مرحباً بكم بموقع الدكتور عبدالله بن صالح المقبل. تم إنشاء هذا الموقع في عام 1996 حينما كنت ادرس مرحلة الدكتوراة بالولايات المتحدة الأمريكية.

  • ×

12:13 صباحًا , الثلاثاء 24 أبريل 2018

الحلقة الرابعة والثلاثون: قصص عروض التعيين في جامعات مختلفة

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
image
http://www.alrai.com/article/799275.html
صحيفة الرأي الأردنية (قسم الأبواب)

تاريخ النشر: الأحد: 17/7/2016- العدد: (16671)

الحلقة الرابعة والثلاثون:
قصص عروض التعيين في جامعات مختلفة
image



بقلم: أ.د. جودت أحمد المساعيد
يميل عضو هيئة التدريس الجامعي، الذي اكتسب خبرةً لا بأس بها في التعليم والبحث والتأليف وخدمة المجتمع، إلى الرغبة في تجديد خبرته الجامعية والمجتمعية في جامعة أخرى أو في مكانٍ جديدٍ، غير ذلك الذي اعتاد عليه لسنواتٍ طويلة نسبياً. فربما بعد قيامه بالتدريس لفترةٍ قد تتراوح ما بين (7 – 10) سنوات في جامعةٍ واحدة وفي البيئة ذاتها، قد يشعر بالملل الشديد، نتيجة الروتين المتواصل لوتيرة العمل اليومية، مع تغييراتٍ يشعر بأنها قليلة في عددها أو بطيئة في تكوينها، ولا تلبي في الغالب الكثير من الطموحات التي يعمل على تحقيقها حاضراً أو في المستقبل.
وبما أن التعليمات والأنظمة في الجامعات العريقة، لا تشجع على تبادل الزيارات لأعضاء هيئة التدريس مع أقرانهم في الجامعات الأخرى فحسب، بل وتكرمهم أيضاً بشكلٍ واضحٍ، وذلك عن طريق منحهم ما يسمى في الأعراف الجامعية الرصينة، بإجازة التفرغ العلمي Sabbatical Leaf ولمدة عامٍ واحدٍ، يحصل صاحبها على راتبه كاملاً، وكأنه على رأس عمله في جامعته الأصلية، والتي يمكن العمل على تجديد تلك السنة، ضمن ما يُعرف بالإجازةٍ العلمية بدون راتبٍ Leaf Without Pay، ولبضع سنواتٍ أخرى. وهذا إن تمّ بالفعل، فإنه سوف يفسح المجال أمام عضو هيئة التدريس، بالاختلاط بزملاء جدد، كانوا قد تخرجوا من جامعاتٍ مختلفة، ولهم اهتمامات متنوعة، ضمن بيئاتٍ مُناخيةٍ وأكاديميةٍ متفاوتةٍ، بالإضافة إلى التعايش مع تعليماتٍ وأنظمةٍ وقوانين أكاديمية كثيرة، مما يُثري من خبرات عضو هيئة التدريس من ناحية، ويوسع من مداركهِ وتجاربهِ المتعددة من ناحيةٍ ثانية.
وقد ظهرت لديَ رغبةً أكيدة في تجديد خبرتي، عن طريق العمل في جامعةٍ أخرى، ولا سيما بعد ترقيتي إلى رتبة أستاذ مشارك بعد السنوات الخمس الأولى من الخدمة في جامعة اليرموك. ومع ذلك، فإنه لا يمكن إغفال بروز بعض العوامل التي كانت تقف حائلاً دون تحقيق ذلك، ومن أهمها على الإطلاق، الالتزام الأخلاقي نحو جامعة اليرموك، بالخدمة ضعف مدة البعثة الدراسية للدكتوراة، كما نصت عليه شروط البعثة، مما يتوجب عليّ ضرورة خدمة ست سنوات كاملة فيها، هذا بالإضافةً إلى أنني كنتُ أقومُ بمهمةٍ إداريةٍ أكاديميةٍ مزدوجةٍ، تتمثل في رئاسة قسم التربية وعلم النفس من جهة، وإدارة مركز البحث والتطوير التربوي من جهةٍ ثانية، وبوجود نحو أربعين من أعضاء هيئة التدريس والباحثين، مما يؤهلني إلى اكتساب خبرةٍ ثريةً جداً في هذين المجالين الأكاديميين المهمين، وهو ما قد لا يتوفر في حالة العمل لفترةٍ محدودة في جامعةٍ داخل الأردن أو خارجه، في حال الانتقال إليها.
وما أن بدأتُ في السنة الثامنة للخدمة بجامعة اليرموك، حتى تقدمتُ رسمياً من إدارة الجامعة بطلب الحصول على إجازة التفرغ العلمي المستحقة منذ عامين. وعندما حصلتُ عليها،على أن تكون نافذةً اعتباراً من تاريخ1/9/1988، بادرتُ فوراً بتقديم طلبات العمل في عدة جامعات أردنيةٍ وخليجية. والغريب جداً أن جميع الجامعات التي تقدمتُ لها وعددها خمسُ جامعاتٍ، قد وافقت رسمياً على تعييني، ولكن ضمن أوقاتٍ متفاوتة. وهذا ما زاد من الحيرة عندي، من أجل الاختيار الأفضل فيما بينها، لا سيما وأن لكل واحدةٍ منها مزاياها الخاصة التي تنفرد بها عن الأُخريات.
وكل جامعةٍ قدمتُ فيها طلباً، كان وراء هذا الطلب أكثر من سبب وجيه. فالسبب وراء اختياري للجامعة الأردنية، كان مقر الإقامة الدائم لعائلتي الكبيرة آنذاك في مدينة صويلح المجاورة لها، مع وجود سكن خاص بي هناك. هذا بالإضافةً إلى رغبة أي عضو هيئة تدريس جامعي أُردني في أن يكون له شرفُ التعليم في هذه الجامعة الأم. وكان أول قبول للعمل في جامعةٍ مشهورةٍ قد جاءني منها، بل وقمتُ بإجراءات التعيين كالفحص الطبي، وتقديم الوثائق المطلوبة كافة، وصدور خطاب التعيين الرسمي، بل وقامت الجامعة بالإعلان عن الخبر في الصحف الأردنية اليومية.
أما الجامعة الثانية التي حصلتُ على ترشيحٍ رسمي للعمل فيها، فكانت جامعة الملك سعود في مدينة أبها، في أقصى بقاع جنوب المملكة العربية السعودية. وكنتُ قد اخترتُ تلك الجامعة بسبب خلفيتي الجغرافية السابقة، وعشقي للمناطق المغطاة بالأشجار الباسقة، كتلك التي عهدتها في دراستي للماجستير في الجامعة الأردنية، ودراستي للدكتوراة في جامعة كانساس Kansasالأمريكية، حيث يرى الإنسان الأشجار فيهما أينما يتجه. والمعروف أن الجامعة في مدينة أبها، تقع ضمن منطقة جبلية مرتفعة، ومغطاة بالغابات الجميلة، إضافةً إلى أنها تمتاز بالجو الخريفي الذي يسحر القلوب والعقول، إضافة إلى التمتع بالهدوء النسبي الذي قد لا نجده في أماكن جامعية أخرى على مستوى الوطن العربي.
وجاءت ردود الجامعات الثلاث الأخرى بعد ذلك متتالية، بالموافقة الرسمية على الترشيح للعمل فيها، مما زاد عندي من مستوى الحيرة والتردد في الاختيار بين الجامعات الخمس، وذلك في ضوء عدد من الظروف والمعايير المختلفة. إذ حصلتُ على موافقة بالعمل في كلٍ من جامعة البحرين، وجامعة الملك سعود في الرياض، وجامعة السلطان قابوس بسلطنة عُمان. وبدأتُ وقتها، وبالذات في الشهر الخامس من عام 1988م، وقبل ظهور خدمات شبكة الانترنت، بزيارة الملحقيات الثقافية للسعودية والبحرين وسلطنة عُمان، من أجل الحصول على منشورات أو معلومات عن هذه الجامعات الثلاث، حتى أدرس الوضع عن كثب، تمهيداً لاتخاذ القرار المناسب للاختيار الأفضل بين هذه الجامعات، إضافة إلى اللقاء مع بعض الطلبة من تلك الأقطار الشقيقة، والملتحقين وقتها بجامعة اليرموك.
ومع ذلك، فقد تفرض بعض الأحداث المتسارعة نفسها على المشهد، وتعمل على تغيير القناعات ومن بعدها تعديل القرارات، إذ قام بزيارتي في جامعة اليرموك آنذاك، عضو لجنة اختيار أعضاء هيئة التدريس لجامعة الملك سعود في الرياض، الدكتور عبد الرحمن الشعوان، والذي يحمل التخصص ذاته الذي أحمله، وهو مناهج وطرق تدريس الدراسات الاجتماعية، وأصرّ على ضرورة أن أعمل معه في الرياض، والتي كنت قد اخترتها، حتى أُجدد ذكرياتي الأولى للتدريس الجامعي فيها خلال الفترة ما بين ( 1973- 1976)، حينما كنتُ أحملُ درجة الماجستير في التربية، وعُينتُ فيها محاضراً ومشرفاً على التربية العملية.
عندها قلتُ له إن لديَ موافقات من الجامعة في أبها، والأخرى من الجامعة في البحرين، والثالثة من الجامعة في مسقط، فقال: بالنسبة إلى جامعة أبها، فالمشكلة محلولة من جانبي لأنها جامعة سعودية وسنختارك للرياض، في حين سأتصل بأصدقائنا في سفارة البحرين بعمان وإقناعهم بذلك، ويبقى لك الخيار بين الرياض ومسقط. وكنتُ خلال تدريسي للطلبة العمانيين في جامعة اليرموك، قد أبلغتُ أحدهم وهو الطالب علي بن مسعود المنذري، برغبتي في العمل بجامعة السلطان قابوس، الذي شجعني جداً على ذلك، وأحضر لي بطريقته الخاصة، عدداً من المنشوراتٍ والصورٍ والمعلوماتٍ عن تلك الجامعة، وحدثني على لسان أصدقاء له يلتحقون بها، إما كطلبةٍ أو كموظفين، حول مزاياها العديدة، وخصائصها المتنوعة، مما شجعني على أن تكون من بين الخيارات المفضلة.
وقد أعقبَ ذلك زيارة وفد التعاقد من جامعة السلطان قابوس برئاسة عميد كلية التربية حينئذٍ أ.د. محمد الشبيني، ومدير شؤون الموظفين السيد حمد الحجري، ومساعده السيد حمود الهاشمي، إلى مقر جامعة اليرموك، حيث التقوا برئيس الجامعة، ثم الحضور بعد ذلك إلى قسم التربية، الذي كنتُ أقوم برئاستهِ. وبعد الترحيب بهم، قاموا بالحديث عن رغبة جامعتهم بالتعاقد الرسمي معي، مع عرض نسختين من العقد، طالبين مني التوقيع عليهما. وبعد قراءتي المتفحصة لفقرات العقد، وفي ضوء تبادل أطراف الحديث مع الضيفين، وجدتُ أنه يمثل العرض الأنسب من بين العروض السابقة جميعاً، وذلك لسببين رئيسين هما: أن عميد الكلية قد أكد لي الحاجة الماسة لتعييني بعد الالتحاق بتلك الجامعة، رئيساً لقسم المناهج وطرق التدريس، وهو من أكبر الأقسام فيها، وبعدد (45) عضو هيئة تدريس ضمن عشرة تخصصات فرعية للمناهج، مما يسمح لي بالاستمرار بالخبرة الإدارية الأكاديمية الجامعية، في بيئةٍ تربويةٍ جديدة، وهو ما حصل بعد ذلك فعلاً.
ولا أستطيعُ إخفاء دور العامل المادي والإغراء في مجال السكن، الذي يتيحهُ لي عقد العمل مع جامعة السلطان قابوس، لصنع قرار اختيار مكان الوظيفة الجديدة، حيث السكن المجاني عبارة عن فيلا بطابقين، مع سور يحيط بها ويفصلها عن غيرها، إضافةً إلى ساحة من الأمام وأخرى من الخلف، بناءً على وصفهم، مع التكييف المركزي والكهرباء المجانية أيضاَ، إضافةً إلى راتبٍ شهري يلامس الخمسة آلاف دينار أردني آنذاك، مما سيؤدي إلى مساعدتي بشكلٍ كبير في حل مشكلة تدريس ثلاثةً من أبنائي الذكور في الجامعات بعد وقتٍ قصير جداً من توقيع العقد، والذين كانوا في صفوفٍ متتالية من العاشر وحتى الثاني عشر. أي أنهم كانوا على أبواب الدراسة الجامعية المكلفة مادياً، وهو ما حصل بالفعل بعد فترةٍ وجيزةٍ، حيث توجه الأول لدراسة الكمبيوتر في جامعة اليرموك، والثاني لدراسة الاقتصاد والأعمال في الهند، والثالث لدراسة الطب في جامعة العلوم والتكنولوجيا الأردنية، لكونه من الطلاب العشرة الأوائل في الثانوية العامة/ الفرع العلمي.
وبالفعل، اعتذرتُ رسمياً لبقية الجامعات الأخرى التي إما رشحتني للعمل فيها، أو قامت بتعييني رسمياً في قسم المناهج وطرق التدريس، وعلى رأسها الجامعة الأردنية الأم، حيث تفهم موقفي أيامها رئيس الجامعة المخضرم دولة الأستاذ الدكتور عبد السلام المجالي (أطال الله في عمره)، ووافق على استقالتي من الجامعة بعد تعييني فيها، عندما كتبتُ له خطاباً تفصيلياً، أوضحتُ له الأمور من جميع جوانبها، مما أتاح لي بعدها التوجه للعمل في جامعة السلطان قابوس بمدينة مسقط، ولمدة عشر سنوات متتالية، كانت غنيةً جداً في خبراتها، مما يجعلها تستحق كتابة المزيد من حلقات الذكريات المتنوعة، والتي لا بد من توثيقها، خشية ضياعها من جهة، وحتى يستمتع بها من يتذوق قراءة ذكريات التعليم العالي بحلوها ومرها من جهةٍ أخرى.
profjawdat@yahoo.com jawdatmassa@gmail.com
Website: http://www.jwdat.com


بواسطة : admin
 0  0  95
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 12:13 صباحًا الثلاثاء 24 أبريل 2018.