مرحباً بكم بموقع الدكتور عبدالله بن صالح المقبل. تم إنشاء هذا الموقع في عام 1996 حينما كنت ادرس مرحلة الدكتوراة بالولايات المتحدة الأمريكية.

  • ×

12:14 صباحًا , الثلاثاء 24 أبريل 2018

الحلقة الثامنة والعشرون: ذكريات التربية العملية في جامعة اليرموك

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
image
http://www.alrai.com/article/784912.html
صحيفة الرأي الأردنية (قسم الأبواب)

تاريخ النشر: الأربعاء: 4/5/2016- العدد: (16600)

الحلقة الثامنة والعشرون:
ذكريات التربية العملية في جامعة اليرموك
image

بقلم: أ.د. جودت أحمد المساعيد
امتاز قسم التربية بجامعة اليرموك في عقد الثمانينيات من القرن العشرين، بوجود ثلاثة برامج تربوية مهمة وقوية، يتمثل الأول منها في برنامج ماجستير التربية، الذي كان يلتحق به الطلبة من حملة درجة البكالوريوس، وتُطرحُ فيه تخصصات عديدة مثل المناهج وطرق التدريس للمجالات المعرفية المختلفة، وعلم النفس التربوي، والإدارة والإشراف التربوي، والقياس والتقويم، وتكنولوجيا التعليم، والإرشاد والتوجيه. أما البرنامج الثاني، فكان يشمل بكالوريوس التربية الابتدائية، الذي يلتحق به الطلبة الناجحون في امتحان الثانوية العامة، حيث يدرسون مقررات معرفية في مجالات التربية الإسلامية، واللغة العربية، واللغة الانجليزية، والرياضيات، والعلوم، والدراسات الاجتماعية، والتربية الرياضية، والتربية الفنية، والتربية المهنية، بالإضافة إلى الحديث عن مناهجها وطرائق تدريسها، مع طرح مجموعة من المقررات التربوية المفيدة، ولا سيما التربية العملية التطبيقية لما درسه الطلبة من مواد معرفية وتربوية.
أما البرنامج المهم الثالث فهو دبلوم التربية، والذي كان يلتحق به الكثير من المعلمين والمعلمات غير المؤهلين تربوياً، والذين يقومون بالتدريس في المراحل التعليمية الأساسية والثانوية، كي يلتحقوا بهذا البرنامج، لدراسة مجموعة من المقررات التربوية الصرفة، والتي تركز على المنهج المدرسي، وطرائق التدريس القديمة والحديثة، وعلم النفس التربوي، والإدارة الصفية، والقياس والتقويم، والإحصاء التربوي، وتكنولوجيا التعليم، مع ست ساعات معتمدة للتربية العملية.
وكان لبرنامج التربية العملية في جامعة اليرموك بالذات، العديد من القصص والذكريات المتنوعة، التي يصعب نسيانها، إضافة إلى الفوائد الكثيرة التربوية والمعرفية التي يمكن أن يجنيها كلٍ من الأستاذ المشرف على البرنامج، وطالب الدبلوم المطبق له في الوقتٍ ذاته. فبالنسبة للمشرفين على البرنامج من أعضاء هيئة التدريس في الجامعة، يتيح لهم البرنامج بلا شك الاطلاع الدقيق على الواقع التربوي المدرسي بإيجابياتهِ وسلبياتهِ، كما يستطيعون الكشف عن نقاط القوة وجوانب الضعف العديدة لدى الطلبة الملتحقين به، مع إمكانية تطبيقهم للدراسات الميدانية، حول الكثير من المشكلات التي يعاني منها القطاع التربوي العام والخاص، والعمل على نشرها فيما بعد في مجلاتِ علميةٍ محكمة، وتقديم التوجيهات والإرشادات اللازمة ليس لطلبة الدبلوم فحسب، بل وإلى القائمين على العملية التعليمية التعلمية في المدارس من مشرفين تربويين، ومديرين، ومعلمين.
أما عن الفوائد التي يمكن أن يجنيها من يلتحق ببرنامج التربية العملية من الطلبة، فتتمثل بالدرجة الأساس، في إمكانية تطبيق المعارف والمهارات والاتجاهات المرغوب فيها، والتي اكتسبوها من خلال المقررات النظرية التي درسوها خلال هذا البرنامج من جهة، ثم الحصول على توجيهات الأساتذة المشرفين عليهم وإرشاداتهم من جهةٍ أخرى، من أجل تصويب الأخطاء التي قد يقعون فيها خلال عملية التدريس، وأثناء الزيارات الميدانية لهم، إضافةً إلى استشارةِ أساتذتهم خلال الإشراف عليهم، حول بعض المشكلات التي يواجهونها في مدارسهم، ومساعدتهم على وضع الحلول الناجعة لها، أو التخفيف من حدتها على الأقل.
وقد أتاحت التربية العملية لي كأحد المشرفين عليها في جامعة اليرموك، الفرصة الذهبية للتجوال في مناطق واسعة عديدة، لم أكن أتوقعها يوماً، وذلك عند زيارة المدارس في مدنها وبلداتها وقراها الكثيرة، وذلك في محافظات وألوية شمالي الأردن مثل إربد، وجرش، والرمثا، والمفرق، وعجلون، والأغوار الشمالية، وبني كنانة، والكورة، والوسطية، وغيرها، بالإضافة إلى الاطلاع الوافي على طبيعة الحياة اليومية التي يحياها السكان في البوادي، والأرياف، والمدن.
ولم يكن يخلو برنامج التربية العملية، وبخاصةٍ خلال الزيارة الميدانية من جانب المشرفين عليه، من أمور حدثت في أرض الواقع، وتصبح عملية روايتها على شكل قصة قصيرة جداً، شيئاً مفيداً للغاية، لأن فيها العديد من الدروسِ والعِبَرِ للناس بعامة، وللمعلمين منهم على وجه الخصوص. ومن أبرز ما حصل معي فعلاً خلال إشرافي على التربية العملية، كانت وقوع حادثتين من الأحداث التربوية أرويهما على شكل قصتين موجزتين للغاية، الأولى منهما كانت إيجابية في طابعها ومسارها، والثانية عكسها تماماً.
أما عن القصة الأولى، فقد كان بطلها أحد المعلمين في مدرسة كفرنجة الثانوية للبنين بمحافظة عجلون، الذي اتفقتُ معه من قبل، على أن يكون موعد الزيارة الساعة العاشرة صباحاً لطلاب الصف العاشر، ولا سيما خلال الحصة الثالثة حسب الجدول المدرسي. ولكن بينما كانت سيارة جامعة اليرموك التي تنقلنا إلى المدارس، متجهة قبل ذلك نحو مدرسة عجلون الثانوية للبنين، كي أزور أحد المعلمين فيها قبيل الساعة الثامنة صباحاً، إذا بهذا المعلم يغيب في ذاك اليوم عن المدرسة بسبب وفاة أحد أقاربه، مما جعلني أتوجه فوراً نحو المعلم الآخر في بلدة كفرنجة.
وما أن وصلتُ إلى المعلم الآخر، حتى استغرب بشدة، بل وامتعض بشكلٍ واضح، نتيجةً لحضوري قبل الموعد المتفق معه بساعة، فقلت له، ما الموضوع الذي سوف تقوم بعد قليل بتدريسه؟ ولأي صفٍ من الصفوف؟، فقال إنه موضوع: (عناصر المُناخ في الجغرافيا للصف العاشر، شعبة - د -)، فأردفتُ قائلاً: وماذا عن الحصة المتفق عليها، فقال: هي لذات الموضوع وللصف ذاته، ولكن للشعبة (ب)، فقلت إذن ليست هناك من مشكلة، فلندخل الآن إلى طلاب الشعبة (د)، ولكنه رجاني بشدة أن لا أفعل، فاستغربت وقلت: وما السبب؟ فقال: إن فيه أضعف الطلاب في الصف العاشرعلى الإطلاق من بين الشُعَبِ الأربع لذلك الصف، لأنهم جاءوا من صفوفٍ مجمعة من مدارس أخرى، فقلت له: إن هذا هو المطلوب، كي نرى كيف لك أن تقوم بتدريس هذه الفئة من الطلاب، الذين يحتاجون إلى رعايةٍ خاصة. ولما رآني أصمم على وجهة نظري تلك، قال لي: ولكن أرجوك أن تحضر معي ذات الدرس مع طلاب الشعبة(ب) المتفق عليه سابقاً، فقلت له: لك هذا.
وعندما بدأ المعلم بالتدريس، مستخدماً العديد من الوسائل التعليمية الملونة التي أعدها لهذا الغرض، وذات الصلة بموضوع عناصر المُناخ، ظهر لي مدى الضعف في مستوى الطلاب، والذي كان ماثلاً للعيان في ندرة المشاركة من جانبهم، رغم استخدام المعلم لأسلوب المجموعات الصغيرة، ورغم تبسيطهِ لكثيرٍ من عناصر الدرس ومفاهيمهِ المختلفة، وتحفيزه لهم بكل ما استطاع إلى ذلك سبيلا. ولا أبالغ إذا قلت، بأن المعلم قد بذل في تلك الحصة، ما لا يقل عن ثلاثة أضعاف ما يبذله في أي حصة أخرى. والدليل على ذلك، ما ظهر لنا عندما بدأ المعلم بتدريس طلاب الشعبة(ب)، حيث التفاعل المنشود، والاستفسارات المتنوعة، والتعليقات الهادفة، والإضافات ذات القيمة، والجهد الأقل من جانب المعلم.
وقد جعلني هذا المشهد بشقيهِ الأول والثاني، أن أقدر جهد المعلم أيما تقدير، حيث حصل على أعلى علامةٍ أو درجةٍ تصدر مني في التربية العملية، طيلة سنواتٍ طويلة أشرفتُ فيها على هذا البرنامج ليس في جامعة اليرموك فحسب، بل وفي عددٍ من الجامعات الأخرى، ليس لما بذلهُ من جُهدٍ كبير، أو ما استخدمه من أساليب ووسائل تعليمية مع الشُعبة القوية، بل لما فعله من نشاطٍ متميز مع طلاب الشعبة الضعيفة، حتى استوعبوا جيداً الدرس، وحققوا أهدافه المنشودة. ويبدو أن الحل التربوي المناسب كان في الأصل يتطلب ضرورة توزيع إدارة المدرسة ذاتها للطلاب في تلك الشعبة الضعيفة، على الشُعَبِ الأربع كافةً، لا سيما وأن عددهم لم يكن وقتها كثيراً.
أما القصة الثانية من قصص التربية العملية الملفتة للنظر، والتي تستحق أن تُروى للعبرة والفائدة أيضاً، فتدور حول ما حصل في إحدى شُعبِ الصف الثامن، بإحدى المدارس الأساسية لمدينة جرش الأثرية. فبينما كان المعلم يشرح درساً في التاريخ عن موضوع الفتوحات الإسلامية، ويستخدم خريطةً ذات صلة وثيقة به، قام بوضع الخريطة في أقصى الجهة اليسرى من السبورة، بحيث تكون مواجهةً للجانب الأيسر من مقاعد الطلاب، في حين تكون غير واضحة يالنسبة للجانب الأيمن والأوسط من تلك المقاعد. وعندما لاحظتُ أن المعلم يشرح فقط إلى جانبٍ واحدٍ من طلاب الصف، استأذنته، وقمتُ بتغيير مكان الخريطة، عن طريق وضعها في منتصف السبورة، كي يراها الجميع بوضوح.
ومع ذلك، فقد فوجئتُ بأن المعلم قد استمر بتوجيه شرحه لذات الجهة، بل وقام بطرح أسئلته للطلبة الجالسين هناك، مع إهمالٍ يكاد يكون كاملاً لبقية الطلبة. ورغم استخدامي للإشارات والإرشادات للمعلم أثناء جلوسي في الخلف، بأن يسمح للطلبة الرافعين لإيديهم في الجهتين الأخريين بالمشاركة، إلا أنه لم يتوقف عن طريقته بالتركيز على جهةٍ واحدة دون غيرها. والأنكى من ذلك، أن أحد الطلاب المشاكسين، كان يقوم ببعض الأفعال التي تثير الفوضى، بل والضحك أحياناً، دون اهتمامٍ من المعلم بتوجيههِ أو وقف تصرفاته، إذ كان لا ينتبه لما يقوم به المعلم من التدريس والتوضيح، ويضرب زملاءهُ أحياناً، ويخرج من مقعده بحجة أخذ كتاب أو غرضٍ ما من زميل آخر، ويقوم بحركاتٍ وإيماءاتٍ غير مقبولة، مما يؤدي إلى تشتيت ذهن الطلاب عن الحصة. ورغم توجيه المعلم من جانبي إلى ضرورة وقف الطالب وإعادتهِ إلى جادة الصواب، إلا أنه كان يقتصر على القول: (أسكت يا سالم)، ويعود ثانيةً إلى تدريسه لجزءٍ من الطلاب، وإغفال ما يقوم به ذلك الطالب. وهذا نموذج واضح على ضعف الإدارة الصفية من جانب ذلك المعلم.
كل هذا دفعني في نهاية المطاف، إلى السير نحو مقدمة الصف بعد الاستئذان من المعلم، والعمل على شُكرهِ لما قام به من شرحٍ وتوضيح لعناصر الدرس واستخدامه للخريطة، ثم قُمتُ بعدها بمراجعة الدرس مع الطلاب، مشاركاً معظمهم في التفاعل، حتى ذلك الطالب المثير للمتاعب، والذي تبين لي فيما بعد أن مستواه المعرفي كان جيداً، ولكن من المعروف تربوياً أن المعلم إذا أهمل طالباً ما، فإن ذلك الطالب لن يهمله فحسب، بل وسيثير له المتاعب أيضاً. وهذه هي العبرة المستفادة من القصة الثانية.
وباختصار، فإن برنامج التربية العملية يظل البرنامج الميداني الأهم من أجل الإعداد الأفضل للمعلمين الأكفياء في أي جامعة أردنية أو عربية أو عالمية، ومن أكثرها أهميةً وحيويةً لنجاحه، حتى يتم تأهيل معلمي الغد المرغوب فيهم، لتنشئة الأجيال المسلحة بالمعارف المتنوعة المفيدة، والمهارات المتعددة السديدة، والاتجاهات والقيم المختلفة العتيدة، لتحقيق الرسالة التربويةٍ الرشيدة.
profjawdat@yahoo.com jawdatmassa@gmail.com


بواسطة : admin
 0  0  104
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 12:14 صباحًا الثلاثاء 24 أبريل 2018.