مرحباً بكم بموقع الدكتور عبدالله بن صالح المقبل. تم إنشاء هذا الموقع في عام 1996 حينما كنت ادرس مرحلة الدكتوراة بالولايات المتحدة الأمريكية.

  • ×

09:57 صباحًا , الثلاثاء 24 أبريل 2018

الحلقة (51) من ذكرياتي في التربية والتعليم العالي: ذِكرَياتُ أُستَاذٍ جَامِعيٍ في القِلاعِ العُمَانِيّة

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
image
http:// alrai.com/article/1031065/
صحيفة الرأي الأردنية (قسم الأبواب)

تاريخ النشر: الثلاثاء: 13/12/2016- العدد: (16816)

الحلقة (51) من ذكرياتي في التربية والتعليم العالي:
ذِكرَياتُ أُستَاذٍ جَامِعيٍ في القِلاعِ العُمَانِيّة
image

بقلم: أ.د. جودت احمد المساعيد
يفتخر أفراد الأمم والشعوب المختلفة في العادة، بعراقة تاريخ من ينتسبون إليهم من الآباء والأجداد، وما قدموه هؤلاء لهم وللبشرية جمعاء، من جهودٍ علميةٍ وأدبيةٍ وفنيةٍ وعمرانيةٍ متنوعة. وغالباً ما تتم ترجمة هذه الجهود، عن طريق ترك ميراثٍ حضاريٍ ماديٍ ومعنويٍ ضخمٍ من المخطوطات والكتب والرسوم والأشكال والخرائط والتماثيل المنحوتة على الصخر داخل القصور أو خارجها، أو تشييد الهياكل أو الأهرامات أو الساحات أو المساجد أو الأديرة أو القلاع أو الحصون أو الأسوار أو القبور، أو تلك الثقافة المدونة على رقاع جلود الحيوانات، أو المكتوبة على ورق البردي، وما تبع ذلك في الفترات الأخيرة من توثيقه على الورق العادي، ثم تخزينهُ فيما بعد اليكترونياً بوسائل غايةً في الدقة والتنوع، حتى تستفيد منه الأجيال الحاضرة والقادمة.
وتزخر أقطار الوطن العربي بالكثير من هذه الموروثات المادية والمعنوية الغنية، لا لشيء إلا لكونها موطناً للعديد من الحضاراتٌ العريقة، التي كان بعضها غايةً في القِدَم، كما هو الحال في حضارة وادي النيل، وبلاد الرافدين، وبلاد الشام، وأقطار المغرب العربي، وبعضها الآخر يعود إلى العصور الوسطى، حيث الحضارة العربية الإسلامية، والدولة العثمانية في أوج عظمتها وقوتها، ثم عصر الاكتشافات الجغرافية والتوسعات الاستعمارية الأوروبية، وما استدعى كل ذلك من بناء القلاع ضد هؤلاء المستعمرين، أو تشييدها من جانبهم لحماية مكتسباتهم، أو من جانب دولٍ محلية ظهرت في تلك المناطق، من أجل بسط السيطرة والحكم، وهذا ما ظهر بشكلٍ واضحٍ في دول شبه جزيرة العرب .
وتمثل سلطنة عُمان بالذات مستودعاً لمثل هذا النمط من الآثار، والتي زاد عددها عن 500 قلعة وحصن وبرج. وتتنوع الأساليب المعمارية فيها بشكلٍ واضحٍ لأنه تمَ بناؤها في فتراتٍ مختلفة، ومع ذلك، فقد تمّ استخدامها جميعاً كنقاط مراقبة أو معاقل للدفاع ضد هجمات الغُزاة. وإن هذه المباني التاريخية الضخمة بجانب توفيرها للحماية، فقد لعبت دوراً حيوياً في التعريف بتاريخ عُمان، كونها تمثل نقط التقاء للتفاعل السياسي والاجتماعي والديني، وكمراكز للعلم والإدارة والأنشطة الاجتماعية. وغالبا ما تكون متكاملة مع أسواق تعج بالحيوية والحركة والنشاط، بالإضافة إلى بناء مساجد وأحياء حرفية وسكنية جذابة، توفر للزائر فرصة فريدة للمعايشة الحقيقية لأحداث التاريخ المتعددة.
وكم أُتيحت لي من الفُرص العديدة خلال عملي لمدة عشر سنوات أستاذاً في جامعة السلطان قابوس، زيارة بعض هذه القلاع، ولكن الظروف في الوقت نفسهِ لم تساعدني على زيارة بعضها الآخر. وكان على رأس ما قُمتُ بزيارته والتجوال الدقيق فيه، والذي سأحاول وصفهِ بدقة هو مبنى قلعة نزوى، التي تعتبر من أروع وأضخم المآثر الحضارية والتاريخية العُمانية. فموقعها في وسط المدينة وملاصقتها لمركزها السياسي القديم (حصن نزوى) وعلوها المتميز، جعلها من أهم المعالم التاريخية في السلطنة.

وقد استغرق بناؤها اثنتى عشرة سنة، وهي عبارة عن مبنى دائري كبير، يبلغ ارتفاعها 35 متراً وقطرها 45 متراً. وهي بمثابة منصة منبسطة السطح أُقيمت على قاعدة مردومة بالحجارة علوها 15متراً. ويتم الصعود الى أعلى القلعة عن طريق سلم ضيق على شكل حرف الحاء(ح) حيث يوجد عند كل منعطف منه باب لعرقلة الهجوم المحتمل من الاعداء. ويبلغ عدد هذه المنعطفات سبعة، تحميها فتحات قاتلة تطل من أعلى القلعة على كل منعطف منها، وذلك لإلقاء القذائف على المهاجمين من الأعداء. كما يوجد تحت كل منعطف بئر، وأمامه باب ذو متاريس كبيرة، فاذا أفلت العدو من القذائف أو الماء الحار أو دبس النخل المغلي التي تنهال من الفتحات في أعلى القلعة، سقط في البئر. وإذا نجا من الاثنين عاقته البوابة، وإذا أفلت من منعطفٍ، تعذر عليه ذلك في المنعطف التالي. وتتزود القلعة بحاجتها من المياه من عدد من الآبار بداخلها، ووجود عين ماء جارية تحتها، كما توجد مخازن الذخيرة والمواد التموينية في أماكن خاصة.

وكان الدليل السياحي قد أوضح لي بأن المواد التموينية كانت تُرفَعُ بالحبالِ من الفتحات التي تُطل من سور القلعة، وتلف حول عجلة في أعلى القلعة، وهي أيضاً الطريقة ذاتها التي يتم بواسطتها نقل مياه القلعة من آبارها الى الأعلى. كما توجد بسطح القلعة فتحتان تؤديان الى مخزنين للأسلحة بعمق خمسة أمتار لكلٍ منهما.

ومن ملاحظاتي خلال تجوالي في القلعة، بأن منصتها الدائرية العليا، مزودة بفتحات لاستخدام المدافع، تضمن إطلاق النار وانتشارها في كل الاتجاهات. كذلك ترتفع الجدران فوق المنصة إلى مسافة عشرة أمتار، وبها يتم استكمال المبنى، مما يتيح الفرصة لتحرك المدافعين دائرياً، بحيث يستطيعون إطلاق النيران من فتحات توفر لهم الحماية. ويوجد في هذه القلعة 480 مرمى للبنادق من أجل التصدي للأعداء ضد أي هجوم عليها، إضافةً إلى 240 سراجاً للزينة على مدار القلعة، و120 مكاناً لوقوف الحراس المناوبين لحراسة القلعة، كما توجد 24 فتحة للمدافع الكبيرة، و40 من مدرجات السلالم للصعود والنزول.

أما القلعة الثانية التي نلتُ شرف زيارتها فهي قلعة بهلاء، ذات السور الذي يمتد لمسافة 12كيلومتراً حولها ، وهي واحدة من أبرز معالم التراث الحضاري في شبه جزيرة العرب. ويعود تاريخها للألف الثالث قبل الميلاد، إذ إرتبطت بالعديد من الحضارات القديمة في بلاد ما بين النهرين وفارس. ومن الواضح أن سور بهلاء، بشرفاته وإستحكاماته وفتحات إطلاق النار وبيوت الحراس، كان قد صمم لأغراض الدفاع وحماية الطريق المؤدية الى الشرق من عمليات التسلل من جهة الجنوب. كما تعد أول مَعلمٍ تراثي عُماني يتم إدراجه وتسجيله من جانب منظمة اليونسكو العالمية ضمن منظومة التراث العالمي في العام 1987.

وتقع هذه القلعة وسط مدينة بهلاء التي تلفها بساتين النخيل، وقد بُنيت على تلة صخرية، وهي نموذج لقلاع الطين التي أبدع العمانيون في إنشائها، والتي تتميز بكبر حجمها، حيث بها ستة أبراج وستة آبار لمياه الشرب، كما أن أهم أجزائها وأقدمها ما يسمى بالقصبة وهي كبيرة الحجم، متقنة البناء، عالية الارتفاع. وفي القلعة أيضاً بيت الحديث الذي استخدم كمقرٍ للوالي، وغرف بيت الجبل الذي أقيم فيه متحف خصص للتعريف بالجامع الكبير الواقع خلف القلعة، وعرض مكتشفاته الأثرية، وبيت قائد العساكر. كما تضم القلعة كذلك مرافق خدمية أخرى، ومجالس للضيوف وإثنين من المساجد.

ويتطلب الدخول الى القلعة المرور عبر ثلاث بوابات، ولكلٍ منها استحكاماته الدفاعية التي تعوق المهاجمين، إذ توجد سقاطات صب الزيت أو الماء أو دبس النخل المغلي على المهاجمين، كما زودت أبراج القلعة وأسوارها وسواتر أسطحها بفتحاتٍ للسهام والبنادق، والتي تمَ تشكيلها من الداخل بأسلوب يمنح الراحة للمراقبين، ويصعب في ذات الوقت مشاهدتهم من الخارج.
ورغم أن قلعة بهلاء كان استعمالها دفاعياً في المقام الأول، إلا أن النواحي الفنية والجمالية لم تغب عن ذهن العُمانيين، حيث تنتشر الزخارف في بواباتها، وأسقفها الخشبية، ويشد انتباه الزائر لها الزخارف الجصية التي غطت بعض الحوائط في الجزء القديم منها. وزودت القلعة بستة آبار لمياه الشرب، وكانت مياه إحدى تلك الآبار ترفع لتصب في قناة تمر عبر مزارع النخيل الواقعة أمام القلعة.

وقد سعدتُ أيضاً بزيارة قلعة الرستاق الواقعة عند سفح الجبل الأخضر على حافة سهل الباطنة، والتي أُنشئت في الأصل على الخرائب الفارسية عام 1250م، ولكن المبنى الحالي أعيد بناؤه على يد أئمة اليعاربة في القرن السابع عشر. وتتألف هذه القلعة من طابقين إضافة إلى الطابق الأرضي، حيث يوجد فيها مساكن ومخازن للأسلحة، وغرف استقبال، وبوابات، ومسجد، وسجن، وآبار مياه، ومرافق أخرى. ويوجد فيها أربعة أبراج هي:البرج الأحمر، ويبلغ ارتفاعه أكثر من 16 متراً وقطره تسعة أمتار ونصف المتر، وبرج الريح، ويبلغ إرتفاعه 12 مترا والقطر 12 مترا أيضاً، وبرج الشياطين ويبلغ ارتفاعه 18 متراً ونصف المتر وقطره ستة أمتار، والبرج الحديث، ويبلغ ارتفاعه 11 متراً ونصف المتر. وفي قلعة الرستاق عشرة مدافع: أربعة منها في البرج الحديث، وثلاثة في برج الريح ، والثلاث الأخرى في أسفل القلعة. كما توجد بها أربع بوابات هي : اليعاربة، والعلعال، والوسطى، والسرحة .

وتوجد مئات القلاع والحصون الأخرى في سلطنة عُمان، والتي يطول الحديث كثيراً عنها مثل الجلالي، والميراني، وصُحار، ونخل، وجبرين، وخَصَب، ومطرح، والقريات، وبركاء، والحزم، وغيرها الكثير، مما يؤكد على معيشة أقوامٍ عديدة على أراضي سلطنة عمان، تركت كنوزاً أثريةً لا تُقدرُ بثمن، وتستحق منا ليس التزود بالمعارف والمعلومات الدقيقة عنها فحسب، بل وقبل ذلك زيارتها، من أجل الاستمتاع بروعتها المعمارية، والاعتراف بعظمة بُناتها من الآباء والأجداد العرب العمانيين الأشاوس.

profjawdat@yahoo.com jawdatmassa@gmail.com
Website: http://www.jwdat.com

بواسطة : admin
 0  0  87
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 09:57 صباحًا الثلاثاء 24 أبريل 2018.