مرحباً بكم بموقع الدكتور عبدالله بن صالح المقبل. تم إنشاء هذا الموقع في عام 1996 حينما كنت ادرس مرحلة الدكتوراة بالولايات المتحدة الأمريكية.

  • ×

09:58 صباحًا , الثلاثاء 24 أبريل 2018

الحلقة التاسعة والأربعون من ذكرياتي في التربية والتعليم العالي: حلاوة الذكريات عند زيارة المرتفعات

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
image
http://alrai.com/article/1027891/
صحيفة الرأي الأردنية (قسم الأبواب)
تاريخ النشر: الأحد: 27/11/2016- العدد: (16800)

الحلقة التاسعة والأربعون من ذكرياتي في التربية والتعليم العالي:
حلاوة الذكريات عند زيارة المرتفعات
image

بقلم: أ.د. جودت احمد المساعيد
يميل معظم القاطنين في المناطق السهلية بمختلف قارات العالم، إلى زيارة المناطق الجبلية المرتفعة القريبة منهم أو البعيدة عنهم، وذلك لعدة أسباب ومبررات مقنعة لمن يُقَدِرُ قيمتها وأهميتها، ومن بينها: تغيير الأجواء التي تعودوا عليها في المناطق المنبسطة، كي يتجنبوا الملل أوالسأم الذي قد يواجههم من وقتٍ لآخر في حياتهم اليومية، والاطلاع على الجديد من المناطق التي لم يألفوها من قبل في بيئتهم المحلية، ثم الاستمتاع بالمناظر الجبلية الطبيعية الخلابة، وملاحظة أنماط النشاط البشري الذي يمارسة سكان تلك المرتفعات عن كثب، وتجديد الحيوية والنشاط لهم ولأفراد عائلاتهم بعد جهدٍ وعناء استمر أياماً أو أسابيعَ أو شهوراً أو ربما سنوات، ورصد تلك الزيارات كنوعٍ من الهواية لكتابة المذكرات اليومية لدى بعض الناس، وتوثيقها من جانب المتخصصين لأهدافٍ علميةٍ محددة يسعون بكل السبلِ لتحقيقها، وتكون فيها فوائد عميمة لهم وللراغبين في الاستفادة منها فيما بعد من جانب طلبة العلم والباحثين والعلماء.

وفي ضوء عملي رئيساً لقسم المناهج وطرق التدريس بجامعة السلطان قابوس لفترة عشر سنوات ما بين 1988 - 1998، فقد سنحت أمامي فرصة ذهبية لزيارة العديد من المناطق الجبلية التي تمتد على مساحاتٍ غير قليلة من أراضي سلطنة عُمان. وساعدني على تأدية تلك المهمة بعض الزملاء العُمانيين من أعضاء هيئة التدريس في القسم، من خلال القيام بزياراتٍ شخصيةٍ أو عائليةٍ لهم، بدعوةٍ أخويةٍ منهم في بعض المناسبات الاجتماعية.

ومن بين تلك الدعوات التي يصعب نسيانها، ما قام به أحد الزملاء في قسم المناهج وهو الدكتور أحمد بن حمد الربعاني، من دعوةٍ لي ولأفراد أسرتي الستة قبيل حلول إجازة عيد الأضحى المبارك، بضرورة زيارتهِ وعائلتهِ في بلدة القلعة التابعة لولاية الحمراء العُمانية، من أجل الاستمتاع بالأجواء الشعبية خلال أيام العيد، وتناول الشواء العماني اللذيذ، والذي تمّ تخصيص حلقة لهذا الموضوع من قبل وقامت صحيفة الرأي الغرّاء بنشرها على الملأ من قبل.
وعند زيارتنا له، وفي أجواء العيد الجميلة، قمتُ مع المضيف بالتخطيط لزيارةٍ عائليةٍ صوب قريةٍ جبلية مشهورة تسمى بمسفاة العبريين في ولاية الحمراء. ولهذه القرية شُهرة سياحية كبيرة في سلطنة عُمان، والتي يحرص السياح على زيارتها، نظراً لما تتمتع به من مناظر خلابه. وقد قام الدكتور الربعاني قبل أيام بتذكيري مشكوراً بالتفصيلات الدقيقة لما جرى في تلك الرحلة، حيث رتبنا لها زيارة بعد صلاة ظهر أحد أيام عيد الأضحى، نظراً لأن المسافة كانت قصيرة ولا تستغرق سوى عشر دقائق بالسيارة من بلدة القلعة التي انطلقنا منها، ثم مررنا في طريقنا بقرية بني صبح ثم مركز ولاية الحمراء، وعندما بدأنا بالصعود في الطريق الجبلي الوعر بدأت تظهر لنا ملامح ولاية الحمراء التي تقع أسفل الجبل الأخضر، محاطة بالجبال المرتفعة من جميع الجهات تقريباً. كما ظهرت لنا مجاري الأودية التي تشتهر بها الولاية كوادي الغول، ووادي الخور، ووادي شعما، والتي تسير جميعها باتجاه ولاية بهلاء، لتصل بعدها إلى عمق الصحراء في محافظة الوسطى.
ومع زيادة الارتفاع في مسيرتنا الجبلية، أصبحنا نشاهد قرى ولاية الحمراء كاملة، وكذلك قرى ولاية بهلاء. وكان المنظر جميلاً للغاية، حيث شكلت التضاريس لوحةً ساحرةً جمعت شموخ الجبال، وسكون القرى المتعددة أسفل الجبل الأخضر، والتي توضح كيف تعايش الإنسان مع هذه الطبيعة. وعندما اقتربنا من مشارف قرية المسفاة، بدأت تظهر لنا لوحة جبلية جذابة، كانت الإطلالة الاولى لها تدعو إلى الاستغراب والإعجاب في وقتٍ واحد. إذ كان السؤال الذي يطرح نفسه هو: كيف عمل الإنسان على التكيف من أجل العيش في هذا المكان الصعب؟ وكيف عمل على تسخير الطبيعة كي توفر له سبل الحياة؟ وكيف تعامل مع قسوة المكان وشكله بطريقة أصبحت مصدر إعجابٍ من الجميع.
وما أن وصلنا إلى قرية المسفاة، حتى وجدنا أنفسنا أمام مشهدٍ تقليديٍ رائع، والذي يتمثل في الحارة القديمة، والتي تتألف من بيوتٍ بُنيت من الطين والحجارة، وأحياناً من الإسمنت، وتقبع فوق الصخور، وبعضها فوق صخرةٍ منفردةٍ تثير الاستغراب بل والإعجاب الشديدين من جانب الزوار.
وكم كان المنظر رائعاً يفوق حد الوصف، عندما كنا نرى التطبيق الفعلي لآراء كل من المدرسة الحتمية والمدرسة الاحتمالية الجغرافية في آنٍ واحد، وفي منظرٍ يجعلك توظف ما قمتَ بدراسته وتدريسهِ في ميدان الجغرافيا الطبيعية. فهذه القرية التي ترقد في أحضان الجبل الشاهق، تثير الزائر أينما اتجه نظره، من حيث أبنيتها، وازقتها، وحقولها، وإذا ما ألقى الزائر بناظريه إلى الاعلى سيجد شموخ الجبل الأخضر بارتفاعه الذي يصل إلى ثلاثة آلاف متر فوق مستوى سطح البحر، وأن المنطقة التي كنا نقف عليها تمثل جزءاً من هذا الامتداد لذلك الجبل. وإذا ما رأيت بلدة مسفاة العبريين على حقيقتها، سوف ينتابك الشعور الحقيقي بأن هذه القرية تسكن في أحضان ذاك الأب الحنون المتمثل في الجبل الأخضر، وهو يحضنها بهدوء عندما يحل المساء ويحل معه السكون، وفي النهار تدب الحياة من جديد، ويكدح ابناؤها من أجل العمل والبناء، إضافةً إلى حركة السياح التي لا تنقطع.
وكانت المناظر من حولنا تدفعنا إلى الالتفات لكل خطوة من خطواتنا، عندما ينادينا أحد من الأبناء أو الأصدقاء، لأن كل شي يدعو للتفكير باحساس السائح، وإحساس الجغرافي، الذي يدرك معنى تفاعل الانسان مع الطبيعة. وما أن مضينا بين البيوت، حتى اقتربنا من المزارع العديدة، وهي عبارة بساتين خضراء تمّت زراعتها على شكل مدرجات. ورغم صغر المساحة المتوفرة، إلا أن الأهالي تمكنوا من تطويع البيئة واستغلال كل شبرٍ فيها رغم خطورة بعض الاماكن التي تشرف على منحدراتٍ سحيقةٍ للاودية، التي تهبط من قمم الجبل الأخضر، لأن أي خطأ في السير قد يتسبب في سقوط الشخص في ذلك الوادي السحيق. أما سكان هذه القرية فقد تكيفوا مع تلك الاوضاع كبارهم وصغارهم، فالأمر بالنسبة لهم يبقى عادياً، حيث يتحركون بكل يسر وسهولة، مقارنة بالسائحين الذين ينتابهم بعض الخوف في بعض الأماكن عند عبورها.
واثناء عبورنا للبساتين، إذهلتنا هندسة الافلاج العُمانية التي تُعَدُ سمةً من سمات الحضارة العمانية العريقة، والتي اشتهرت بها عُمَان عبر التاريخ، وكيف استطاعوا شق القنوات في سفوح تلك الجبال، ونقلها من المنابع عبر مناطق شديدة الانحدار، لتمر في سكونٍ لافت عبر أشجار النخيل والليمون والمانجا. وقد سلكنا درباً اتسم بالصعوبة بالنسبة لنا، من أجل الوصول إلى منطقة منبع الفلج، الذي يغذي قرية مسفاة العبريين، وذلك بسبب الانحدار الشديد على جانب مجرى الفلج، مما يشعرك ببعض الخوف، والحاجة إلى اتخاذ الحيطة والحذر عند السير. وعند وصولنا إلى المنبع، شعرنا بحجم الجهد الذي بذله أجداد أهالي هذه القرية لشق مجرى ذلك الفلج المائي الذي يمثل نبع الحياة.
وعند عودتنا نحو موقف السيارات التي تركناها بعيدةً، حلّ المساء على بساتين القرية بمنظره الجميل، حيث تهادى الغروب على سفوح الجبال، ليبدأ الظلام التدريجي، ويحل معه السكون، فتشعر بالوضع وكأنه يشبه الطفل الصغير الذي يحمله والده وهو يدندنه قبل النوم، لينعم بليلةٍ هادئةٍ. وقد غادرنا القرية بعد ذلك وكلٌ منا يحدث الآخر عما أثار إعجابه واهتمامه، لنعود مرة اخرى إلى قرية د. احمد الربعاني، لتناول وجبة العشاء. وكان الحديث ليلاً عن تلك القرية الجبلية الجميلة، والشعور بقوة إرادة الانسان على التكيف مع تحديات الطبيعة. وكم شعرتُ كجغرافيٍ متخصصٍ وكتربويٍ متمرس، بأنني أمام تطبيقٍ عمليٍ لما أحمله من فكرٍ تربوي جغرافي عميق، أمضيتُ سنواتٍ طويله أقوم بتدريسهِ لطلبتي في الجامعات على مستويات الكالوريوس والماجستير والدكتوراة، وكيف تمكن الانسان من التكيف مع الظروف الصعبة، واستطاع تشكيل المكان بالطريقة التي يحقق فيها أهدافه المنشودة.
وكم كانت أسرتي سعيدة جداً بترتيب هذه الزيارة، وكم شعرنا بأنها أضافت لزيارتنا لولاية الحمراء إحساساً لا يوصف عن تلك الولاية الجميلة، التي جمعت بين المراوح الفيضية عند سفح الجبل الأخضر، وتشكلت بين أحضان تلك المراوح، قرىً صغيرةً ارتبطت بمجاري الاودية، وقرىً أخرى سكنت سفوح الجبال. وقد كنا نخطط أيضاً في تلك الفترة لزيارة كهف الهوته، الذي يبعد نحو ثلاثة كيلومترات عن منزل الدكتور الربعاني، إلا أننا لم نتكمن من زيارته لصعوبة الدخول إليه آنذاك. وقد علمتُ فيما بعد بأن الحكومة العُمانية، قد قامت بتطوير ذلك الكهف ليكون وجهةً سياحيةً واعدةً، حيث أقامت فندقاً وبنت سكة حديدٍ كي يوصل القطار السياح إلى داخل الكهف، آملاً أن تتاح لي الفرصة لزيارتهِ في المرات القادمة، لأحقق تلك الرغبة في اكتشاف مكنونات باطن الجبل الاخضر في ذلك الكهف، الذي يروي بعض الكُتّاب أن به بحيرةً مائية، واشكالاً طبيعية رائعة. لقد قضينا يوماً جميلاً، شعرتُ خلاله مع عائلتي وعائلة صديقي، بجمال تلك الولاية العُمانية، نظراً لما جمعته من مظاهر طبيعية جبلية خلابة، تستحقُ أن تُروى بحقها الروايات، وتُوثقُ من أجلها الذكريات الجميلة التي لا تُنسى.

profjawdat@yahoo.com jawdatmassa@gmail.com
Website: http://www.jwdat.com

بواسطة : admin
 0  0  95
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 09:58 صباحًا الثلاثاء 24 أبريل 2018.