مرحباً بكم بموقع الدكتور عبدالله بن صالح المقبل. تم إنشاء هذا الموقع في عام 1996 حينما كنت ادرس مرحلة الدكتوراة بالولايات المتحدة الأمريكية.

  • ×

09:50 صباحًا , الثلاثاء 24 أبريل 2018

الحلقة التاسعة والثلاثون: قصة إنشاء ماجستير التربية في جامعة السلطان قابوس

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
image
http://alrai.com/article/1010790/
صحيفة الرأي الأردنية (قسم الأبواب)

تاريخ النشر: الأحد: 4/9/2016- العدد: (16720)

الحلقة التاسعة والثلاثون:
قصة إنشاء ماجستير التربية في جامعة السلطان قابوس
image

بقلم: أ.د. جودت أحمد سعادة المساعيد

تظل عملية إنشاء برامج الدراسات العليا في أي جامعة من الجامعات، تمثلُ حالةً من حالات الضرورة الإجتماعية، وليست رغبةً وقتية من جانب فردٍ بعينهِ، أو مجرد نزوةٍ أو هوىً من مجموعةٍ من الأفراد، لتحقيق هدفٍ محددٍ أو مصلحةٍ زائلةٍ. وهذا في الغالب ما حصل بالنسبة لإنشاء برامج الدراسات العليا التربوية في جامعة السلطان قابوس في أوائل التسعينيات من القرن العشرين، حيث كان طلبة السلطنة الراغبين في إكمال دراساتهم العليا، إما أن تقوم الحكومة بابتعاثهم على نففقتها الخاصة إلى مختلف دول العالم، أو يتكفل القادرون منهم على دفع التكاليف، بالسفر إلى الخارج، من أجل الحصول على درجتي الماجستير والدكتوراة.


ولكن ما أن نجح مشروع إنشاء جامعة السلطان قابوس بشكلٍ مُلفتٍ للنظر بعد ما يقارب العقد من الزمان ، حتى بدأت أفواج الخريجين من كلياتها العلمية والإنسانية تتوالى عاماً بعد عام. وقد ساهم ذلك في تهيئة الأجواء الملائمة لتوفير عدد من الخريجين من ذوي المعدلات المتميزة، والراغبين في إكمال دراستهم العليا من جامعتهم الأصلية التي تخرجوا منها، لا سيما وأن الكفاءات من الأساتذة المرموقين من ذوي الخبرة الطويلة في الإشراف على رسائل الماجستير والدكتوراة، ما زالوا يعملون فيها، بل وبالإمكان التعاقد مع المزيد منهم إذا تطلب الأمر ذلك.


ويبدو أن الضغوط من الطلبة الخريجين الراغبين في الالتحاق ببرامج الدراسات العليا من جهة، وضرورة تنفيذ خطط الجامعة المستقبلية التي تؤكد على تهيئة الظروف لتوفير الكفاءات الوطنية للتدريس الجامعي بالابتعاث أو بفتح برامج الدراسات العليا المتنوعة من جهةٍ أخرى، كانت وراء تفكير إدارة جامعة السلطان قابوس بالبدء بفتح تلك البرامج، على أن يتم ذلك أولاً في الكليات والأقسام الأكاديمية الإنسانية قبل غيرها، وذلك لقلة المتطلبات من الأجهزة والأدوات والمختبرات الإضافية، التي تحتاجها في العادة الأقسام العلمية، والتي تتطلب إيجاد ميزانياتٍ أكبر وتوفر إمكانياتٍ وتعقيداتٍ أكثر.


وما أن جاءت التوجهات الأولية من إدارة الجامعة، بالرغبة في إنشاء برامج الماجستير في كليتي الآداب والتربية أولاً، عن طريق ضرورة صياغة التعليمات الخاصة بها، وتحديد المجالات الأكاديمية المرغوب البدء بها، ووضع الخطط الأكاديمية التفصيلية المرغوب فيها، حتى بدء عميد كلية التربية آنذاك أ.د. محمد الشبيني، بعقد اجتماعاتٍ فرديةٍ معي أولاً، بصفتي رئيس لجنة الدراسات العليا في الكلية، وذلك من أجل نقل بعض التوجيهات من رئاسة الجامعة، بالإضافة إلى النصائح التي كان يسديها لي بشأن كيفية البدء بالعمل بنشاطٍ وحيويةٍ في هذا الصدد. وقد أعقب ذلك قيام العميد بعقد عدة لقاءاتٍ أخرى مع أعضاء اللجنة ككل، طالباً من الجميع وضع المقترحات الملائمة للتخصصات الأكاديمية المنوي إنشاء برامج الماجستيرفيها.


وفي ضوء نتائج الاجتماعات المكثفة للجنة الدراسات العليا في الكلية، تمَ الاتفاق على إنشاء عدة برامج للماجستير هي: الماجستير في مناهج وطرق تدريس التربية الإسلامية، وفي مناهج وطرق تدريس الدراسات الإجتماعية، وفي مناهج وطرق تدريس اللغة العربية، وفي مناهج وطرق تدريس اللغة الإنجليزية، وفي مناهج وطرق تدريس الرياضيات، وفي مناهج وطرق تدريس العلوم، وفي الإدارة التربوية وأصول التربية، وفي علم النفس التربوي. وما أن تم رفع إنجازات لجنة الدراسات العليا إلى عميد الكلية ودراسته لها، حتى قام بتوزيع خطاب رسمي إلى الأقسام المعنية بتلك البرامج، لوضع تعليمات دقيقةٍ لها، واقتراح الخطط الأكاديمية التفصيلية المطلوبة لها، واعتمادها رسمياً من مجالس تلك الأقسام، ثم العمل على رفعها إلى العمادة، تمهيداً لمناقشتها في اجتماعات مجلس الكلية.


وقد اجتمعتُ بعدها مع رؤساء الأقسام المعنية، بصفتي رئيس اللجنة في الكلية، من أجل الاتفاق على الخطوط العريضة لتعليمات ماجستير التربية، بصرف النظر عن مطالب التخصصات الدقيقة، تاركين تلك التفاصيل للأقسام الأكاديمية ذاتها، على أن يتم التنسيق القوي بين الأقسام كافة، من أجل تبادل الأفكار والآراء والخبرات والمعلومات المفيدة في هذا الصدد، مع رفعها في نهاية المطاف إلى رئيس لجنة الدراسات في الكلية لدراستها، ووضع التصور النهائي لها، تمهيداً لرفعها إلى عميد الكلية.


وبالفعل، وصلت تعليمات منح درجة الماجستير في التربية الى اللجنة، التي كانت حريصةً على مناقشتها بطريقٍةٍ علمية وشفافة، مع إبداء بعض الملاحظات عليها وإعادتها للأقسام لتنفيذها. وعند استكمال مطالب اللجنة من جانب الأقسام، تمَ رفع الأوراق جميعاً إلى عميد الكلية، الذي قام بتوزيع نُسخٍ منها على الأعضاء لدراستها بعمق وكتابة ملاحظات خطية عنها، وذلك قبل موعد مناقشتها بأسبوعٍ كامل. وفي اجتماع مجلس الكلية، تمّ طرح الملاحظات من جانب الأعضاء، ونوقشت بإسهابٍ في لقاءٍ استمر أكثر من ثلاث ساعات، أثمر عن موافقة المجلس على التعليمات والخطط الأكاديمية، شريطة قيام الأقسام الأكاديمية بإجراء عدد من التعديلات والإضافات المطلوبة التي أُثيرت في الاجتماع، مع رفعها من جديد إلى عميد الكلية، الذي سيعمل جاهداً على إرسالها من جانبهِ إلى إدارة الجامعة، تمهيداً لعرضها على مجلس العمداء، تمهيداً لمناقشتها وإقرارها إن كانت مستوفيةً للشروط المنصوص عليها من قبل.


وزيادةً في الدقة والقوة لتعليمات البرامج المقترحة وخططها الأكاديمية، فقد استقطب عميد الكلية ثلاثة من الأساتذة التربويين المرموقين من كلية التربية في جامعة عين شمس، من بينهم عميد الكلية آنذاك، الذين حضروا إلى الجامعة لمدة أسبوعين كاملين، اطلعوا خلالهما على ما تم الوصول إليه، ثم اجتمعوا بأعضاء مجلس كلية التربية، وأعضاء لجنة الدراسات العليا عدة مرات، وأبدوا عددا من الملاحظات القيمة، التي تمت مراعاتها جيداً وأخذها في الحسبان عند إعداد النسخة النهائية للمشروع كله. وبعدها قام عميد الكلية برفع العمل كاملاً إلى رئيس الجامعة لاستكمال الإجراءات الرسمية.


وما هي سوى أسابيع قليلة بعدها، حتى أصدر رئيس الجامعة آنذاك قراراً بالبدء رسمياً ببرامج الماجستير لعدد من التخصصات في كليتي الآداب والتربية، كي يتم الإعلان في الصحف المحلية للأشخاص الراغبين بالالتحاق ببرامج ماجستير التربية، من أجل التقدم بالشهادات والوثائق المطلوبة إلى عمادة القبول والتسجيل في جامعة السلطان قابوس. وتم تحويل الطلبات الى عمادة كلية التربية، التي قامت بإرسالها للأقسام الأكاديمية لدراستها، واختيار الحالات الأقوى منها من أجل ترشيحهم للالتحاق بتلك البرامج.


كل هذا يوضح بما لا يدعُ مجالاً للشك، مدى مراعاة الأمور العلمية المحضة عند وضع برامج الدراسات العليا، مع عدم اللجوء إلى الأفكار الجاهزة لتطبيقها، أو الرغبات الفردية لتنفيذها، بل الاعتماد بالدرجة الأساس على العمل التنظيمي الجماعي، القائم على المناقشات المستفيضة، وتبادل الآراء المتنوعة، وطرح الأفكار والخبرات المتعددة، والاستئناس بمن لديهم الخبرات الطويلة في هذا المجال سواء من داخل أسوار الجامعة أو من خارجها، وبنَفَسٍ طويل، يعتمد على الفكرة القائلة بأن الأساس القوي لأي عملٍ أو مشروع يزداد تماسكاً إذا ما تمت تهيئة الظروف الملائمة لديمومتهِ، في حين أن الأساس الضعيف قد ينهار من أول اختبار.


وهكذا بدأت برامج الدراسات العليا التربوية في جامعة السلطان قابوس في أوائل التسعينيات من القرن العشرين بصورةٍ قويةٍ، كي تنطلق برامج جديدة في تخصصات أخرى، ليس في الكليات الإنسانية فحسب، بل وقد تعدتها إلى الكليات العلمية المتنوعة، عندما تمت تهيئة الظروف والإمكانيات المطلوبة لها. ولم تقف الأمور عند هذا الحد كذلك، بل ما أن استمر النجاح في برامج الماجستير التربوية والإنسانية، وثبت مدى أهلية خريجيها في الميدان التربوي العُماني، حتى بدأت الأصوات تنادي بضرورة فتح برامج الدكتوراة في كلية التربية، مما يؤكد سلامة البناء الأول، الذي أُقيمت عليه سلسلة من الأبنية الأكاديمية التي تخدم ليس الطلبة العُمانيين الطامحين إلى الحصول على درجة الدكتوراة فحسب، بل وأيضاً خدمة برامج التنمية الوطنية العُمانية طويلة المدى، عن طريق إعداد الكفاءات العليا، التي تعمل جامعة السلطان قابوس على توفيرها من أجل تطوير ميادين التربية والتعليم العالي.


profjawdat@yahoo.com jawdatmassa@gmail.com
Website: http://www.jwdat.com



بواسطة : admin
 0  0  101
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 09:50 صباحًا الثلاثاء 24 أبريل 2018.