مرحباً بكم بموقع الدكتور عبدالله بن صالح المقبل. تم إنشاء هذا الموقع في عام 1996 حينما كنت ادرس مرحلة الدكتوراة بالولايات المتحدة الأمريكية.

  • ×

11:05 مساءً , الأربعاء 17 يناير 2018

الحلقة السابعة عشرة: ذكريات الرحلات الترفيهية في الولايات الأميركية

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
image

http://www.alrai.com/article/768173.html

صحيفة الرأي الأردنية (قسم الأبواب)

تاريخ النشر: الاحد: 14/2/2016- العدد: (16520)

الحلقة السابعة عشرة:

ذكريات الرحلات الترفيهية في الولايات الأميركية
image

بقلم: أ.د. جودت أحمد المساعيد

تبقى الأمورُ الترفيهية ضرورية جداً في حياة الإنسان، مهما تغيرت الظروف، أوتتابعت الأزمان، وذلك من أجل أن يجدد المرءُ نشاطهُ وحيويتهُ من جهة، وحتى يمارس حقه الطبيعي في الاستمتاع الحلال من جهةٍ ثانية، وبكل ما يُتاح له من فرص تذوق جمال الطبيعة، وعظمة ما شيده الإنسان من معالم حضاريةٍ قديمةٍ أو حديثةٍ يُشارُ إليها بالبنان. ورغم ما يتوفر في الولايات المتحدة الأمريكية من عشرات الآلاف من الأماكن والمناطق والمواقع التي تنشرحُ النفس لزيارتها والاستمتاع بجمالها الأخاذ، إلا أن الظروف أو العوامل المادية والعائلية والأكاديمية معاً، قد تحالفت بقوةٍ كي تحول دون تحقيق ذلك النسبة لوضعي، وتقصر تلك الزيارات على الأماكن القريبة في الغالب.

فبالنسبة للظروف المادية، كان الجزء الأول من نفقات الدراسة على حسابي الخاص، قبل أن أحصل على منحة جامعة اليرموك، مما لا يسمح لي بتنظيم رحلات ترفيهية هنا أوهناك، تكون بلا شك على حساب المدخرات المخصصة للحصول على شهادة الدكتوراة. أما عن الأسباب العائلية، فإن أي أسرة مؤلفة من ستة أفراد كأسرتي مثلاً، تتطلب مصاريف كبيرة لأي مشروع ترفيهي يتطلب التنقل بالطائرة أو حتى بالسيارة، وما يتبع ذلك من تكاليف المطاعم والفنادق وغيرها، مما يحول دون عملية التنفيذ، في حين ألقت العوامل الأكاديمية بظلالها الكثيفة للحؤول دون القيام بها، وذلك عندما قررتُ الحصولَ على ماجستير الجغرافيا من جامعة كانساس، إضافة إلى ماجستير التربية الذي حصلتُ عليه سابقاً من الجامعة الأردنية، مما جعل العبء الأكاديمي ثقيلاً لا يسمح في الغالب بالحِلِ والترحال من أجل الرفاه.

ومع ذلك، فقد جاءت الفرصة الذهبية الأولى من خلال رحلة البرنامج التدريبي الميداني في جبال الروكي، كأحد متطلبات برنامج ماجستير الجغرافيا، حيث أنه بالإضافةً إلى الفوائد الأكاديمية العميمة لتلك الرحلة، كما أوضحتُ في حلقة خاصة سابقاً، فإن لها كذلك مزايا ترفيهية كثيرة لا تُنسى، عن طريق مشاهدة مناطقَ وظواهرَ طبيعية تأخذ بالألباب لجمالها، ومدناً وقرىً متعددة فيها معالم مرموقة. ورغم كل ذلك، فقد كانت تلك المتعة الترفيهية فردية الطابع، دون مشاركة أفراد الأسرة، نظراً لطابعها الأكاديمي التدريبي.

أما الفرصة التي أصفها بالماسية الحقيقية، فقد حانت بعد أن ناقشتُ أطروحة الدكتوراة في الثالث من شهر نيسان(أبريل) من عام 1980،حيث أنه بعد قيامي بالتعديلات وتسليم النسخ المطلوبة، كان لا بد من الانتظار حتى الحادي والعشرين من شهر أيار(مايو) لحضور حفل التخرج واستلام الشهادة وتصديقها، والعودة في التاسع والعشرين منه إلى جامعة اليرموك الأردنية. لذا، فهناك نحو أربعين يوماً من الوقت الكافي للتخطيط الدقيق لاستغلالها على شكل رحلات عائلية بسيارة الشفرولية الطويلة Station Wagon، بعد تهيئتها بالفرش الإسفنجي من الخلف للأطفال، وذلك من أجل زيارة أصدقاء أردنيين وسعوديين، كانوا يزورونني في ولاية كانساس من مختلف الولايات الأمريكية من وقتٍ لآخر، ويطالبونني برد هذه الزيارات، وكنت أعتذر دوماً عن تحقيقها لأسبابٍ مختلفة، إلى أن جاء وقتها تماماً.

وكانت أولى هذه الزيارات إلى مدينة شيكاجو المليونية، حيث استقبلنا شاب أردني من الجيران السابقين لنا في ضواحي عمان، وهو المرحوم نبيل عويس، الذي أخلى الشقة تماماً وسلمنا المفتاح لمدة أسبوعٍ كاملٍ لأنه كان أعزباً، كي ينتقل للمبيت مع أصدقائهِ. ولم يقف عند هذا الحد، بل قام بعمل جدول زياراتٍ متعددةٍ بدأناها أولاً بالصعود إلى أعلى موقع يمكن أن يصله الزوار في تلك المدينة والمتمثل في ناطحة السحاب الأولى في العالم آنذاك المسمى (برج سيرزSears Tower). وما زلتُ أتذكر عندما دخلنا في ذلك المصعد الكهربائي الضخم، حيث صعد بقوةٍ مذهلة أدى إلى إغلاق أذاننا وشعورنا بالألم لشدة سرعتهِ، وذلك للوصول إلى الطابق (111).

وما أن تجولنا في شُرفة تلك الناطحة والدوران فيها من كل الاتجاهات، حتى رأينا كيف أن السحاب يلامسنا في أواخر فصل الربيع، وكيف أن السيارات في الشوارع تشبه النمل المتحرك، وكيف أن العمارات الأخرى تبدو كالأقزام بجانب هذا البرج العملاق، وكيف أن بحيرة متشجان تبدو أمامنا كلؤلؤة زرقاء بمياهها الساحرة. وقد تبع ذلك زيارة المتحف العلمي الضخم، حيث رأى الأطفال أموراً رائعة على الطبيعة، كان أهمها نموذج كبير لقلب الإنسان يدخلون فيه ليروا وظائفه المتنوعة ودقاته المتواصلة. كما كانت لنا جولات ممتعة في الحوض المائي الضخم للأسماك Aquarium، وهو الأكبر في العالم، تلتها رحلةً بحريةً في بحيرة متشجان ذاتها، وجولات متعددة في المدينة ومعالمها المتنوعة.

واتجهنا بعدها عبر ولاية إنديانا، لزيارة أحد الأصدقاء السعوديين من المدينة المنورة، والملتحق بجامعة ولاية متشجان في مدينة إيست لانسنج East Lancing، واسمه عدنان الشريف، وكان يدرس معنا سابقاً في جامعة كانساس، وتربطنا به علاقة عائلية طيبة للغاية، قبل أن ينتقل الى متشجان. وقد استقبلنا بحفاوة بالغة كعادة السعوديين الأكارم، حيث قمنا بالتجوال في مدينة ديترويت الصناعية الضخمة، والصعود إلى برجها المتحرك في الأعلى حيث الجلسة المطلة على الحدود الكندية مترامية الأطراف ذات الغابات الخضراء والورود زاهية الألوان، إضافةً إلى زيارة عدد من معالم المدينة والولاية.

وكانت الخطة التالية في قائمة الرحلات بعد ولاية متشجان، التوجه بالسيارة إلى أعجوبة من أعاجيب المناظر الطبيعية الخلابة في العالم، ألا وهي شلالات نياجارا Niagara Falls في مدينة بفالوBuffalo بولاية نيويورك، بعد أن عبرنا ولايتي أوهايو وبنسلفانيا، معتمدين على الخرائط التي كنا نأخذها من محطات الوقود وعليها التفصيلات الدقيقة لشبكات الطرق في كل ولاية نتوجه إليها، لا سيما وأن الأجهزة الإلكترونية الحديثة لتوجيه مسار السيارة Sailor ، لم تكن معروفة وقتها، مما جعلنا نقع كثيراً في متاهات الضياع في هذا الشارع أو ذاك، ولا سيما داخل المدن.

وبعد جهدٍ جهيد، وصلنا مدينة بافلو قبيل العاشرة صباحاً، وليس لدينا هذه المرة أي صديق نعرفه من قبل. وبينما نحن في السوق نبحث عن فندق مناسب وقريب من الشلالات، سمعتني سيدة أمريكية عجوز ذات أصول لبنانية، أتحدثُ مع زوجتي بالعربية فقالت أهلاً وسهلاً، فشد انتباهي صوتها، ودخلنا إلى متجرها الصغير لبيع الصور والتحف والهدايا عن الشلالات. وقمتُ بتقديم نفسي أولاً، ثم سألتها عن فندق ملائم، فاتصلت لنا في واحد منها، حيث ذهبنا لنرتاح عدة ساعات، بعد أن اتفقنا مع تلك السيدة بتسليمنا لأناسٍ تعرفهم لعمل جولة شيقة في منطقة الشلالات. واتجهنا عصراً نحو المفاجأة الكبرى، ولا سيما عندما وصلنا إلى ذلك المبنى الضخم، المشرف على ذاك الهدير الهائل من المياه الرقراقة، التي تنهال من فوق تلك الجروف المتعددة، والشاهقة الارتفاع، كي تظهر كالثلج الأبيض المتناثر هنا وهناك، مع وجود عشرات إن لم يكن مئات الألوف من السياح والزائرين على الجانبين الأمريكي والكندي، إذ يمثل نهر السنت لورنس الذي تعتبر شلالات نياجارا جزءاً لا يتجزأ منه، أحد الحدود التي تفصل البلدين عن بعضهما.

وكانت الرحلة النهرية من أسفل تلك العمارة الضخمة ذات المصاعد والمهابط العديدة، بواسطة القوارب التي تنقل الزوار إلى مساقط الشلالات، هي الرحلة الخرافة بكل معانيها الحقيقية. فما أن صعدنا إلى القارب حتى تسلمنا أغطيةً بلاستيكية خفيفة لحمايتنا من زخات الرذاذ المتساقط بكثافة، والصادرة من السقوط المخيف لكميات المياه اللامحدودة إلى أسفل النهر. وسرنا بهذا القارب رويداً رويداً مسافةً تقارب الكيلومترين، وكنا كلما نقترب من موقع سقوط الشلالات الهائلة، يزداد الرذاذ قوة، ويأخذ القارب بالتأرجح يمنةً ويسرةً، وإلى الأعلى وإلى الأدنى، بفعل ارتفاع موجات النهر بسبب ذلك السقوط المدوي. وكلما اقتربنا أكثر من ذاك الشلال المسمى بحذوة الحصانHorseshoe Falls على الجانب الكندي، ازداد صراخ أولئك المتكدسين في القارب، خوفاً على الحياة نتيجة الانقلاب في أتون دواماتٍ مائية رهيبة ليس مصيرها الموت غرقاً فحسب، بل والتمزق الجسدي قبل ذلك. وما أن يزداد الصراخ من الجميع تقريباً، حتى يُذعنَ الرُبان لمطلبهم، ويقفل عائداً من حيث أتى.

ولكن جولة الشلالات لم تتوقف عند هذا الحد، حيث القيام بالسير على الأقدام من شلال إلى آخر في الأراضي الأمريكية، حتي نصل إلى الإطلالة الخيالية على شلال حذوة الحصان على الضفة الكندية من النهر، آخذين الصور التذكارية التي لا تنسى. وبعدها ننتظر حتى حلول الظلام، كي تبدأ الأضواء الضخمة المثبتة على الجانب الكندي، والمسلطة مباشرةً على الشلالات في إطلاق أشعتها بجميع الألوان، كي تعطي هذه الشلالات منظراً ساحراً بكل ما تحمله الكلمة من معنى. وفي اليوم التالي كانت لنا رحلة في حافلة صغيرة مع زوار آخرين، للوصول إلى نقطة نهرية واسعة جداً يتحول النهر في الاتجاه المعاكس وفوقها تلفريك Telepherique ينقل الناس من الضفة الأمريكية للنهر الى الضفة الكندية منه والعودة ثانية، فوق مشاهد طبيعية تأخذ بالألباب، ليس لمناظر النهر المزمجر ودوامات مياهه المخيفة فحسب، بل وأيضا لتلك الأراضي التي لا تجد للون التربة الحمراء مجالاً إلا للزهور، أما اللون الأخضر فحدث ولا حرج، حيث الغابات والأعشاب، إضافة لبقية الألوان، حيث الورود والرياحين بأنواعها. وهنا، فإنني لا أقوم بعمل دعاية لهذه الدولة أو تلك، بل ربما تدفعتني خلفيتي الجغرافية بشقيها الطبيعي والبشري إلى وصف الأمور على حقيقتها، هذا ناهيك عن أن الكثيرين من القُراء ربما زاروها، أو شاهدوا مناظرها في القنوات الفضائية المختلفة، أو من خلال الشبكة العنكبوتية اللامحدودة في معلوماتها.

ومع ذلك، فإن الرحلات الترفيهية لم تتوقف عند هذه الزيارات التي وردت في هذه الحلقة، بل استمرت إلى مدنٍ وأماكن جديدة وفي ولايات أخرى عديدة، لا بد من سرد ذكرياتها الجميلة في حلقة أو ربما حلقات مديدة، حتى ننقلها من ذكريات العقل الذي يختزنها، والذي سينتهي عمله إن عاجلاً أم آجلاً، إلى ذكريات التاريخ الذي لا يتوقف لحظةً واحدة عن استقبال عاجلها وآجلها، لأنه في الواقع، لا يمثل سوى ذكريات الإنسان، على مر العصور والأزمان، ماضياً وحاضراً، وفي القادم من القرون والسنين والأيام. .

jawdatmassa@gmail.com profjawdat@yahoo.com



بواسطة : admin
 0  0  49