مرحباً بكم بموقع الدكتور عبدالله بن صالح المقبل. تم إنشاء هذا الموقع في عام 1996 حينما كنت ادرس مرحلة الدكتوراة بالولايات المتحدة الأمريكية.

  • ×

12:07 صباحًا , الثلاثاء 24 أبريل 2018

الحلقة الأولى :الذكريات التعليمية

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
image

http://www.alrai.com/article/752155.html

صحيفة الرأي الأردنية (قسم الأبواب)
تاريخ النشر: الاحد: 18/10/2015- العدد: (16401)

الحلقة الأولى:


الذكريات التعليمية الأولى
image
بقلم: أ.د. جودت أحمد المساعيد

تبقى الخبرات التربوية للإنسان، حاضرة في القلوب والأذهان، مهما عصفت بها الظروف والأحداث، ومهما تعاقبت عليها السنون والأيام. فما زلت أتذكر الشهور الأولى لعملي معلماً للتاريخ والجغرافيا في المدارس الثانوية التابعة لوزارة التربية والتعليم الأردنية، قبل ما يقارب النصف قرنٍ من الزمان. وكانت المعلومات الجامعية بمادة الجغرافيا، والتي حصلت فيها على الترتيب الأول، ما زالت راسخة كالصخر، في الوقت الذي كانت فيه الحماسة على أشدها لممارسة مهنة التدريس منذ اللحظة الأولى للدخول الى الحجرة الدراسية، دون تردد أو خوف من الفشل، في ضوء مرحلة الشباب الماسية التي كنت أمرُ بها في ذلك الوقت .

وقد رافق ذلك، نوعٌ من التحضير العميق لكل درس من الدروس، اعتماداً على اجتهادي الشخصي، دون توجيهٍ أو أشرافٍ من أحد، ولا سيما في الشهور الستة الأولى من تلك الخبرة، مستخدماً خلالها ما هو متوفر في المدرسة من الخرائط الجغرافية والتاريخية رغم قلتها، ومحاولاً رسم الكثير مما تتطلبه الموضوعات المدرسية المتنوعة، مستغلاً المواهب والطاقات الإبداعية الكامنة لدى الكثيرين من طلبة هذه المرحلة، والذين كانت تنقصهم أساليب التعزيز العديدة، والتي تحولهم إلى عناصر أساسية في بيئة التعلم النشط المطلوبة.

ولكن مما أثار دهشتي واستغرابي في تلك المرحلة المبكرة من الخدمة في سلك التربية والتعليم، هو تهكم بعض زملائي من قدامى المعلمين، على ما اعتبروه نوعاً من الحماس الزائد من جانبي، لن يجلب لصاحبه سوى المتاعب الأكيدة والوقوع في الأخطاء العديدة، ناسين أو متناسين بأن الإنسان يتعلم من إخفاقاته أكثر مما يستفيد من نجاحاته، في الكثير من المواقف التربوية والحياتية. بل وكلما أردتُ اللجوء إلى بعضهم للاستشارة أو للاستفسارعن بعض الأمور، وجدت قليلاً من التعاون، وكثيراً من التعليق والصدود.

إلا أن ذلك لم يَفُتّ في عَضُدي، ولم يوصلني إلى ما قد يوصل بعض المعلمين من الإحباط والاستسلام، بل كان يمثل في الحقيقة نوعاً من التحدي، الذي يتطلب الصمود الحقيقي، ليس من أجل الحفاظ على السمعة العلمية والتدريسية بين الطلبة والأقران والإدارة المدرسية فحسب، بل وقبل ذلك، للرغبة الصادقة في الحرص على البقاء في المهنة التي اخترتها بنفسي، دون ضغوط من أحد، لأنها كانت تلبي اهتماماتٍ في نفسي بأن أكون يوماً ما معلماً ناجحاً، لا سيما بعد أن قرأت في صحيفة (الجهاد) الأردنية، وأنا طالب في المرحلة الثانوية في أوائل الستينيات من القرن الماضي، أن رئيس غينيا الأسبق (احمد سيكوتوري) عندما سألوه عن أفضل مهنة مارسها من بين المهن السبع التي عايشها فعلياً، بما فيها رئاسة الجمهورية قال: إنها مهنة المعلم، لأنها تحرص على تربية النشء الصالح والنافع لنفسه وأهله وبلده.

وقد ساهم في هذا الصمود رغم المثبطات العديدة، بعض التشجيع الذي كنت ألقاه من مدير المدرسة وأحد المعلمين، ولكن العامل الأهم، جاء من السمعة الطيبة التي انتشرت بين الطلبة، وانتقلت أصداؤها فيما بعد الى المعلمين، ليس في المدرسة التي أعمل بها فقط، بل وفي المدارس الأخرى القريبة، وإلى مديرية التربية والتعليم التي تتبع لها المدرسة، والتي لجأت الى الطلب مني تقديم بعض الدروس النموذجية أمام معلمي الدراسات الاجتماعية ومعلماتها من وقتٍ لآخر.

ونظراً لأنني لاحظتُ حاجتي الماسة إلى التعمق في الأمور التربوية منذ الأيام الأولى لعملية التدريس، فقد أخبرني أحد الأصدقاء بافتتاح أول برنامج دراسي في الجامعة الأردنية بعد درجة البكالوريوس يسمى بدبلوم التربية، مما جعلني أهرع للتسجيل فيه بطريقة منتظمة، حيث ينتهي دوام عملي في المدرسة حوالي الثانية بعد الظهر، في الوقت الذي يبدأ دوام برنامج دبلوم التربية، من الرابعة عصرأ وحتى السابعة مساءأ، وبشكلٍ يومي.

وكان اللقاء مع طلبة تلك الدفعة من الدبلوم، والذين بلغوا نحو ثلث المئة، يمثل الدخول في عالمٍ معرفي واجتماعي جديد للغاية بالنسبة لي، حيث كان معظمهم من المعلمين والمديرين والمشرفين التربويين والمرشدين النفسيين ومديري المناطق التعليمية، مما ساهم بدرجةٍ كبيرة في الاستفادة من تبادل الخبرات، وتلاقح الأفكار والآراء، وتعدد وجهات النظر، والذي يمثل في الواقع النمو المهني الحقيقي للمعلم .

ولأول مرة، أجد التنافس على أشده بين الملتحقين ببرنامج دبلوم التربية، ليس في الأنشطة والواجبات والاختبارات فحسب، بل وقبل ذلك في عالم المهنة الواسع، وما يحويه من معلومات وتطورات، وما يقتضيه ذلك من طرحٍ للمشكلات والصعوبات والتصدي لها، بما يمتلكه الدارسون من أفكار وآراء وخبرات. وكانت المناقشات الثرية، تترك في النفس الكثير من العادات والقيم والاتجاهات المرغوب فيها، مثل الإصغاء الإيجابي لكل ما يدور من حوارات بناءة، وتحليلها، والعمل على نقدها، بالاتفاق أو الاختلاف في الأفكار أو الآراء، مع طرح المبررات المنطقية وراء كل ذلك. هذا ناهيك عن تطبيق الأنشطة الجماعية، التي تؤدي إلى احترام آراء الآخرين، وتكامل المعلومات وتوظيفها عن طريق ربطها بالواقع التربوي الأردني إيجاباً أو سلباً.

نعم، إنها الذكريات التعليمية الأولى لمعلم في المدارس الثانوية، والتي رغم كونها شخصيةً إلى حدٍ كبير، إلا أنها توثقُ لبعض حالات الوضع التربوي قبل نحو نصف قرنٍ، لمن يريد التذكر من الجيل السابق، ولمن يرنو إلى دراسة تلك الأيام، أو يأخذ منها العبرة من الأجيال الصاعدة.

profjawdat@yahoo.com jawdatmassa@gmail.com

بواسطة : admin
 0  0  116
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 12:07 صباحًا الثلاثاء 24 أبريل 2018.