مرحباً بكم بموقع الدكتور عبدالله بن صالح المقبل. تم إنشاء هذا الموقع في عام 1996 حينما كنت ادرس مرحلة الدكتوراة بالولايات المتحدة الأمريكية.

  • ×

09:54 صباحًا , الثلاثاء 24 أبريل 2018

الحلقة السادسة والأربعون: ذكريات حَدَائِقِ مَسقَطِ الغَنّاء

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
image
http://alrai.com/article/1023513
صحيفة الرأي الأردنية (قسم الأبواب)

تاريخ النشر: الأحد: 6/11/2016- العدد: (16779)

الحلقة السادسة والأربعون:
ذكريات حَدَائِقِ مَسقَطِ الغَنّاء
image

بقلم: أ.د. جودت أحمد المساعيد
يُقاسُ جمال كثير من دول العالم في الغالب، بما تحويه أراضيها من المساحات الخضراء الطبيعية، والتي تُضفي على النفس البشرية في العادة الأجواء الصحيةً السليمة من جهة، والشعور بالارتياح والاستمتاع بالمناظر الخلابة من جهةٍ أخرى. ومع ذلك، فإن الإنسان لم يقتنع بكفاية تلك المساحات الطبيعية الربانية، بل وبدأ بزيادة المسطحات الخضراء هنا وهناك، وذلك عن طريق مجهوداته الكثيرة والمتنوعة التي بذلها، وترسيخ مبدأ ضرورة الإيمان بما يسمى بالبيئة الخضراء من حوله أينما كان، عن طريق إنشاء الحدائق والمتنزهات الكثيرة.
وتتفاوت الدول في العادة بالنسبة إلى مدى اهتماماتها الحقيقية بالمناظر التي تبدو عليها مدنها وبلداتها وقراها، سواءٌ من ناحية أنماط المعمار السائدة، أو من حيث جمال انتشار مساحات الأشجار والأعشاب والأزهار، لأن كل هذا وذاك، لا يمثل في الواقع سوى ترجمةً للأذواق البشرية من حيث توزيعها هنا وهناك، والذين قد يطبعونها على مساكنهم تارةً، وعلى المحيط من بيئتهم المحلية القريبة أو البعيدة تارةً أخرى.
ومع ذلك، فإن الأمر غير متروك كله للأفراد وأذواقهم وتصرفاتهم فحسب، بل لا بد قبل ذلك من أن يأتي الاهتمام الأكبر من الدولة ذاتها، التي تستطيع إذا ما أرادت، أن تسن التشريعات والقوانين والأنظمة والتعليمات، التي تجعل من جمال الطبيعة للبيئات المختلفة فيها، من بين أهم المبادئ التي لا يؤمن بها الأشخاص فقط، ولا المجموعات فحسب، بل ويترجمونها كذلك على أرض الواقع.
ويبدو أن هذه الفلسفة الجمالية، هي تلك التي آمنت بها الدولة في سلطنة عُمان، وساعدها على ذلك التجاوب الإيجابي الكبير من جانب أبناء شعبها، وهم يرون أن كل هذه الجهود هي من أجل إسعادهم، وحتى تكتسب بلدهم منزلةً رفيعةً بين الأمم والشعوب، بالنسبة إلى تجميل البيئة المحلية، بما تعشقه العيون من مناظر خلاّبة، وبما تستنشقه الأنوف من عطور الأزاهير الفوّاحة، في الكثير من المواقع داخل العاصمة مسقط أو في المدن والبلدات القريبة منها أو البعيدة عنها.
وتأتي حدائق الصحوة في مقدمة تلك الحدائق الجميلة بمدينة مسقط، والتي تقع على مساحة خضراء كبيرة بجوار برج الصحوة، والتي تمتاز باتساع مساحتها التي تبلغ ثلاثمائة ألف متر مربع، وكونها تقع في متناول الزائرين من الاتجاهات كافةً، سواء من حيث قرب المكان من التجمعات السكنية، أو من حيث قلة تكاليف الزيارة. كما تتصف هذه الحديقة كذلك بانتشار التصاميم الاسلامية، ووجود نوافير المياه وأحواض الزهور، ومناطق راحة العائلات، وأنواع متعددة من ألعاب الأطفال، كما يوجد بها فناء مستدير يربط الأجزاء الثمانية للحديقة ببعضها، بما في ذلك ميدان الصحوة وست حدائق إسلامية ذات تصاميم هندسية، وثلاث نافورات تعمل بالحاسوب، وتسمح بسهولة بتغيير قوة تدفق المياه بأشكال وألوانٍ متعددة. وفي الوقت ذاته تتراقص مياه النوافير الملونة على أنغام الموسيقى، مما يجعلها متعة للنُظَار، وبهجة واضحةً للصغار والكبار. ومن بين أهم مزاياها، مشاهدة عشرات الآلاف لها بسهولة يومياً ولو بشكلٍ عابرٍ، حيث يعتبر ميدان الصحوة عقدة مواصلات تربط مدينة مسقط بمعظم ولايات السلطنة، وكل من يمر بهذا الميدان يرى روعة هذه الحدائق وجمالها الأخاذ.
ومن الحدائق الغنّاء الأخرى لمدينة مسقط العُمانية حديقة الريام، التي تُطل مباشرةً على مياه البحر، والتي صُممت على عدة مستويات من الارتفاع، مما يعطيها جمالاً فريداً وبُعداً مميزاً للحدائق الساحرة، والتي تبلغ مساحتها مئة ألف متر مربعٍ، بعد أن جمعت في الوقت ذاته بين التصميمين الهندسي والطبيعي، بحيث تكثر فيها المسطحات الخضراء، وأماكن استراحة العائلات، وأماكن اللعب واللهو لفئة الأطفال، إضافةً إلى توفر المرافق الخدمية لرواد الحديقة، الذين يستمتعون بزُرقة البحر بالقرب منهم، وبخُضرة الأشجار والأعشاب من حولهم.
وتظل حديقة القُرم الطبيعية من بين حدائق مسقط الفاتنة والأكثر ارتياداً من جانب سكان العاصمة وما جاورها من المناطق القريبة. وتبلغ مساحتها أقل بقليل من مائتي ألف مترٍ مربعٍ، وتقع في مكانٍ متميز جداً بجانب الطريق المؤدي إلى مرتفعات القُرم، والتي يغلب عليها طابع الهضاب العالية والمنخفضات التي تتدنى إلى مستوىً يقتربُ كثيراً من سطح البحر، الذي يمتد على طول المنطقة. وقد ظهرت فكرة تصميم هذه الحديقة على أساس استغلال طبيعة الموقع من جهة، ووفرة الملامح الطبوغرافية المتنوعة من جهةٍ أخرى، وذلك من أجل إيجاد مناظر خلاّبة وممتعة للزائرين، من حيث وجود ألعاب التسلية، والطبيعة الخضراء بأشجارها وأعشابها، وبزهورها ذات الألوان الزاهية، بالإضافة إلى المسطحات المائية الموزعة هنا وهناك، والمزودة بالقوارب الصغيرة التي تمتطيها العائلات والأفراد للتجذيف والتنقل من منطقة إلى أخرى. وقد نجحت هذه الحديقة في تحقيق معادلة الموقع المتميز من ناحية، والتصميم الجمالي والفني الملائمين من ناحيةٍ ثانية.
وليس بعيداً عن حديقتي الريام والقُرم، تقع حديقةً جميلةً أخرى تسمى بحديقة الوادي الكبير، التي تجاور تماماً الشارع المؤدي إلى فندق قصر البستان بمسقط، وبتصميمها الهندسي المتناسق، والذي يضم العديد من العناصر الجمالية على مساحة تبلغ نحو أربعين ألف مترٍ مربع. وتحتوي هذه الحديقة على العديد من المرافق المتنوعة، والخدمات الضرورية للزائرين، إضافة إلى قسم خاص بالألعاب الكهربائية التي تجذب الأطفال والعائلات، مما يجعلها مكاناً ملائماً للتنزه والاسترخاء للمجموعات والأفراد على حدٍ سواء.
وإذا ما اتجهنا من حديقة الوادي الكبير جنوباً ولمسافة عدة كيلومترات قليلة، فإنه ُتسحرنا تلك البقعة الخضراء المطلة مباشرة على ساحلٍ رملي بحري ناعم، والمحاطة بالأشجار الباسقة، والورود والأزهار الزاهية، يتوسطها مبنىً غايةً في الروعة والإبداع. إنها حديقة قصر البستان، التي يقصدها الكثيرون للراحة والاستجمام، وتناول ما لذّ وطاب من أصناف الشراب والطعام. وكم كانت هذه الحديقة بقصرها الفخم، مقراً لاجتماعات أصحاب الجلالة والسمو من حُكام دول أقطار الخليج العربية، أو مقر إقامة كبار زوار السلطنة من زعماء العالم، من وقتٍ لآخر.
أما عن الحدائق الغناء الواقعة خارج محافظة مسقط، ولكنها في الوقت نفسه تعتبر قريبة جداً منها، فيأتي على رأسها حديقة النسيم العامة، والتي تمثل باكورة حدائق السلطنة، عندما تمّ افتتاحها عام 1985م بمناسبة العيد الوطني الخامس عشر للسلطنة، بعد أن أستغرقت عملية إنشائها نحو عام من الزمان. وهي أكبر حدائق السلطنة اتساعاً، حيث تبلغ مساحتها الإجمالية سبعماية وخمسين ألف مترٍ مربعٍ، وتبعد عن مطار مسقط الدولي نحو ثلاثين كيلومتراً، وتقع على الشارع العام المؤدي إلى منطقة الباطنة العُمانية. وقد روعي عند إنشائها التصميم الهندسي المتميز، حيث تمّ تزويد الحديقة بمرافق متعددة، مثل حديقة الأطفال المتنوعة لإي ألعابها، ولا سيما القطار المزركش الذي يجوب بالزوار بين أرجائها المتعددة، بالإضافة إلى وجود ملاعب كرة القدم، وكرة الطائرة، والتنس الأرضي، وألعاب السيارات الكهربائية، ومكتبة قيّمة لعُشاق المطالعة من الأعمار كافةً.
ولا تكاد تخلو أي مدينةٍ عُمانية خارج العاصمة مسقط من المسطحات الخضراء والملونة التي تسرُ الناظرين، تنفيذاً لتوجيهات الدولة الرسمية، بضرورة إتاحة الفرصة للناس لتغيير الأجواء من وقتٍ لآخر، عن طريق الاستمتاع بجمال الحدائق والمتنزهات من جهة، وطلباً للترويح عن النفس وتجديد النشاط استعداداً لاستقبال أسبوع جديد من العمل، بدرجة عالية من النشاطٍ والحيوية من جهةٍ ثانية.
وبصورةٍ عامة، تعتبر هذه الحدائق متنفساً طبيعياً للمواطنين العُمانيين والمقيمين من رعايا كثير من أقطار العالم. وكم كنا نلجأ لزيارة هذه الحدائق الغنّاء، التي نعتبرها دوماً أماكن مثالية للترويح عن النفس خلال عطلة نهاية الأسبوع، إذ تتفق مجموعة من عائلات أعضاء هيئة التدريس العاملين في جامعة السلطان قابوس فيما بينها، من أجل تحضير أنماط الطعام المتنوعة، وأنواع المشروبات الباردة والساخنة، وحمل المفارش الكافية، ثم الانطلاق بكل ذلك بعد صلاة العصر، متجهين إلى إحدى هذه الحدائق ، كي تجلس العائلات معاً، يتبادل الرجال أطراف الحديث فيما يهمهم، في حين تباشر النساء في إخراج قوائم الطعام بحيث تثير شهية الجميع، وبما يشبه الوليمة الكبرى، في جوٍ أخويٍ عائلي رائع.
وكم كنا نعجز عن إقناع الأطفال بترك الألعاب العديدة والمتنوعة التي انطلقوا إليها حال وصول السيارات إلى الحديقة، وبخاصةٍ عندما نطلب منهم الانضمام إلى مأدبة الطعام التي أصبحت جاهزة، لا لشيء إلا بسبب انهماكهم الشديد في اللعب مع أقرانهم، بحيث يُصرون فيما بعد على البقاء حتى ساعات متأخرة من الليل، لإطفاء ظمأ عطشهم نحو ممارسة الألعاب المتنوعة في الهواء الطلق، خاصة خلال الأجواء المسائية التي يغلب عليها هبوب نسائم الهواء العليل، وذلك بسبب استمتاعهم بقضاء أحلى الأوقات مع رفاق السن، وبخاصةٍ وهم يشعرون بأنهم سيتفرقون عن بعضهم بعد حين من الوقت. وما تكاد السيارات تنطلق نحو البيت في رحلة العودة، حتى يغُطَ معظمهم في سُباتٍ عميق، بعد أن بذلت أجسادهم الغضة من الجهد الشيء الكثير. وفي الوقت ذاته، يشعر الآباء والأمهات بالفرح والسرور لتغيير أبنائهم الأجواء، ولأنهم تمتعوا كثيراً بالراحة النفسية المرغوب فيها، بمشاركة من يحبون من أقرانهم، مهما اختلفت ألوانهم أو ألسنتهم أو بلدانهم.
وباختصار شديد، فإن كثرة الحدائق في أي دولةٍ من الدول، أو أي مدينةٍ من المدن، يمثل مَعلَماً من مَعَالِمِ الحضارة والرقي لتلك التجمعات السكانية، ودليلاً ساطعاً من جانب الساهرين على خدمة القاطنين فيها، بأن الصحة النفسية تمثل أولى أولوياتهم. وهذا ما ينطبق بوضوحٍ على سلطنة عُمان بعامة، وعلى العاصمة الجميلة مسقط منها على وجه الخصوص، مما يجعلها واحةً مزركشةً الألوان من سطور الأشجار والورود والأزهار، التي تمّ نظمها بأسلوبٍ هندسيٍ وإبداعيٍ، بحيث لا تدع مجالاً للإنسان، إلا أن ينحني تقديراً وإعجاباً لجميع السواعد التي خططَت ونفذَت وتابعت بكل أمانةٍ وجهدٍ وإخلاص.
profjawdat@yahoo.com prof.almassaeed@gmail.com

بواسطة : admin
 0  0  92
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 09:54 صباحًا الثلاثاء 24 أبريل 2018.