مرحباً بكم بموقع الدكتور عبدالله بن صالح المقبل. تم إنشاء هذا الموقع في عام 1996 حينما كنت ادرس مرحلة الدكتوراة بالولايات المتحدة الأمريكية.

  • ×

12:15 صباحًا , الثلاثاء 24 أبريل 2018

الحلقة الرابعة والأربعون: ذكريات أستاذ جامعي مع وَلائِمِ الشِوَاءِ العُمَاني

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
image
http://alrai.com/article/1020459
صحيفة الرأي الأردنية (قسم الأبواب)

تاريخ النشر: الأحد: 23/10/2016- العدد: (16765)

الحلقة الرابعة والأربعون:
ذكريات أستاذ جامعي مع وَلائِمِ الشِوَاءِ العُمَاني
image

بقلم: أ.د. جودت أحمد المساعيد
لكل شعبٍ من الشعوب عاداتهِ وتقاليدهِ العريقةِ التي يعتز دوماً بها، بحيث يحرص أبناؤه على التمسك بإيجابياتها العديدة، والتي يأتي على رأسها زيادة اللُحمة بين أفراد المجتمع المحلي، والعمل بكل إخلاصٍ وثباتٍ على نقلها من جيلٍ إلى آخر، ومحاولة تطبيقها مراتٍ ومرات في مناسباتٍ إجتماعيةٍ ودينيةٍ ووطنيةٍ متنوعةٍ، حتى يتعايش معها الأبناء الصِغار، في كنفِ المحافظين عليها من أبناء ذلك المجتمع الكبار.
ونظراً لكوني من المتخصصين في ميدان الدراسات الاجتماعية، ولا سيما من حيث مناهجها وطرائق تدريسها، فإن التعرف إلى طبيعة أنماط حياة الشعوب المختلفة، وبخاصةٍ ما يتعلق منها بالأعراف والعادات والتقاليد الأصيلة، يظل من بين أهم أهداف هذا الميدان البارز من ميادين العلوم الاجتماعية والإنسانية. ولا يأتي ذلك من أجل تحقيق هذا الهدف فحسب، بل وكذلك لتحقيق الرغبةً في حب الاستطلاع من ناحية، والاستمتاع من ناحيةٍ ثانية بما ينجم عن عملية التعايش والاختلاط الحقيقي مع الجماعات البشرية العربية المتنوعة من أنشطةٍ عديدةٍ، ولا سيما تلك التي كانت وما زالت تتميز بتاريخٍ طويل وعريق من الإنجازات، وبعاداتٍ وقيمٍ وتقاليد اجتماعية أصيلة يُعتَدُ بها.
وفي سياق التعرف إلى أنماط معيشة الشعب العُماني، فقد كنتُ حريصاً على متابعة برامج التلفزيون المحلي، وبخاصةٍ ما يتعلقُ منها بالعادات والتقاليد في مختلف المناطق العُمانية مترامية الأطراف. وكنتُ كلما أُشاهدُ في التلفاز حلقةً ذات الصلة بالموضوعات التراثية العُمانية، أطرح في الأيام التالية لها مجموعةً من الاستفسارات على زملائي من أعضاء هيئة التدريس العُمانيين، وذلك من أجل توضيح الصورة حول أنماط المعيشة، ومبرراتها، ومدى انتشارها أو مدى تمسك أبناء الشعب العُماني بها خلال حياتهِم اليومية.
وكان من بين العادات الشعبية واسعة الانتشارفي سلطنة عُمان، ما يقوم به معظم السكان المحليين خلال أيام عيد الفطر السعيد، أو أثناء أيام عيد الأضحى المبارك، من تناول الوجبات الغذائية المشهورة التي تسمى (الشِواء العُماني)، وعلى الأخص في المناطق الريفية أو البدوية. وكم كانت تأتيني دعوات كثيرة من الأصدقاء أو أعضاء هيئة التدريس العُمانيين في القسم أو في الكلية أو في الجامعة أو في المجتمع المحلي، وذلك للمشاركة في أفراح العيد، وتناول ما لذّ وطاب من لحم الشِواء ذي المذاق الشهي للغاية. وبقيتُ أعتذر بلطفٍ في كل مرة عن جميع تلك الدعوات التي يوجهها لي الأحبة العُمانيين للمشاركة في أعيادهم، وذلك على اعتبار أن للأعياد خصوصيةً عائلية كبيرةً لجميع الناس، حيث يتم خلالها في العادة وصل الأرحام، وزيارة الأقارب والحبايب والجيران.
ولكن في إحدى المرات، أصرّ أحد الزملاء في قسم المناهج وطرق التدريس وهو الدكتور أحمد بن حمد الربعاني، على ضرورة مشاركة عائلتي لعائلته في الاحتفالات الخاصة بقدوم عيد الأضحى المبارك في منطقة ريفية جميلة جداً من سلطنة عُمان. وعندما حاولتُ الاعتذار منه لأسبابٍ عديدة، زادَ إصراراً على الدعوة، موضحاً بأنه قد قام سابقاً بتوجيه تلك الدعوة لي أكثر من مرة، ولا يجوز حتى تكرار الرفض، لا سيما وأن تخصصنا العلمي المشترك وهو الدراسات الاجتماعية، يؤكد في العادة على ضرورة التفاعل مع الآخرين في مناسباتهم الاجتماعية المختلفة، بل وقد شجعني كثيراً على الحضور، عندما سألته عن إمكانية التصوير بكاميرا الفيديو لمراحل عملية تحضير الشواء العُماني كي أُوثق فعلياً هذه اللحظات الفريدة التي كم كنت أتوق لمشاهدتها شخصياً، فوافق مشكوراً على ذلك.
وتوجهتُ عصر اليوم السابق لعيد الأضحى المبارك، مع عائلتي بالسيارة صوب المنطقة الريفية التي يقطنها الدكتورالربعاني، إذ استقبلونا استقبالاً حافلاً مع لفيف من أفراد عشيرته الكريمة، حيث توجهتُ مع كُبرائهم إلى مجلس الرجال، في حين توجهت الزوجة إلى المجلس الخاص بالنساء. وكم كنتُ حريصاً على المبادأة فوراً بالاستفسار عن المرحلة التي وصلتها عملية التحضير للشواء العماني عندهم، فأجاب: لقد تمّ ذبح ثورٍ كبيرٍ، والعمل على تقطيعهِ إلى قطعٍ كبيرةٍ، والآن وصلنا إلى مرحلة تغطية قطع اللحم بالبهارات المختلفة فيما يسمى بالتبريزة، والتي تمّ تحضيرها منذ نحو أسبوع.
كما استطردَ المُضيفُ قائلاً: لقد تمّ تجهيز الخيشة أو ما يسمى أحياناً بالجونية، التي يتم وضعها مُسبقاً في الماء حتى تتشبع جيداً، ومن ثم يتم شقها بوضع نبات (الشــوع) فوقها، وتغطى كامل مساحة اللحم به، كما يمكن أيضاً وضع ورق الموز أو نبتة (الشحس) كبديل عن الشوع أحياناً، على أن يتم بعد ذلك إغلاق الجونية جيداً وبإحكامٍ شديدٍ، مع وضع اللحم داخل الخيشة أو داخل ما يسمى أحياناً بالخصف المصنوع من سعف النخيل، ثم أردفَ بعدها قائلاً: أما المراحل الأخرى فسوف تراها ليلاً بأم عينك.
وعندما أقبل المساء، تمَ إحضار البُسُط والسجاجيد والمخدات، وعمل الجميع على فرشها في منطقةٍ قريبة من المنازل التي كنا نجلس فيها، مع وضع مصابيح ذاتية الإضاءة على أعمدةٍ خشبيةٍ مؤقتة تشبه الأوتاد، كي تغطي أنوار هذه المصابيح المنطقة التي ننوي الجلوس فيها. وما أن توجهنا إلى البقعة المحددة للجلوس والتسامر فيها، حتى فوجئتُ شخصياً بوجود برميلٍ من الحديد، قد تم دفنهُ تماماً تحت الأرض ما عدا الفوهة المفتوحة، وفي داخل ذلك البرميل تستطيع رؤية الجمر الناري المتوهج من بقايا حطب الأشجار السائدة في تلك المناطق، والتي لا يتم إنجاز الشواء العُماني في الغالب بدونها.
ووقتها أسرعتُ لتصوير الجلسة الرائعة لمجموعة الرجال المتسامرة من أهل المنطقة، مع ذلك الأستاذ الجامعي الضيف والقادم من مدينة مسقط، جنباً إلى جنب مع تصوير ذلك البرميل الذي تتلألئ فيها جِمارُ النار بشكلٍ يكاد يخطف الأبصار لتوهجهِ. وما هي إلا لحظات بسيطة بعد تناول الفواكه والمشروبات الساخنة، حتى بدأت مرحلةٌ جديدة يتطلبها الشِواء العُماني، تتمثل في قيام أربعة أشخاص باستخدام المجاريف اليدوية لجمع التراب الناعم مما حولنا على شكل كومة لا بأس بها من الحجم، ثم عمل فتحة فيها وتوسيعها شيئاً فشيئاً، من أجل أن تحجز المياه التي سكبوها بداخلها، تمهيداً لتكوين مادة طينية لينة يسهل استخدامها بالإيدي فيما بعد. كل ذلك وكاميرا الفيديو تسجل كل ما يدور في تلك الليلة التي لا تُنسى أبداً.
وما هي إلا لحظاتٍ بسيطةٍ بعد التاسعة والنصف مساءً، وإذا بأربعة أشخاصٍ آخرين يحملون الخيشة أو الجونية المليئة بلحم الثور، والملفوفة من الداخل جيداً بورق الموز، وألقوها فوراً على الجمر المتوهج داخل البرميل الحديدي، وقاموا بعدها مباشرةً بإغلاق الباب الحديدي للبرميل، مع الإيعاز لمن قاموا بعمل الطين، بأن دورهم قد بدأ مباشرة، حيث أخذو بوضع ذلك الطين على جوانب باب البرميل المحكم بسرعةٍ فائقة، حتى لا يسمحوا للبخار الساخن بالصعود منه، مع إبقاء كل ذلك مكتوماً داخل البرميل، حتى يُسهم في طهي اللحم جيداً وبالشكل المطلوب. وقد أعقب الاطمئنان من الجميع على سد أي تنفيسِ يظهر من باب البرميل بالطين اللين، وضع أكوامٍ إضافية من التراب فوق فوهة البرميل، كي يبقى ضاغطاً عليه، ويحافظ على درجة الحرارة الداخلية. وكم سررتُ بعدها لأنني سجلتُ تلك المرحلة المهمة من مراحل إنجاز الشِواء العُماني بكاميرا الفيديو، كي أعود للاستمتاع برؤيته كلما أشتقتُ لذلك.
وقد بدت بوادر السعادة والسرور واضحة على وجوه الحضور، بعدما تأكدوا بأن جميع الخطوات قد سارت على أفضل ما يُرام، كي يتوزعوا من جديد ليجلسوا على المفارش الأرضية، ويتبادلون أطراف الحديث والحكايات والقصص الشيقة، إلى أن جاءت فترة تناول وجبة العَشَاء، وإذا بالأطباق تتعاقب الواحدة تلو الأخرى، تبعها تناول الشاي والقهوة والاستمرار في رواية القصص المختلفة عن الشِواء العماني وغيره، والرد على الاستفسارات التي كنتُ أطرحها عليهم حوله تارةً، والإجابة من جانبي على أسئلتهم حول المأكولات الشعبية الأردنية تارةً أخرى، حتى ساعةٍ متأخرة من الليل، عُدنا بعدها إلى البيوت للخلود إلى النوم، بعد أن ودعنا البرميل وما يحويه من أطايب الطعام.
وحرص المضيفون لنا في صباح اليوم التالي، على تناول وجبةٍ خفيفةٍ من الإفطار، بهدف الاستمتاع بمذاق الشِواء العُماني اللذيذ بعد حين. وما أن حان وقت الرابعة عصراً، حتى أخذت روائح الشِواء تزكم الأنوف، وإذا بالمائدة تحمل لون ذلك اللحم المشوي الأحمر، والمائل قليلاً للاسوداد، والذي ما أن تضعه في فمك، حتى تشعر بالطعم المختلف تماماً عما أكلته من لحومٍ مطبوخة بشتى الطرق من قبل، والذي لا يحتاج في الواقع إلى الكثير من المضغ، نظراً لدرجة الليونة شبه المتناهية، والناجمة عن الحرارة المضغوطة داخل برميل المرجل الناري. إنها وبكل المقاييس، تمثل ذكريات جميلة للغاية، عشتها واقعاً مع عاداتٍ غذائية عربيةٍ عُمانية أصيلة تستحق التوثيق لروعتها. profjawdat@yahoo.com

بواسطة : admin
 0  0  97
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 12:15 صباحًا الثلاثاء 24 أبريل 2018.