مرحباً بكم بموقع الدكتور عبدالله بن صالح المقبل. تم إنشاء هذا الموقع في عام 1996 حينما كنت ادرس مرحلة الدكتوراة بالولايات المتحدة الأمريكية.

  • ×

12:12 صباحًا , الثلاثاء 24 أبريل 2018

الحلقة الثانية والعشرون: الذكريات الأولية للبحوث والمؤلفات الجامعية

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
image

http://www.alrai.com/article/775681.html
صحيفة الرأي الأردنية (قسم الأبواب)

تاريخ النشر: الاحد: 20/3/2016- العدد: (16555)
الحلقة الثانية والعشرون:

الذكريات الأولية للبحوث والمؤلفات الجامعية
image

بقلم أ.د. جودت أحمد المساعيد:
كان قسمُ التربية في جامعة اليرموك، الذي التحقتُ به أستاذا مساعداً في السادس عشرمن شهر حزيران(يونيو) من عام 1980، والذي قاربَ عدد أعضاء هيئة التدريس فيه الأربعين عضواً، يَعُجُ بالنشاط والحيوية والمنافسة الشريفة، وذلك لسيطرة جيل الشباب الخريجين في معظمهم من الجامعات الأمريكية، والذين بعد إلمامهم بالأجواء التدريسية والبحثية اليرموكية، أخذوا يخططون جيداً للترقية إلى الرُتب الأكاديمية الأعلى، والمتمثلة في الأستاذ مشارك، والأستاذ، وبخاصةٍ بعد خلو القسم منها باستثناء حالتين فقط. ولما كان هذا التخطيطُ يتطلبُ في الأصلِ انتاجاً علمياً أصيلاً من البحوث المنشورة في دوريات مهنية وجامعيةٍ وتخصصية مُحكمة، تعترف بها المجالس العلمية الجامعية لأغراض الترقية، فقد ألقى هذا الشرط بظلالهِ على نوعية البحوث التي ينبغي إجراؤها، وعلى مكانة المجلات العلمية التي سيتم النشرُ فيها، وذلك من أجل ضمان الوصول إلى رتبة الأستاذ مشارك التي يطمح الأساتذة المساعدون (وأنا منهم) في الحصول عليها.
وساعدت عملية مناقشة مخططات رسائل ماجستير الطلبة من جهة، ومناقشة رسائل الماجستير ذاتها من جهة أخرى، بالإضافة إلى ندوات القسم العلمية، في الإلمام أكثر فأكثر بمنهجية البحث التربوي. هذا ناهيك عن الاطلاع المتواصل على البحوث المنشورة آنذاك في الدوريات العربية والأجنبية المرموقة. وما زلتُ أتذكر جيداً بأنه ما أن ينشر أحد أعضاء هيئة التدريس في هذا القسم الكبير، أي بحثٍ أو كتابٍ جامعيٍ، حتى ترتفع نسبة الحماسة الإيجابية بين الجميع، لا سيما من حيث التفكير الجدي بإجراء البحوث، أو نشرالمؤلفات الفردية أو الجماعية. ولكن ظهرت وقتها فجأة موجةً قوية من تأليف الكتب المدرسية لسلطنة عُمان، كان المحرك الفاعل والأساس فيها الدكتور توفيق مرعي(رحمهُ الله)، كان نتيجتها اشتراك معظم أعضاء هيئة التدريس في القسم في ذاك الجهد. ولكنني شخصياً اعتذرتُ عن هذه المهمة، لاعتقادي التام بأن الانشغال فيها سيكون على حساب إجراء البحوثٍ التربوية، وبالتالي التأخر في الحصول على الترقية لرتبة أستاذ مشارك، وأن التركيز على إنتاج البحوث والكتب التخصصية الجامعية هو الأكثر فائدة من الناحية المعنوية، رغم الفائدة المادية المجزية نسبياً من المشاركة في تأليف الكتب المدرسية العُمانية.
وقد أثبت تتابع الأحداث العلمية بعدها في القسم، صوابية وجهة نظري تلك، إذ ظهرت بوادر جهودي في النشر للبحوث والمؤلفات تأخذ طريقها إلى النور بسرعة البرق ولله الحمد، حيث كان أول بحثٍ منشور في مجلة العلوم الاجتماعية المحكمة، الصادرة عن جامعة الكويت، حول استخدام الأهداف التعليمية في ميدان الدراسات الاجتماعية، وذلك في عام 1982. كما كان أول كتابٍ لي قد صدر تحت عنوان: (تطوير مناهج وطرق تدريس الجغرافيا)، تبع ذلك العديد من البحوث، علاوةً على كتاب آخر ضخم تحت عنوان: (مناهج الدراسات الاجتماعية) والذي يقع في سبعماية صفحة ونيف، وصادر عن دار العلم للملايين في بيروت. ولتأليف هذا الكتاب ونشره قصةٌ مؤلمة أرى من الحكمة أن أسردها للقارئ الكريم، من أجل الاطلاع على جزء من تاريخ المنطقة التي نعيش فيها، والتي تفرض أحداثها علينا في كثيرٍ من الأوقات أموراً كثيرة. وتتمثل هذه القصة في أن دراستي في الولايات المتحدة قد تركزت حول ميدان تربية الدراسات الاجتماعية (Education Social Studies) ولكن ما وجدته من كتبٍ عربية آنذاك كان يتم تناولها على أنها مواد إجتماعية، مما يتعارض مع طبيعة هذا المجال.
وقد دفعني ذلك بالتالي إلى الإسراع في تأليف كتابٍ جديد عنه، وأن يتم نشره في دار نشرٍ عربيةٍ مرموقة. وعندما أطلَ شهر كانون الثاني(يناير) من عام 1982، أوشكتُ على إنجاز الكتاب بخط اليد، فتوجهت في أحد الأيام من جامعة اليرموك في مدينة إربد الأردنية، إلى وسط مدينة عمان، حيث كانت هناك معظم دور النشر، قبل ظهور الحديثة منها في أماكن جديدة وعديدة. ولكن طموحي كان أكبر من مجرد النشر في دار نشرٍ محلية، بعد نشر كتابي الأول في إحداها. وبينما كنت أتحدث مع أحد القائمين على دور النشر المحلية في مدينة عمان، وقع نظري على كتالوج لدار العلم للملايين في بيروت، فاستأذنته بالحصول عليه من أجل تصفح مجموعة الكتب التي أصدرتها الدار حتى تاريخه، فوافق على ذلك.
وما أن عدتُ الى المنزل في إربد، حتى بدأتُ بالتصفح الدقيق للمؤلفات الصادرة عن هذه الدار المشهورة، فجاءتني فكرة أن أبعث برسالةٍ خطية إلى مديرها آنذاك الأستاذ منير البعلبكي(رحمه الله) على العنوان المثبت في إحدى صفحات الكاتالوج، شرحتُ فيها رغبتي بنشر كتابٍ تربوي تخصصي حسب الأصول المرعية في الدار، بعد أن أسهبتُ بالحديث عن المحتويات وأهميتها. وبالفعل استلمتُ بعد بضعة أسابيع رسالةً ترحب بالفكرة، ولكن ضمن شروطٍ أهمها على الإطلاق، عرض الكتاب على بعض المحكمين المتخصصين، مع ضرورة الأخذ بآرائهم العلمية، فوافقتُ على الفور، وأرسلتُ الكتاب بالبريد الممتاز إلى بيروت. وبعد أربعين يوماً تقريباً استلمتُ رسالةً تفصيليةً توضح وجهات نظر إثنين من المتخصصين الذين أشادوا في بعض موضوعات الكتاب ولكنهم انتقدوا بعضها الآخر، مع طرح عددٍ من المقترحات القيمة، التي لم تعمل على إثراء الكتاب وتحسينه فقط، بل وأيضاً ساهمت في تضخم حجمه بفعل اقتراحهم إضافة موضوعات فرعية جديدة. وكنتُ وقتها على عجلةٍ من أمري بضرورة إجراء جميع التعديلات والإضافات وتسليمها لدار النشر، حتى يصدر الكتاب قبل شهر تشرين أول (أكتوبر) من عام 1982، الذي يمثل موعد التدريس في الجامعات العربية المختلفة.
ولكن كما يُقال: (أنتَ تريد، وأنا أُريد، والله يفعلُ ما يريد)، حيث حصل في صيف ذلك العام، اجتياح الجيش الصهيوني للأراضي اللبنانية لملاحقة المقاومين العرب، ووصلت تلك القوات إلى العاصمة بيروت، وتم التدخل في شؤون كل شيء تقريباً بما فيه دور النشر، التي توقفت عن إصدار كتبٍ جديدة بما فيها كتابي. ولكنه لم يصدر إلا بعد نحو عامٍ ونصف، وبالذات في أوائل عام 1984، وكان ولله الحمد من أكثر الكتب رواجاً عن الدراسات الاجتماعية لفترةٍ طويلة نسبياً من الزمن، وبشهادة الكثيرين من المتخصصين في هذا المجال في جامعات الوطن العربي المختلفة، حيث كان أول كتاب بالعربية يستخدم مصطلح الدراسات الاجتماعية، عوضاً عن المواد الاجتماعية. أما القوات العنصرية الغازية، فقد انسحبت بعدها بعدة شهور إلى ما وراء نهر الليطاني، حيث منطقة الجنوب اللبناني، التي بقيت تحتلها لثماني عشرة سنة، حتى أُجبرت على الرحيل منها بفعل نيران المقاومين عام 2000م.
وقد تابعتُ نشاطي البحثي الفردي والجماعي بشكلٍ مستمر، حتى وصل عدد البحوث المنشورة أو المقبولة للنشر في مجلات محكمة كالآتي: أربعة بحوث في المجلة العربية للعلوم الإنسانية الصادرة عن جامعة الكويت، وثلاثة بحوث في مجلة العلوم الاجتماعية الصادرة عن جامعة الكويت أيضاً، وبحثٌ واحدٌ في حولية كلية التربية بجامعة قطر، وبحثٌ آخر في مجلة دراسات تربوية بجامعة الملك سعود في الرياض، وبحثٌ واحد في مجلة البحث العلمي الصادرة عن جامعة الملك محمد الخامس المغربية، وبحثٌ واحدٌ في مجلة اتحاد الجامعات العربية، وبحثٌ آخر في مجلة رسالة الخليج العربي، وبحثٌ بالإنجليزية في مجلة Indiana Social Studies Quarterly، الصادرة عن جامعة Ball State University، بولاية إنديانا الأمريكية، وبحث آخر بالإنجليزية عن الحقيبة التعليمية في المجلة الأمريكية المسماة Resources In Education، وبمجموع أربعة عشرَ بحثاً وكتابين جامعيين، مما شجعني على التقدم للترقية إلى رتبة أستاذ مشارك قبل الموعد المحدد بثمانية شهور. وبعد غيابٍ للإنتاج العلمي بين أيدي المحكمين دام نحو ستة شهور، صدر قرار مجلس عمداء جامعة اليرموك بترقيتي إلى رتبة أستاذ مشارك اعتباراً من تاريخ 1/2/1985. وكانت هذه الترقية بالتالي أول ترقية من بين قائمة أعضاء هيئة التدريس من ذوي رتبة أستاذ مساعد في قسم التربية.
وكانت لهذه الترقية دفعةً معنوية سريعة وواضحة بالنسبة لي، ساهمت بالتالي في تقلدي منصب رئيس القسم بعدها بقليل، إضافةً إلى تشجيعي على إنتاج المزيد من البحوث والمؤلفات التي أوصلتني بتوفيق من الله عز وجل ودعمه، إلى جائزة عبد الحميد شومان للعلماء العرب الشبان عن ميدان العلوم الاجتماعية، وجائزة البحث العلمي من جامعة اليرموك التي أعمل فيها، وذلك خلال عام 1985.
وبقيت ممارساتي البحثية والتأليفية الأولية التي أدت إلى الترقية، تشبه مشعل الطاقة المحركة الذي عمل على تزويد الجسم والعقل معاً بانطلاقةٍ جديدةٍ وقويةٍ إلى فضاء الأبحاث والكتب المتنوعة الفردية والجماعية، ليس في مجال تخصصي الدقيق وهو تربية الدراسات الاجتماعية فحسب، وإنما تعداه إلى الميادين القريبة منه مثل علم النفس التربوي، وتكنولوجيا التعليم، والتربية الخاصة، والقياس والتقويم، والإدارة التربوية، بعد ربطها جميعاً بالتخصص الدقيق. والعبرة العلمية المستفادة من ذلك كله، أن هناك توجه تربوي جديد يؤمن بالبحوث التكاملية التي تربط بين ميادين المعرفة المختلفة Interdisciplinary Approach، ولا سيما المتقاربة منها، تنفيذاً لأحد المبادئ التربوية المهمة، والذي يتمشى تماماً مع السُنة النبوية الشريفة، ذلك المبدأ الذي يقول: (أن الإنسان كلٌ متكامل) أي أنه: (إذا أشتكى منه عضو تداعى إليه سائر الجسد بالسهر والحمى).

profjawdat@yahoo.com jawdatmassa@gmail.com
Website: http://www.jwdat.com


بواسطة : admin
 0  0  96
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 12:12 صباحًا الثلاثاء 24 أبريل 2018.