مرحباً بكم بموقع الدكتور عبدالله بن صالح المقبل. تم إنشاء هذا الموقع في عام 1996 حينما كنت ادرس مرحلة الدكتوراة بالولايات المتحدة الأمريكية.

  • ×

12:17 صباحًا , الثلاثاء 24 أبريل 2018

الحلقة (56) من ذكرياتي في التربية والتعليم العالي تحت عنوان: زِيَارَةُ شَوقٍ لِسلطنةِ عُمَان بعد عَقدينِ مِنَ الزَمَان

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
image
http://alrai.com/article/10373007//
صحيفة الرأي الأردنية (قسم الأبواب)

تاريخ النشر: الأحد: 22/1/2017- العدد: (16856)

الحلقة (56) من ذكرياتي في التربية والتعليم العالي تحت عنوان:
زِيَارَةُ شَوقٍ لِسلطنةِ عُمَان بعد عَقدينِ مِنَ الزَمَان
image

بقلم: أ.د. جودت احمد المساعيد
لكل إنسانٍ في هذا الوجود وطنٌ ينشأ ويترعرع فيه، متفاعلاً بكل جوارحهِ مع البيئتين البشرية والطبيعية من حوله، بحيث يمر في سنواتِ عُمرهِ بخبراتٍ وذكرياتٍ وتجاربَ لا تُعَدُ ولا تُحصى، بعضها يخرج منها متفائلاً ومنشرحَ الصدرِ، ومحققاً للكثير من أهدافهِ المرسومة من قبل، بينما يواجه في بعضها الآخر الصدمات أو العوائق التي غالباً ما تحول دون تحقيق تلك الطموحات التي خططَ لها جيداً.

وقد يعيش الفرد في وطنٍ واحدٍ طيلة حياته، لا يغادرهُ ولا يسعى للهجرة إلى غيره مهما واجهته المشكلات أو عصفت به الهموم، نظراً لأن الظروف المحيطة به تحتم عليه البقاء فيه. ومع ذلك، فقد تدفع الظروف غيره من الأشخاص إلى الهجرة أو الترحال لفترة قصيرة أو طويلة، لأسبابٍ اقتصاديةٍ أو اجتماعيةٍ أو سياسيةٍ أوعلمية. وهذا ما حدث معي عندما غادرتُ الأردن عام 1988 متوجهاً إلى سلطنة عُمان لأسبابٍ علمية أكاديمية تتمثلُ في التدريس بجامعة السلطان قابوس، حيث مكثتُ فيها عقداً كاملاً من الزمان.

ولكن كما هو معروف في قوانين الطبيعة، وحتى بالنسبة للمعاملات والتفاعلات البشرية الكثيرة والمتنوعة، فإنه مع كل بداية لا بد أن تكون نهاية. إذ بعد عقدٍ كاملٍ من العمل الجاد والمخلص في تلك الجامعة، عُدتُ إلى الأردن عام 1998م، حيث عملتُ بعدها في عدة جامعات هي: جامعة النجاح في نابلس بفلسطين، وجامعة البلقاء التطبيقية، وجامعة الإسراء الخاصة، وجامعة الشرق الأوسط ، وجميعها في العاصمة الأردنية عمان.

ونظراً لانتقال إبني الدكتور رائد، استشاري جراحة المناظير، مع زوجتهِ استشارية النساء والولادة، للعمل في مستشفى مسقط الخاص بسلطنة عُمان، في شهر تموز(يوليو) من عام 2015م، فقد طلبا مني اختيار الوقت المناسب لزيارتهما وأطفالهما، لاسترجاع الذكريات الجميلة التي عشناها سوية في ذلك البلد المضياف، خاصة وأن د. رائد كان من بين العشرة الأوائل في الثانوية العامة لسلطنة عمان عام 1991. وقد فضلنا جميعاً أن تتم الزيارة في الأسابيع الثلاثة الأولى من شهر شباط (فبراير) من عام 2016م.

وفي الموعد المحدد، أي بعد نحو عقدين من مغادرتي للسلطنة، توجهتُ بالطائرة إلى مدينة مسقط الحبيبة، كي أجدها قد تغيرت كثيراً نحو الأفضل. فمع الحِفاظ على رونقها السابق، إلا أنها قد ازدادت جمالاً وروعةً وبهاءاً. فهذه الأسواق التجارية الضخمة التي تسمى بالمولات، والتي كانت متواضعة في عددها سابقاً، قد انتشرت بشكلٍ كبيرٍ ومُلفتٍ للنظر، مما يؤكد على زيادة الحركة التجارية من جهة، وارتفاع المستوى الاقتصادي والاجتماعي للسكان من جهةٍ ثانية.

أما عن النمو العمراني، فحدث ولا حرج. وأنا لا أقصد هنا مدى التوسع في الأحياء السابقة التي أعرفها جيداً فحسب، بل وأيضاً في إنشاء أحياءٍ جديدةٍ كلياً، كانت من قبل عبارة عن أرضٍ خالية تماماً من السكان، كي أجدها تعج بالفلل والعمارات السكنية والأسواق التجارية الحديثة، ولا سيما في المنطقة المحيطة بمطار السيب الدولي، والمنطقة المجاورة لجامعة السلطان قابوس. ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل إن شبكة المواصلات البرية حصل فيها ما يشبه الثورة، إذ توسعت بشكلٍ كبير، وتناولت مناطق جديدة، إضافةً إلى شق طرقٍ سريعة داخل العاصمة مسقط وخارجها، بشكلٍ يُسهمُ في تسريع عجلة النمو الاقتصادي، إضافة إلى زيادة التواصل بين المدن العُمانية المختلفة.

وفي قطاع التعليم العالي حصلت زيادة مضطردة، فبعد أن كانت الجامعات مقصورةً على واحدة فقط هي جامعة السلطان قابوس، ظهرت ثُلةٌ من الجامعات الحكومية والخاصة مثل: جامعة نِزوى، وجامعة صُحار، وجامعة ظُفار، وجامعة البريمي، وجامعة الشرقية، والجامعة الألمانية للتكنولوجيا في عُمان، والجامعة العربية المفتوحة. كما تم تدشين العديد من الكليات الخاصة، التي لم تكن موجودة من قبل، وذلك لاقتصار كليات المجتمع سابقاً على القطاع الحكومي. ومن أشهرها: الكلية الحديثة للتجارة والعلوم، وكلية مَجّان، وكلية كاليدونيان الهندسية، وكلية مزون، وكلية الدراسات المصرفية والمالية، وكلية الخليج، وكلية عُمان الطبية، وكلية مسقط، وكلية عُمان السياحية، والكلية العلمية للتصميم، وكلية صور الجامعية، وكلية البيان، وكلية عُمان البحرية، وكلية عُمان لطب الأسنان، وغيرها.
وقد تركزت زيارتي هذه المرة والتي استمرت لمدة ثلاثة أسابيع، على مدينة مسقط وضواحيها بالدرجة الأساس، إذ كنتُ حريصاً على استرجاع معظم ذكرياتي فيها، وذلك عن طريق زيارة الأماكن والمواقع التي طالما كنتُ أزورها، أو أنتقل منها وإليها طيلة السنوات العشر التي عشتها في الجامعة. إذ بدأتُ بزيارة الأسواق التقليدية الشعبية وعلى رأسها سوق مطرح الكبير، الذي يمثل علاوة على أهميتهِ التجارية، تحفة معمارية رائعة تجذب السياح كثيراً، ليس لنوعية البضائع والمواد التي تُعرض فيه بأسعار معقولةٍ فحسب، بل وللأسقف المزخرفة ذات الألوانٍ الزاهية التي تغطيها ايضاً، بالإضافة إلى أزقة هذا السوق المتعرجة، التي تجعل عيون الزائر تلاحظ معظم المعروضات شديدة التنوع من حوله بسهولة ويسر.
وكان لحدائق مسقط الغناء وما جاورها، إهتمام واضح في هذه الزيارة، حيث قمتُ مع إبني وأحفادي بالتجوال على حدائق القُرم، والريام، والصحوة، والوادي الكبير، والنسيم، بالإضافة إلى قضاء وقتٍ جميل في السواحل البحرية الجذابة مثل شاطئ قنتب، وشاطئ القُرُم، وذلك خلال أيام متفاوتة، من أجل الاستمتاع بالجو الجميل الذي يسود عادةً في أوائل شهر شباط (فبراير) من العام.
وقد حازت جامعة السلطان قابوس بمبانيها وأعضاء هيئة التدريس فيها وما حولها، على نصيب الأسد من هذه الزيارة. إذ تجولتُ في مبانيها التي عهدتها منذ عقدين من الزمان، وتلك التي تمَ إنشاؤها من جديد. وكانت الزيارة الأولى خلال إجازة منتصف العام للطلبة والمدرسين، مما أتاح لي التنقل من مبنىً إلى آخر، ومن كليةٍ إلى أخرى لاستعادة ذكريات السنوات التي أمضيتها في الجامعة من قبل.
وبعد ذلك، التقيتُ خارج الجامعة بعددٍ من أعضاء هيئة التدريس من قسم المناهج ، بدعوةٍ كريمة من الدكتور سيف المعمري، على وليمةٍ كبرى وشهية، حضرها معظم أعضاء مجلس القسم، ونائب رئيس الجامعة أ.د. علي الهويشل، وذلك في إحدى الحدائق الساحرة القريبة من برج الصحوة، كي نلتقي ببعض الأحبة القدامى، وبتلاميذنا الذين أنهوا دراساتهم في الجامعات الأجنبية، ثم عادوا إلى جامعتهم الأصلية، كي يتقلدوا فيها مناصب إدارية وأكاديمية رفيعة. وقد أمضينا ليلة رائعة، التقطنا خلالها الصور الجميلة، وتبادلنا فيها الذكريات الجميلة عن الأيام الخوالي، كي نودع بعضنا في ساعةٍ متأخرة، بعد أن أصرَ رئيس قسم المناهج الدكتور محسن السالمي على ضرورة اللقاء في منزله، عندما يعود أعضاء هيئة التدريس للعمل من إجازاتهم الرسمية.
وفي الليلة المحددة، قصدنا منزل المضيف د. السالمي، كي نجد العدد الكبير ممن عملنا معهم أو قمنا بتدريسهم، بعد أن أصبحوا في مواقع المسؤولية العلمية. وكم كانت سعادتي غامرة جداً عندما التقيتُ معهم جميعاً، أذكر منهم أ.د. عدنان العابد، ود. عبدالله الهاشمي، ود. أحمد الربعاني، ود. بسام الردايدة، ود. محمد العياصرة، ود. سيف الغتامي، ود. محمد الغافري، ود. محمد العامري، ود. رضا علوان، كي نتبادل الأخبار والأحاديث على مائدة كبيرة مما لذَ وطاب من الطعام والشراب، والتي زاد من الاستمتاع بها، محاولة كل فرد استرجاع الذكريات الحلوة التي حدثت قبل عقدين من الزمان، مع التقاط الصور التذكارية، وسط ضوضاء من هنا وهناك، من الذين كانوا يحاولون أخذ نصيبهم من الكرم العربي الأصيل، عن طريق حجز دَورٍ من أجل الالتقاء ثانية، حيث حَسَمتُ هذه الضوضاء بشكري وامتناني للدكتور المعمري والدكتور السالمي، اللذين قاما بالنيابة عن الجميع بالتكريم، وهذا كافٍ للغاية، مع تقديري واحترامي لتلك المشاعر الجياشة من أعضاء هيئة التدريس الحاضرين من جنسياتٍ عربيةٍ مختلفة.
وفي اليوم التالي، قمتُ بالزيارة الثانية للجامعة، كي أجدها تعج بالحيوية والنشاط بطلبتها وأساتذتها، أتيحت لي من خلالها زيارة أعضاء هيئة التدريس في الأقسام التربوية الأخرى، حيث اصطحبني الزميل السابق د. علي الموسوي من قسم تكنولوجيا التعليم، كي يحاول المرور معي على كل مكتب، فالتقينا بكلٍ من: عميد الكلية د. سليمان البلوشي، وأ.د. إبراهيم المومني، وأ.د. ماهر أبو هلال، ود. ثويبة البرواني، ود. كاشف زايد، وغيرهم. وقد أصر د. الموسوي على دعوتي لتناول وجبة الغداء في منزلة مع بعض الزملاء، أتبعها بجولة مطولة ورائعة في مدينة السيب، ومناطق الحيل، والخوض وغيرها.
وباختصار، فإن حلاوة زيارة أي منطقةٍ عاش فيها الإنسان من قبل، ولا سيما بعد مغادرته لها بفترةٍ طويلةٍ من الزمان، تظل ذات مذاقٍ فريدٍ من نوعه، لا لشيء إلا لكون هذه الزيارة تؤدي إلى تشغيل شريط الذكريات الطويل، فتنعش الفؤاد، وتجدد الروح المعنوية، وتؤكد على الحقيقة القائلة بأن من شَرِبَ من ماء وطنٍ ما لمدة ليست بالقصيرة، لا بد أن يعود إليه ثانية، ولكن هذه المرة بسعادةٍ لا توصف.

profjawdat@yahoo.com jawdatmassa@gmail.com
Website: http://www.jwdat.com

بواسطة : admin
 0  0  147
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 12:17 صباحًا الثلاثاء 24 أبريل 2018.