مرحباً بكم بموقع الدكتور عبدالله بن صالح المقبل. تم إنشاء هذا الموقع في عام 1996 حينما كنت ادرس مرحلة الدكتوراة بالولايات المتحدة الأمريكية.

  • ×

09:59 صباحًا , الثلاثاء 24 أبريل 2018

الحلقة التاسعة والعشرون: ذكريات الترحال الأسبوعي بين «اليرموك» وعمان

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
image
http://www.alrai.com/preview.php/article/785745.html
صحيفة الرأي الأردنية (قسم الأبواب)

تاريخ النشر: الأحد: 8/5/2016- العدد: (16604)

الحلقة التاسعة والعشرون:
ذكريات الترحال الأسبوعي بين «اليرموك» وعمان
image

بقلم: أ.د. جودت أحمد المساعيد
كانت مدينة إربد الأردنية في أواخر عقد السبعينيات من القرن العشرين، مدينةً صاعدةً في نموها السكاني والعمراني. ومما زاد في زيادة سرعة وتيرة ذلك النمو، افتتاح جامعة اليرموك فيها خلال شهر تشرين الأول (أكتوبر) من عام 1976. ورغم أن موقع الجامعة كان في الأطراف الجنوبية للمدينة آنذاك، ولم تكن هناك من مساكن وأبنية ومحلات تجارية حولها إلا القليل جداً، إلا أنها بدأت بالظهور بشكلٍ ملفتٍ للنظر رويداً رويداً. كما كان الوضع في الإسكان الشرقي لأعضاء هيئة التدريس العاملين في الجامعة، والواقع على طريق حوارة، يتشابه بما هو ماثل حول الحرم الجامعي في مدينة إربد ذاتها من حيث بداية الإعمار السكني.
وظلت الأنشطة الأكاديمية والثقافية والعلمية داخل جامعة اليرموك، أقل بكثيرٍ مما هو عليه الحال في الجامعة الأردنية، نظراً لحداثة الأولى، وتوسع الكليات العلمية والإنسانية ومراكزها وأقسامها في الثانية، وزيادة مناشطها الأكاديمية الأسبوعية، ووجود مجلة (دراسات) التي كانت وقتها هي الوحيدة في الأردن، التي تحرص على نشر البحوث الأصيلة، ووجود المعارض العلمية، والصناعية، والثقافية، والتجارية، مما دفع العديد من أعضاء هيئة التدريس في اليرموك إلى القيام بزيارات شبه إسبوعية إلى العاصمة عمان من وقتٍ لآخر، وذلك للاعتبارات السابق ذكرها، إضافةً إلى عواملَ عديدةٍ أخرى.
وكان الزائرون للجامعة الأردنية، ولمدينة عمان بالذات، من أعضاء هيئة التدريس في جامعة اليرموك، يعودون إلى عملهم في إربد بداية الأسبوع، ولديهم الكثير من الأخبار الثقافية والعلمية والاجتماعية والاقتصادية الجديدة، التي ينقلونها لزملائهم الآخرين، لا سيما وأن وسائل الاتصالات الحديثة مثل الشبكة العنكبوتية، ومواقع التواصل الاجتماعي، وأجهزة الخلوي الشخصية لم تكن معروفة وقتها، وحتى أن استخدام الهواتف الثابتة، كان محدوداً بشكلٍ واضح، نظراً لتكاليفه المرتفعة نسبياً، مما جعل للزيارات الأسبوعية لمدينة عمان فوائد عميمة، ليس لنقل الأخبار المتنوعة فحسب، بل ولإعطاء الانطباعات ووجهات النظر عما شاهده الزوار، أو شاركوا فيه، مع زملائهم في الجامعة الأم.
ولم تغب الأسباب العائلية القوية عن هذا الترحال الأسبوعي بين جامعة اليرموك من جهة، وبين العاصمة عمان وضواحيها من جهةٍ ثانية، لدى العديد من العاملين فيها، وأنا واحدٌ منهم. فنظراً لوجود الوالدين والأخوة والأخوات والأقارب في المدينة الأكبر، وكثرة المناسبات الاجتماعية من أفراحٍ وأتراح، فقد كان معدل الزيارات يزداد من وقتٍ لآخر، بحيث لا يقتصر الأمر على زيارة نهاية الأسبوع، بل يتم أحياناً بعد انتهاء فترة التدريس الجامعي، وتكون العودة في وقتٍ متأخر من الليل، بعد تقديم الواجب الاجتماعي الطارئ. وكم كان هذا من بين الأسباب التي دفعت بعض الزملاء إلى الانتقال للعمل في الجامعة الأردنية في أوقاتٍ لاحقة، من أجل حل مشكلة الترحال الأسبوعي، وما يكلف هذا كله من جهد ووقتٍ ومال.
ومع ذلك، فقد كان لهذا الترحال المتواصل نكهةٌ خاصة عندي، حينما عايشتُ بالفعل عن طريق تنفيذه المستمر، العديد من المزايا والفوائد، يتمثل أهمها على الإطلاق، في تجديد الجو العائلي بكل معانيه، حيث كان الأطفال ينتظرونه على أحرٍ من الجمر، ويؤدي بنا إلى الالتقاء ببعض الأقارب(نظراً لكثرتهم)، ونحن في أشد الشوق لرؤيتهم لهذا الأ سبوع، على أمل اللقاء بغيرهم في الأسبوع التالي، وزيارة فئة ثالثة منهم في الأسبوع الثالث وهكذا، باستثناء الوالدين التي كانت زيارتهم واجبة أسبوعياً مهما كانت الظروف والأسباب.
ومن بين المنافع الأخرى الناجمة عن هذا التنقل، حمل الهدايا العينية المعقولة، مما نراه مناسباً من المحلات التجارية بمدينة إربد خلال الأسبوع، أو من الفواكه المتنوعة التي كانت تزخر بها جوانب الطرقات، وبخاصةٍ في منطقة ثغرة عصفور المطلة على جرش، أو مما كانت تتحفنا به مطاعم (أبو أحمد) في وسط مدينة جرش ذاتها، من صفائح أو معجنات اللحمة اللذيذة في طعمها، وذات النكهة المميزة، والتي كان أهل عمان ينتظرونها بشغفٍ واضح، مقابل أن نحمل في رحلة العودة ما يفاجئوننا به هؤلاء الأقارب من هدايا بديلة وذات تأثير إيجابي تعمل على زيادة أواصر الروابط العائلية القوية.
ومما كان يزعجني في رحلة الذهاب والإياب الأسبوعية، عاملاً عائلياً محضاً، يتمثل في المعاناة من العراك الذي كان يحتدم بين الأطفال الذكور الثلاثة، الذين كانت تفصل الواحد منهم عن التالي له في العمر، سنةً زمنيةً واحدة فقط، وكانوا يجلسون في الكرسي الخلفي من السيارة. فمهما كنت استخدم معهم من وسائل التشجيع والإغراء المتعددة، مثل شراء أنواع الحلوى اللذيذة، أو الألعاب ذات الألوان الجذابة، فإنهم سيختلفون عليها، ويبدأ الصراخ من هذا نحو ذاك، مما يرفع من نسبة حدوث الصداع المزعج. وحتى عندما أوجه لهم النصائح العديدة بضرورة التزام الهدوء، مع استخدام أسلوب التعزيز أو التحفيز لمن يساهم في إيجاد جوٍ من الهدوء النسبي، أجد بأن الأمر لا يتعدى سوى لحظاتٍ قصيرة، لا يلبث حتى يعود الجو غير المرغوب فيه من الإزعاج مرةً ثانية.
وذات يومٍ، وأنا أنوي التوجه في نهاية الأسبوع برحلةٍ من مدينة إربد إلى العاصمة عمان، طرأت لي فكرة تربوية مفيدة، تتمثل في استخدام أسلوب سرد القصة لتسلية الأطفال، وبدأت بالفعل في طرح قصة: (وصية الشيخ لأبنائهِ قبيل موتهِ)، بلغةٍ مبسطةٍ جداً، غير تلك التي أكتبها هنا، وتتلخص في أن أحد الرجال من كبار السن الذي كان يعيش في إحدى البقاع العربية، كان لديه أربعةٌ من الأبناء الذكور الشباب، وكان يُعاني من مرضٍ عُضال لفترةٍ من الزمن، وعندما شعر بدنو أجلهِ، استدعى هؤلاء الأبناء جميعاً، وطلب منهم إحضار مجموعةٍ من العصي، وأعطى كل إبنٍ منهم واحدة فقط، وطلبَ منهم كسرها، ففعلوا ذلك بكل سهولةٍ ويُسر، ولكن عندما وزع على كل واحدٍ منهم عددأً أكبر منها، وطلب منهم فعل الشيء ذاته وهي مجتمعة، عجزوا جميعاً عن تحقيق المهمة، فقال مقولتهُ المشهورة، أنتم يا أبنائي كهذه العصي تماماً، إذا تفرقتم لأي سببٍ من الأسباب، فإنه يسهل على الأعداء الانفراد بكم وهزيمتكم، والعكس تماماً عندما تجتمعوا سويةً أمام الخطوب، فإنه من الصعب النيل منكم، لأن يد الله دوماً مع الجماعة.
والغريب هنا، ولحسن الحظ، أن الأطفال كانوا طيلة سردي التفصيلي للقصة، يصغون لي باهتمامٍ شديدٍ وأنا أروي تفاصيل أكثر عن تلك أبطال القصة ومجريات أحداثها، وباللغة التي يفهمونها جيداً. وكم كنت أسمع من أحدهم كلما حاولت التوقف عن سردها، ولو لبرهةٍ قصيرةٍ جداً من الوقت، قائلاً: (وبعدين، ماذا حصل يا بابا)، والتي تعتبر دليلاً ساطعاً على الرغبة القوية، في متابعة مجريات تلك القصة. بل والغريب أيضاً، أنه عندما يتحدث أحدهم أو يثير بعض الإشكالات خلال روايتي للقصة، ينبري أخواه الآخران للطلب منه بضرورة الإصغاء فوراً.
وعندما وجدتُ أن هذا الأسلوب قد نجح في شد انتباه الأطفال طيلة رواية قصة وصية الشيخ، فقد حرصتُ على الانتقال التدريجي إلى قصة أخرى في تلك الرحلة أو في الرحلات التالية لها، مثل قصص: ( ليلى والذئب) و (حاتم الطائي)، و ( الشاطر حسن) و(الضفدع العملاق) و (الصديقان والدب) و(قطف الموز) وغيرها، مع التركيز في كل مرة على القيم والاتجاهات المستفادة منها، والمرغوب فيها. وهذا في الواقع، يمثل السحر الذي يمتاز به أسلوب القصة الناجح، خلال تعليم الأطفال أو التعامل معهم، والذي ينبغي استخدامه من جانب المعلمين وأولياء الأمور، مع التركيز على غرس القيم والاتجاهات الايجابية. كما ينمي لديهم هذا الأسلوب مهارات عديدة ومهمة مثل الإصغاء، والتخيل، والتركيز، والتتابع، والتحليل، وطرح الأسئلة المختلفة.
كل هذا يتطلب من مصممي المناهج المدرسية ومطوريها لمرحلتي الطفولة المبكرة والمتأخرة في وزارات التربية والتعليم العربية من المحيط إلى الخليج، ولواضعي أدلة المعلمين المختلفة لديها، والتي تُطْرَحُ فيها الإرشادات والتوجيهات والوسائل الفاعلة لتنفيذها، بأن يؤخذ في الحسبان، عملية الاهتمام الحقيقي باستخدام أسلوب القصة المشوق مع هذه الفئة المهمة من فئات تلاميذ المرحلة الأساسية الدنيا والوسطى، حتى يتم تحقيق العديد من الأهداف التربوية المنشودة، والتي تتطلب من جميع المسؤولين التربويين كل هذا الجهد وذاك العناء، لمن يمثلون في الواقع فلذات الأكباد التي تمشي على الأرض، كي يكونوا الغد الموعود لأوطانهم ، والذين يكتسبون بقوةٍ وثبات روائع القيم الرفيعة، وعظيم الأخلاق الحميدة، التي تجعلهم بلا شك، المواطنين الصالحين لخدمة أنفسهم، والمجتمع الذي ينتمون إليه، ويفتخرون في الوقت نفسه بترابه الغالي وبمقدراته النفيسة، ويذودون عن حياضهِ بالأموال السخية والدماء الزكية والأرواح الطاهرة الأبية.

profjawdat@yahoo.com jawdatmassa@gmail.com
Website: http://www.jwdat.com



بواسطة : admin
 0  0  104
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 09:59 صباحًا الثلاثاء 24 أبريل 2018.