة مع وزارة المعارف، إذ كانت هناك مجموعةً من الشكاوي من جانب الطلبة والمعلمين وأولياء الأمورعن ضخامة حجم كتب التاريخ والجغرافيا لطلبة الصفين الثامن والتاسع، وتم تشكيل لجنة مشتركة من بعض المشرفين التربويين في الوزارة، وعددٍ من المتخصصين في ميدان الدراسات الاجتماعية بكلية التربية في جامعة الملك سعود بالرياض، وكنت لحسنِ الحظ من بينهم بحكم التخصص.

وعُقدتْ اجتماعات متتالية لتقييم كتب التاريخ والجغرافيا، بعد دراسةٍ سابرةٍ لها من جانب أعضاء اللجنة، وما دار خلالها من مناقشات اتصفت بالعمق والشفافية العلمية، تبعتها في كل اجتماع تحديد نقاط التوافق على جوانب الضعف في هذين الكتابين، واقتراح توصياتٍ محددة للعمل على تنفيذها لعلاج المشكلة، مع توثيق ذلك في محاضر اجتماعاتٍ رسمية، تُرفع نسخةٌ منها إلى المعنيين بوزارة المعارف، في حين تُرسلُ نسخةٌ ثانية إلى عميد كلية التربية بالجامعة. وتأكيداً على نجاح هذه الجهود، تم اتخاذ مجموعة من القرارات الرسمية بتعديل هذين الكتابين في ضوء ملاحظات اللجنة المشتركة، اعتباراً من بداية العام الدراسي 1974/1975م.
وما أن أطلّ شهر آذار(مارس) من عام 1975، حتى وصل خطابٌ جديدٌ من وزارة المعارف السعودية، إلى عميد كلية التربية، يطلب منه تشكيل فريقٍ جديدٍ من الطلاب المتوقع تخرجهم، مع قائد للحملة من بين أعضاء هيئة التدريس. ولما كان العميد يعرف اتصالاتي المستمرة بشأن ملف حملات محو الأمية، واجتماعاتي المتواصلة مع الفريق المختص بوزارة المعارف، فقد أصدر قراراً جديداً بتكليفي بالمهمة ذاتها، ولكن في المكان الذي تحدده وزارة المعارف. وكنا خلال اجتماعاتنا المشتركة السابقة، قد درسنا حاجة المجتمع السعودي في البادية الشمالية من منطقة الجوف، بالقرب من الحدود الأردنية، واستقر الرأي أن تكون حملة وزارة المعارف منفصلة هذه المرة عن حملة الجامعة، مما زاد من احتياطاتنا هذه المرة لضمان نجاح حملة الجامعة، مع تجنب الهفوات التي وقعت في العام الماضي والتمسك بالإيجابيات التي أنجزتْ.

لذا، فقد طلبتُ خطياً من عميد الكلية، تزويدنا بسيارة تحوي جهاز لاسلكي، حتى نتصل في حالات الطوارئ في هذه الصحاري مترامية الأطراف، والتي لا تخلو من المخاطر العديدة، إضافة إلى تخصيص طبيب وصهريج مياه، جنباً إلى جنب مع الخيم والقدور والطباخين. واتجهنا بعدها صوب مدينة سكاكا عاصمة منطقة الجوف عبر الدمام، ورفحا، وعرعر. وكان عميد الكلية قد حملني رسالة مكتومة من سمو الأمير خالد بن فهد بن خالد، وكيل وزارة المعارف وقتها، إلى أمير منطقة الجوف الشيخ عبد الرحمن السديري. وعندما وصلنا مدينة سكاكا والتقينا بمسؤولي مديرية التربية والتعليم فيها، قاموا بتحديد منطقة عملنا في قرية خوعة وجوارها، في داخل الصحراء وعلى بُعدِ ستين كيلو متراً من سكاكا.
.
وأبلغتُ مدير التربية والتعليم في سكاكا بأنني أحمل رسالة شخصية من سمو وكيل وزارة المعارف إلى أمير منطقة الجوف الشيخ عبد الرحمن السديري، وأريدك أن ترسل معي شخصاً يوصلني إلى مبنى الإمارة، فتمّ ذلك. ولكن ما أن وصلتُ إلى ذلك المبنى، فوجئتُ بالمئات من المواطنين السعوديين داخل ردهات الإمارة وخارجها، فقلتُ في نفسي، لا يمكن لي مقابلة الشيخ السديري اليوم، في ظل هذه الطوابير الطويلة من الناس. وتقدمتُ إلى أحد الأشخاص الذين يقومون بتنظيم المراجعين، وسلمتهُ خطاباً من سمو الأمير خالد بن فهد بن خالد، وكيل وزارة المعارف. وما هي إلا برهة قصيرة من الوقت حتى عاد ذاك الشخص واقترب مني قائلاً: الشيخ السديري يريدك فوراً.
.
وعندما دخلتُ مكتبه الفخم، استقبلني بحرارةٍ شديدةٍ قائلاً: نحن نشعر بالاعتزاز والفخر لتنفيذ تعليمات سمو الأمير، وجميع إمكانيات الإمارة تحت تصرف الحملة، حتى نضمن العمل على إنجاحها، وسيتم الاتصال بشيوخ منطقة خوعة، لتحقيق التعاون التام معكم، وتسهيل مهمتكم، وخصص لنا أحد الأدلاء للسير مع قافلتنا للوصول الى المكان المستهدف، لا سيما وأن الطرق غير معبدة، وأن خطوط السيارات في الصحراء كثيرة ومتداخلة ولا تعرف ماذا تختار، إلا إذا كنت من أبناء المنطقة. وأضاف الشيخ السديري، سأخصص لكم صهريجاً من الماء لتزويد الحملة كل أسبوع، وأنني سأزور المنطقة قريباً.

ووصلنا إلى المنطقة المحددة، وقام جميع أفراد الحملة بجهودٍ جبارةٍ في سبيل تسوية الأرض، ونصب الخيم عليها، ورفع سارية العلم، وتوزيع مستلزمات الحملة وترتيبها وعلى رأسها المصابيح البترولية العديدة التي أحضرناها معنا، ودهن مجموعة من الحجارة باللون الأبيض، ووضعها حول المخيم كمنظرٍ جمالي واضح، وذلك في بطن وادٍ عريض تحيطُ به الكثبان الرملية من اليمين واليسار، حيث تتوزع عليها بيوت الشعر للمواطنين السعوديين من أهل البادية، في حين تقع مساكن القرية ذاتها على بُعد ألف متر من معسكر الحملة. وتوجهنا إلى مسجد القرية عند إقامة الصلوات، واجتمعنا بشيوخ القرية، الذين أبدوا تعاوناً واضحاً، وبدأ كبار السن يتهافتون ليلاً للالتحاق بالدروس المخطط لها.

وفي صبيحة أحد الأيام، لاحظنا وجود بيت جديد من الشعر يبعد نحو نصف كيلو متر، وقد خرج منه أحد الأشخاص متوجهاً إلى معسكر الحملة، وأبلغني بضرورة تناول طعام الغداء مع الشيخ السديري بعد صلاة الجمعة. وبالفعل توجهنا في الوقت المحدد، واستقبلنا الشيخ السديري، ومعه عدد من شيوخ القرية، حيث أشاد بجهودنا، وطالب وجوه المنطقة بالتعاون الدائم معنا. وبعدها بدأت الولائم تترى ظهراً وعلى مدى أربعة أيام لدى عددٍ من شيوخ المنطقة، ختمها الشيخ السديري بكلمة توجيهية، ودعوة لأبناء المنطقة وما جاورها مساء الجمعة لتناول طعام العشاء في أحد المناطق الفسيحة جداً، حيث تمّ إحضار آلاف الكراسي، تحت الأنوار الكاشفة للمولدات الكهربائية. ولقد رأيت في تلك الليلة أضخم وليمة شاهدتها في حياتي، حضرها الآلاف من الناس، الذين خطبَ فيهم الشيخ عبدالرحمن السديري بلغةٍ رصينة، وأشعارٍ رائعة لمدة تقارب الساعة، عمل خلالها على توجيه الحضور للعمل على بناء البلاد، والحفاظ على الأمن والاستقرار فيها، مؤكداً على أن لكل مواطن حقوق، ولكن عليه واجبات، بعدها انفضَ الجمع، واستمر عملنا في الحملة حتى نهايتها بنجاح واستمتاع مع أهل البادية الأصلاء، حيث ما أن تنتهي دروس محو الأمية، حتى تبدأ السهرة الطويلة عند هذا الشيخ أو ذاك، مقرونة بالقصص الطريفة، والأشعار الصادقة. فكانت بذلك ذكريات جميلة لا تُنسى، قررتُ بعدها بأقل من عام، مراسلة الجامعات الأمريكية للحصول على قبولٍ للدكتوراة، وغادرتُ بعدها للدراسة، ولهذا كله ذكرياتٌ أخرى تحتاج إلى حلقاتٍ جديدة.
jawdatmassa@gmail.com
profjawdat@yahoo.com


بواسطة : admin
 0  0  88
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 12:04 صباحًا الثلاثاء 24 أبريل 2018.