مرحباً بكم بموقع الدكتور عبدالله بن صالح المقبل. تم إنشاء هذا الموقع في عام 1996 حينما كنت ادرس مرحلة الدكتوراة بالولايات المتحدة الأمريكية.

  • ×

09:40 صباحًا , الثلاثاء 24 أبريل 2018

الحلقة الخامسة: ذكريات التدريس بجامعة الملك سعود

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
image

http://www.alrai.com/article/749234.html
صحيفة الرأي الأردنية (قسم الأبواب)

تاريخ النشر: الاحد: 8/11/2015- العدد: (16429)

الحلقة الخامسة:

ذكريات التدريس بجامعة الملك سعود
image

بقلم: أ.د. جودت أحمد المساعيد

كانت كلية التربية التابعة لجامعة الملك سعود في الرياض، عند التحاقي بها للتدريس في خريف عام 1973، تقع في حي الناصرية، في حين كانت الكليات الأخرى موزعة في أحياء ومناطق متفرقة، في الوقت الذي كانت فيه إدارة الجامعة تقع في شارع الستين بمنطقة الملز، وذلك قبل انتقالها بشكلٍ موحد، كي تحتل مساحات شاسعة، وبمواقع متقاربة للكليات جميعاً. وكان مبنى كلية التربية يمثل جزءاً من قصرٍ قديمٍ فخم، ملحقٌ به الكثير من القاعات والغرف والساحات الواسعة، إضافةً الى مسجدٍ صغير. وقد تمَ توزيع الأقسام العلمية الرئيسية على الطبقات الثلاث، بحيث كان نصيب قسم المناهج وطرق التدريس الطابق الثاني. وكان ينتمي لهذا القسم وقتها نحو ربع المائة من أعضاء هيئة التدريس، من حملة الدكتوراة في المناهج وطرق التدريس كأساتذة مواد فقط، ومن حملة الماجستيرفيها، كمشرفي تربيةٍ عملية. أما عن جنسيات هؤلاء المدرسين، فكانت متنوعة، وتشمل السعوديين، والمصريين، والأردنيين، والسودانيين، والعراقيين، والسوريين، وكان رئيس القسم وقتها هو المرحوم أ.د. كامل محمد الباقر من السودان الكبير، الذي كان يتصف بالشخصية الاعتبارية والعلمية المتميزة، والذي أصبح فيما بعد رئيساً لجامعة أم درمان الإسلامية.

ولأول مرة في حياتي أقوم بالتدريس في جامعة عريقة، ومع هذا العدد المتنوع من أعضاء هيئة التدريس. وكان هذا يمثل فائدةً عظيمة بالنسبة لي، وذلك نظراً لتنوع الخبرات العلمية والتدريسية والإدارية لهؤلاء جميعاً، والذين جاءوا من بيئاتٍ تربوية شتى، مما أضاف للبيئة التربوية السعودية زخماً كبيراً. وقد انعكس ذلك بشكلٍ واضح خلال اجتماعات القسم الكثيرة، وما يطرح فيها من مشكلات، وما يتبادل فيها الجميع من آراء وأفكار ووجهات نظر، تؤدي إلى التعمق في الأمور بشكلٍ ملفتٍ للنظر.

ومن بين أفضل المآثر العلمية التي تُحسبُ لذكرياتي في قسم المناهج وطرق التدريس، وجود ندوةٍ علميةSeminar إسبوعية، ولمدة ساعتين على الأقل، يحضرها جميع أعضاء هيئة التدريس في القسم ليل كل ثلاثاء، ولا يجوز الغياب عنها إلا بعذرٍ قاهرٍ. إذ كان على كل عضو في القسم أن يختار موضوعاً تربوياً يعرضه على الحضور في إحدى ليالي تلك الندوة، وتُجمع العناوين كلها وتعرض على المجلس في إحدى إجتماعاته الأولى للعام الدراسي، ويتم تغيير بعضها إن كان فيها نوعٌ من التكرار أو التشابه، ثم تعتمد، ويتم جدولتها بتواريخ محددة، وتوزع على الجميع كوثيقةٍ رسمية يتم الالتزام بها بدقةٍ متناهية.

وكم كانت هذه الندوة أو حلقة السمينار مفيدة جداً للجميع، وبخاصةٍ لي كشابٍ في مقتبل العمر، يرنو إلى تحسين وضعه الأكاديمي بالحصول على درجة الدكتوراة، حيث صادف ذلك وجود أساتذة تخرجوا من جامعات أجنبيةٍ وعربيةٍ عريقةٍ جداً مثل أوكسفورد Oxford، وكمبريدج Cambridge في بريطانيا، والسوربون ٍSorbonne، في فرنسا، وكولومبيا Columbia، وجونز هوبكنز Johns Hopkins، وبيركلي Berkeley، وستانفورد Stanford في الولايات المتحدة الأمريكية، والقاهرة، وعين شمس، والاسكندرية في مصر العربية. وهذا ما جعل هذه الخلفيات العلمية والتربوية تتمازج معاً، مكملةً بعضها بعضاً، ومعممةً الفائدة على الجميع بلا استثناء، لما فيه مصلحة الطلاب والكلية والجامعة في نهاية المطاف.

وكانت هناك لجنةٌ للندوات في القسم يرأسها أحد الأساتذة الكبار، ولحسن حظي أن وافق رئيس القسم على أن أكون أحد أعضاء هذه اللجنة، للقيام ببعض الأعمال التنسيقية والتنظيمية التي يكلفني بها رئيس اللجنة. وكان كل هدفي أن أتعلم المزيد من مهارات البحث العلمي، تمهيداً لتحقيق أملي بالحصول على درجة الدكتوراة فيما بعد. وكان كل عضو هيئة تدريس يقترب موعد إلقاء بحثهِ أو موضوعهِ، يقوم بعمل ملخصٍ له في بضع صفحات، وتصويرها بعدد أعضاء مجلس القسم قبل الموعد بإسبوع على الأقل، حتى يتمكن الجميع من قراءتهِ بعمق، ووضع الأسئلة أو الملاحظات عليه، تمهيداً لطرحها وقت العرض. وما أن يأتي الوقت المحدد للندوة، حتى يأخذ الجميع أماكنهم، ويقوم رئيس لجنة الندوات بتقديم المحاضر، معطياً نبذةً عنه، وبضع كلمات عن موضوعه، ويأذن له بالحديث عن الموضوع أو البحث التربوي الذي أعدهُ جيداً، تاركاً المجال للآخرين للإصغاء الإيجابي لكل ما يقال، وكتابة ملاحظات إضافية لتلك التي كتبوها أصلاً على ملخص البحث الذي استلموه من قبل ، وذلك في ضوء التفصيلات الجديدة التي يقدمها.
وما أن ينتهي المحاضر من إلقاء موضوعه، حتى يقوم رئيس لجنة الندوات بإدارة النقاش، فاتحاً المجال للجميع للإستفسار، أو التعقيب، أو الإضافة، أو الاتفاق في الرأي، أو الاختلاف فيه. وكم كنتُ استمتع بطرح الأفكار التربوية الحديثة وقتها من جانب ذوي الخبرة الطويلة من الأساتذة، والمنسوبة لكبار علماء التربية، مستخدمين الكثير من المصطلحات الأجنبية التي كانت ترسخ في ذهني. وتدور بعد ذلك مناقشات ثريةً وممتعة بين الجميع، لا نشعر كيف انتهى الوقت المخصص للندوة. وكان يتم تعديل البحث في ضوء المناقشات، ويعيد المحاضر طباعته من جديد، ويسلمه لرئيس القسم كوثيقة علمية رسمية تُحسَبُ له كنشاط أكاديمي مرغوب فيه. وكان دوري في تقديم البحث في تلك الندوة قد جاء متأخراً، حتى أنال أكبر قسطٍ من الفائدة. وقد استأذنت أعضاء مجلس القسم جميعاً من قبل، أن يدور موضوع التقديم عندي حول العنوان المقترح لرسالة الدكتوراة التي آمل تقديمها، وقد رحبوا جميعاً بذلك.

وقبيل موعد الإلقاء المخصص لي، كنت قد انتهيتُ من كتابة المخطط المقترح لرسالة الدكتوراة الخاصة بي، وقمتُ بتصوير جميع صفحاته، وتوزيعها على ربع المئة من أعضاء هيئة التدريس في القسم قبل ذلك بإسبوعين. وبما أنني استفدتُ من جميع الملاحظات والانتقادات الكثيرة التي وجهتْ للمحاضرين السابقين، فقد حاولت تجنب الكثير من الهفوات، والتمسك بالكثير من إرشادات الأساتذة الكبار، سواء في كتابة خطوات بحث الدكتوراة المقترح، أو في طريقة إلقائه، وباستخدام أفضل الوسائل التعليمية المتاحة وقتها. وكم كنتُ سعيداً للغاية من التغذية الراجعة الحقيقية التي حصلت عليها من الجميع، بحيث أضيفت إلى ما كان موجوداً، ليصبح المخطط بشهادتهم مرشحاً للقبول. ومن الخدمات الجليلة التي قدمها لي بعض الأساتذة المصريين الأجلاء، أن أخذوا نسخاً معهم من مخطط الدكتوراة، ومن شهادتي البكالوريوس والماجستير، ليعودوا في بداية العام الدراسي التالي ومعهم قبول من جامعة عين شمس.

ورغم حصولي على قبول في برنامج الدكتوراة في المناهج وطرق التدريس من جامعة عين شمس المصرية، إلا أنني كنت أتمنى إكمال الدكتوراة في إحدى الجامعات الأمريكية، لكثرة ما رأيت من خريجي الجامعات الأوروبية والأمريكية من استخدام اللغة الانجليزية في مناقشاتهم وطروحاتهم العلمية الكثيرة. وشاءت الأقدار أن الحظ يساعدني مالياً لتحقيق هذا الحلم، عن طريق ترشيحي رئيساً لحملة محو الأمية في الصحاري السعودية لنحو شهرين ونصف في صيفين متتاليين، وبثلاثة رواتب لكل شهر، مع الأكل والشرب والمصاريف، مما سمح لي بتوفير مبلغ من المال طوال سنواتٍ ثلاث من العمل المتواصل، سافرتُ بعدها إلى الولايات المتحدة، والتحقتُ ببرنامج الدكتوراة في جامعة كانساس الأمريكية Kansas University. ونظراً لأهمية ذكريات حملات محو الأمية وطرافتها وفائدة الخبرة فيها، فسوف تكون الحلقة القادمة بإذن الله عنها.
profjawdat@yahoo.com

jawdatmassa@gmail.com

بواسطة : admin
 0  0  95
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 09:40 صباحًا الثلاثاء 24 أبريل 2018.