مرحباً بكم بموقع الدكتور عبدالله بن صالح المقبل. تم إنشاء هذا الموقع في عام 1996 حينما كنت ادرس مرحلة الدكتوراة بالولايات المتحدة الأمريكية.

  • ×

01:12 مساءً , الثلاثاء 24 أبريل 2018

الحلقة الثالثة والعشرون: ذكريات رئاسة قسم التربية في جامعة اليرموك

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
image
http://www.alrai.com/article/777122.html
صحيفة الرأي الأردنية (قسم الأبواب)

تاريخ النشر: الاحد: 27/3/2016- العدد: (16562)
الحلقة الثالثة والعشرون:

ذكريات رئاسة قسم التربية في جامعة اليرموك
image

بقلم أ.د. جودت أحمد المساعيد
بعد أن تمت ترقيتي إلى رتبة أستاذ مشارك بوقتٍ قصير نسبياً، أصدر عميد كلية الآداب والعلوم الإنسانية الدكتور علي اشتيوي الزغل (رحمهُ الله)، عام 1986، وبالتنسيق مع رئيس الجامعة أ.د. عدنان بدران (أطال الله في عمره)، قراراً بتعييني رئيساً لقسم التربية، الذي كان يتبع آنذاك تلك الكلية. وقد تمَ هذا الأمر في وقتٍ سيطرت على الجامعة ككل مشكلة صعبةً جداً لم تعهدها من قبل، مما يجعل من سرد قصتها فائدةً لأخذ الدروس والعِبَرِ المستفادة لجميع الفئات ذات العلاقة بالجامعة من طلبةٍ، وأعضاءِ هيئةِ تدريسٍ، وموظفين، وإدارة عليا، وحتى المجتمع المحلي المحيط بها قبل ذلك.
فقد أصدر مجلس العمداء في جامعة اليرموك قراراتٍ أكاديمية حاسمة بفصل مجموعة لا بأس في عددها من الطلاب والطالبات، ممن تدنت معدلاتهم التراكمية دون الحد المقبول جامعياً، وذلك نتيجة إخفاقاتهم المتتالية، مما دفع هؤلاء الطلبة من مختلف الكليات، إلى البدء أولاً باعتصاماتٍ أمام مبنى رئاسة الجامعة للضغط على الإدارة العليا، بقصد إجبارها على العدول عن تلك القرارات، ولكن كان من الصعب تحقيق مطالب هذه الفئة من الطلبة، لأن الأمر كان أكاديمياً بحتاً، لا سيما بعد أن تمّ إرسال إنذارات سابقة لهؤلاء الطلبة، مع نسخٍ لأولياء أمورهم، بأن النتيجة الحتمية لمن لا يرفع معدله التراكمي بعد وضعهم تحت المراقبة أو الملاحظة لفترةٍ من الزمن، إلا الفصل من الجامعة، حتى يكون للأمور الأكاديمية الجامعية هيبتها واحترامها.
وكانت الاجتماعات الرسمية للإدارة الجامعية من رئيس، ونواب الرئيس، والعمداء، ومديري المراكز، ورؤساء الأقسام، تتم بشكلٍ شبه متواصل لطرح الأفكار والآراء الملائمة للتصدي لهذه الظاهرة التي تحدث لأول مرة في الجامعة. وكم كنا نلتقي مع ممثلي هؤلاء الطلبة للاستماع لهم، والتأكيد على أن هذه تمثل قرارات أكاديمية محضة، ويتم اتخاذ الكثير منها كل فصلٍ دراسي في مختلف جامعات العالم، ومنها جامعة اليرموك، ولكن ذلك لم يقنع هؤلاء الطلبة .
وبدأت للأسف الشديد الأمور تزدادُ سوءاً، عندما انضم للمفصولين مئات من الطلبة الآخرين، الذين بدأوا يطرحون شعاراتٍ ومطالبَ إضافيةٍ جديدةٍ ذات طابعٍ سياسي أو حزبي، لم نسمع بها من قبل. كما لم تقتصر الاعتصامات على المنطقة المحيطة بمبنى رئاسة الجامعة، بل تعدتها إلى تسيير مظاهرات كبيرة تنتقل من كليةٍ إلى أخرى، ومن مبنىً إلى آخر. ووصل الأمر في حدهِ الأقصى إلى تقسيم المتظاهرين أنفسهم إلى مجموعات، وتوزيعهم على مباني كليات الجامعة المختلفة، والتوجه مباشرة إلى قاعات التدريس، والدخول إليها، والطلب من زملائهم ترك القاعة فوراً والالتحاق بالمظاهرات، أي أنه كان يتم أخذ الطلبة من أمام أعضاء هيئة التدريس المحاضرين عنوةً وبأسلوبٍ فظ للأسف الشديد، مما ساهم في شل العملية التعليمية التعلمية في الجامعة إلا ما ندر.
ورغم أن تلك المظاهرات قد بقيت داخل أسوار الجامعة، إلا أن الخشية كانت تتمثل في استغلالها من أطراف عديدة وانتقال عدواها للمجتمع المحلي، مما يوسع بالتالي من مخاطرها. وقد أدت مثل هذه الظروف وتلك المخاوف بعدها إلى حدوث ما لا يرغبُ أحدٌ من الأكاديميين وغير الأكاديميين من وقوعه، حيث اقتحمت قوات الشرطة والأمن بعد منتصف إحدى الليالي تجمعاً للطلبة وقامت بتفريقهم بالقوة، مما أدى إلى وقوع بعض الخسائر البشرية من قتلى وجرحى، مع وقف الدراسة في الجامعة خلال شهور الصيف الثلاثة.
وفي بداية الفصل الجامعي الأول، انتظمت الدراسة في الجامعة تماماً، وظهرت أول فكرةٍ لإنشاء برنامج الدكتوراة في التربية، وتشكلت لجنة كنتُ أحد أعضائها، من أجل وضع تصورٍ دقيقٍ يشمل المبررات، والأهداف، والإمكانيات المادية والتدريسية، والتخصصات المتوقعة، والخطوط العريضة الأولية للمقررات المطلوبة. ولكن تتابع الأحداث اليومية العادية في الجامعة، وتعيين أ.د. محمد أحمد حمدان، رئيساً لها، والانشغال بأمور كثيرة طارئة، جعل المقترح يتم تأجيله إلى وقتٍ آخر.
ومن جهةٍ أخرى لاحظتُ منذ استلامي لرئاسة القسم، عدم وجود كتيبات عن البرامج الثلاثة التي كان القسم يطرحها آنذاك، وهي برنامج البكالوريوس في التربية الابتدائية، وبرنامج دبلوم التربية، وبرنامج ماجستير التربية، مما تطلب بذل جهدٍ لاستصدارها، كي تشمل أهداف كل برنامج، والخطة الدراسية، ووصف المقررات الإجبارية والاختيارية، وأعضاء الهيئة التدريسية وتخصصاتهم الدقيقة، تمهيداً لتوزيعها على الطلبة، حتى يصبح لديهم الإلمام الكافي بمطالب كل برنامج على حدة.
واستمر القسم في النمو، حيث تقدم عدد من أعضاء هيئة التدريس بإنتاجهم العلمي من أجل الترقية إلى رتبة أستاذ مشارك، وما هي إلا بضعة شهورٍ إضافية، حتى زاد عدد الحاملين لهذه الرتبة الأكاديمية، مما رفع من حظوظ إمكانية فتح برامج الدكتوراة فيما بعد. كما ظهرت بحوث وكتب تخصصية جديدة في القسم، بحيث أصبح يُشار إلى قسم التربية الكبير بالبنان لدى الكثيرين، مما دفع العديد من المهتمين بالتربية، للمناداة بفكرة تحويل القسم إلى كلية منفصلة، حيث أصبح هذا واقعاً ميدانياً بعد عامين تقريباً.
وبعد ستة شهور من استلامي لرئاسة قسم التربية، ظهر موضوع أكاديمي إداري جديد في الجامعة، يتمثل في شغور إدارة مركز البحث والتطويرالتربوي الذي كان يرأسهُ من ساهم بقوة في تأسيسه منذ البداية وهو أ.د. فريد أبو زينة، فما كان من هاتف المكتب ذات يوم إلا أن قرعَ قبل ربع ساعةٍ فقط من انتهاء الدوام، وإذا على الطرف الآخر الأستاذ رئيس الجامعة، قائلاً: هل يوجد أحدٌ حولك يا د. جودت، فأجبته بالنفي، فقال أنت تعرف بأن مديري المراكز يتبعون مباشرةً لرئيس الجامعة، وقد وقع اختياري عليكَ لإدارة مركز البحث والتطوير التربوي، إضافة إلى عملك رئيساً لقسم التربية، وذلك لنشاطكَ الواضح ومسموعاتك الطيبة، راجياً عدم إبلاغ أي شخص حتى يأتيك الخطاب الرسمي غداً أو بعد غد، فوعدته بذلك، ثم شكرتهُ على ثقته.
وكان يوجد في ذلك المركز، قاعتان كبيرتان: الأولى تتمثل في معمل التدريس المصغر، حيث يتدرب طلاب قسم التربية على إلقاء الدروس بعد تحضيرها، بحضور زملائهم وأستاذ المقرر، إذ توجد أربع كاميرات، واحدة في كل زاوية من الزوايا الأربع للقاعة، بحيث يتم رصد كل نشاطٍ من أنشطة الطلبة أو نشاط أستاذ المقرر، ويديرها شخص فني يجلس في غرفة صغيرة خاصة يفصلها الزجاج عن قاعة التدريس المصغر، وأمامه الأجهزة والسماعات التي تتحكم في الكاميرات الأربع، التي يوجهها نحو الطالب الذي يلقي الدرس تارةً، ونحو أي طالبٍ آخر كلما قام بطرح سؤال معين أو الرد على سؤال محدد، أو كلما حدث نشاط من نوع المجموعات الصغيرة التي يتم تشكيلها من جانب الطالب المتدرب أو من مدرس المادة. وكان يتم تسجيل كل درس على شريط فيديو، يعود الطالب إليه في وقت فراغه، كي يرى نفسه كيف أدى ذلك الدرس، وما تعليقات أستاذ المقرر أو أقرانه من الطلبة على ما قدمه. أما القاعة الثانية فكانت أكبر بكثير من الأولى، وفيها أكثر الوسائل التعليمية حداثةً آنذاك، لاستخدامها في أقسام الجامعة كافة، كلما تطلب الأمر ذلك، أو عند عقد المؤتمرات العلمية أو الندوات أو المحاضرات العامة.
ومن المهام الأخرى التي كنتُ أقوم بها كمديرٍ لمركز البحث والتطوير التربوي، دعم الباحثين التربويين مادياً من أجل إجراء البحوث أو عقد الندوات واللقاءات التخصصية، بعد تقديم المشاريع البحثية المستوفية لشروط منهجية البحث العلمي، إضافةً إلى إصدار المجلدات المتتابعة لملخصات رسائل الماجستير من التخصصات التربوية كافة، والتي وصل وقتها إلى المجلد العاشر. كما تمت عملية تعريب بعض مقاييس القدرات العقلية مثل مقياس وكسلر Wechsler ومقياس أوتيس - لينون Otis-Lennon.
وكانت إدارتي لذلك المركز بالإضافة لرئاسة قسم التربية، تمثل نقطة قوة أدت إلى إجراء العديد من البحوث التربوية الفردية والجماعية. كما قمتُ خلال تلك الفترة بتمثيل جامعة اليرموك في لجان كبرى خارج الجامعة، كان أهمها يتلخص في المشاركة بالمؤتمر التربوي الأردني العام الذي عُقِدَ تحت الرعاية الملكية المباشرة من جلالة المغفور له بإذن الله الملك الحسين بن طلال(طيب الله ثراه)، والذي كانت لمناقشاته المستفيضة لمدة ثلاثة أيام الأثر الإيجابي على الناحية التربوية، لكثرة الطروحات الصريحة التي وجدت طريقها بين المتحاورين. ومن اللجان المهمة الأخرى التي شاركتُ فيها التنسيق المتواصل مع وزارة التربية والتعليم في العديد من القضايا التربوية المهمة، وعلى رأسها متابعة المناهج المدرسية، والتسهيل لطلبة التربية بالتطبيق في المدارس التابعة للوزارة، وتسهيل مهمة الباحثين من أعضاء هيئة التدريس التربويين أو طلبة الماجستير، من أجل تطبيق دراساتهم الميدانية والتجريبية في البيئة التربوية الأردنية. كما أنني قمت بتمثيل الجامعة في لجنة كتابة تاريخ الأردن المعاصر الذي كانت ترعاهُ مؤسسة آل البيت برئاسة العَلاّمة أ.د. ناصر الدين الأسد(رحمه الله)، والتي كانت تهدف إلى صياغةٍ علميةٍ دقيقةٍ لتاريخ الأردن الحديث والمعاصر.
ومقابل ذلك كله، لا أنسى الدور الحيوي والنشيط الذي كنتُ أقوم به خلال تلك الفترة أو قبلها أو بعدها، والمتمثل بخدمة المجتمع المحلي عن طريق إلقاء المحاضرات العامة أو التخصصية، إضافةً إلى عقد الكثير الندوات واللقاءات والمؤتمرات المصغرة لخدمة المحافظات والألوية المحيطة بجامعة اليرموك. ولكن نظراً لأهمية عملية خدمة المجتمع، وكثرة ما قمت به خلال عملي في جامعة اليرموك، فإنني أرى ضرورة تخصيص حلقةً بكاملها يتم التركيز فيها بنوعٍ من التفصيل على هذه الجهود، من أجل التأكيد على أن رسالة الجامعة لا يمكن أن تكتمل بالتدريس والبحث العلمي فحسب، بل ولا بد قبل هذا كله، من الوفاء بخدمة ذلك المجتمع الذي يرفدها بكل معاني القوة والدعم المادي والمعنوي في وقتٍ واحد. .
profjawdat@yahoo.com jawdatmassa@gmail.com
Website: http://www.jwdat.com


بواسطة : admin
 0  0  98
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 01:12 مساءً الثلاثاء 24 أبريل 2018.