مرحباً بكم بموقع الدكتور عبدالله بن صالح المقبل. تم إنشاء هذا الموقع في عام 1996 حينما كنت ادرس مرحلة الدكتوراة بالولايات المتحدة الأمريكية.

  • ×

11:08 مساءً , الأربعاء 17 يناير 2018

الحلقة الخامسة عشرة: اجتياز الدكتوراة... مع دورٌ مشجعٌ لمشرفي وأستاذي

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
image
http://www.alrai.com/article/765043.html

صحيفة الرأي الأردنية (قسم الأبواب)

تاريخ النشر: الاحد: 31/1/2016- العدد: (16506)

الحلقة الخامسة عشرة:

اجتياز الدكتوراة... مع دورٌ مشجعٌ لمشرفي وأستاذي
image
بقلم: أ.د. جودت أحمد المساعيد

ما أن انتهيتُ من برنامج ماجستير الجغرافيا في كلية الآداب بجامعة كانساس Kansas University الأمريكية، وحصولي على شهادة الماجستير الثانية (حيث كانت الأولى في التربية من الجامعة الأردنية)، حتى عُدْتُ مسرعاً صوب كلية التربية ثانيةً، من أجل متابعة برنامج دكتوراة الفلسفة في التربيةPh.D. in Education ، تحت إشراف البروفيسور جون جنثر Guenther John، بعد أن قطعتُ مشواراً طويلاً في متطلبات ذلك البرنامج الإجبارية والاختيارية.

وكنتُ قبل ذلك أضعُ الأستاذ المشرف أولاً بأول بمسيرتي في برنامج ماجستير الجغرافيا، فما أن انتهيتُ منه حتى هنأني بحرارةٍ على هذا الإنجاز، الذي لم يتوقع مني إنهاءَهُ في أقل من سنة، طالباً مني محاولة إتمام المقررات التربوية المتبقية، استعداداً للامتحان الشامل التحريري والشفوي للدكتوراة.

وبالفعل، قمتُ بتسجيل آخر المقررات المطلوبة مني لبرنامج الدكتوراة، مع المرور من وقتٍ لآخر صوب مكتب الأستاذ المشرف، للاستفسار منه عن متطلبات الامتحان الشامل، لأخذ ذلك في الحسبان طيلة الفصل الدراسي، لتنظيم الأمور استعداداً لتقديمه.
ومن بين أبرز الملاحظات في دراستي للفصل الأخير من تلك المقررات، أنني سجلتُ مادتين منهما على شكل دراسة فردية Individual Study، حيث قمتُ بتأجيل اختيار هذا النوع من المقررات لآخر فصلٍ للمقررات المطلوبة لأهدافٍ أكاديميةٍ صرفة.
وكان تسجيلي للمادة الأولى مع المشرف البروفيسور جنثر Guenther، والثانية مع البروفيسور شيلدShield ، وهما من عمالقة التخصص الدقيق في ذلك الوقت، واللذان سيكونا بكل تأكيد من بين الأسماء الخمسة للجنة الامتحان الشامل من جهة، وللجنة مناقشة أطروحة الدكتوراة من جهةٍ ثانية. وهذا ما يجعل من توجيهاتهما وإرشاداتهما في هاتين المادتين أموراً جوهريةً ومهمة للغاية بالنسبة لي.

ومما أثار إعجابي الشديد بعد ذلك، التنسيق القوي بين الأستاذين الكبيرين معي في هاتين المادتين. فمن المعروف أن مادة (دراسة فردية) تمثلُ مادةً تتم فيها مقابلة واحدة أو أكثر أسبوعياً وطيلة الفصل الدراسي بين الطالب والأستاذ، تُثارُ فيها من جانب ذلك الأستاذ موضوعات تخصصية نظرية وبحثية دقيقة، مع طرح واجبات ومهمات عديدة ينبغي القيامُ بها من جانب الطالب. وهنا وجدتُ ذلك التنسيق الدقيق بينهما بكل معانيه. فما أن جاء اللقاء الأول مع البروفيسور جنثر Guenther ، حتى طلبَ مني مراجعة جميع الدراسات الميدانية والتجريبية التي تمّ نشرها في مجلتين محكمتين مشهورتين في التخصص الدقيق هما: (التربية الإجتماعية) Social Education، و(الدراسات الإجتماعية) The Social Studies في الأربعين عاماً الأخيرة (1950- 1979)، وعمل مشروع بحثي كبير، يوضح خصائص هذه الدراسات في كل عشر سنوات من تلك الفترة على حِدة، والتوجهات التربوية السائدة Educational Trends التي أكدت عليها تلك البحوث، وأثرها في تطوير مناهج الدراسات الإجتماعية وطرائق تدريسها، مع مقارنة الفترات الزمنية الأربع مع بعضها، موضحاً أوجه الشبه ونقاط الاختلاف بينهما.

ورغم ضخامة المشروع وكثرة المتاعب التي انبثقت عنه، نظراً لعدم وجود شبكة الإنترنت آنذاك، وما تطلب ذلك من الرجوع إلى الأعداد السابقة للمجلتين وقراءة محتوياتها، إلا أن الفائدة العلمية التي حصلتُ عليها لا تقدر بثمن. فقد اطلعتُ على بحوثٍ قيمة جداً كتبها جهابذة التخصص وقتها، مما ساعدني كثيراً على كتابة أطروحة الدكتوراة فيما بعد. هذا بالإضافةً إلى ما أفادني هذا كثيراً في الامتحان الشامل للدكتوراه بشقيه التحريري والشفوي.

ولم تكن مطالب البروفيسور شيلد Shield في المادة الثانية بأقل من مطالب زميله البروفيسور جنثر Guenther، إذ كلفني بالرجوع إلى مكتبة الجامعة الضخمة جداً، وإلى مكتبة كلية التربية أيضاً، لتحديد الكتب التربوية المتخصصة في الدراسات الاجتماعية خلال الأربعين عاماً الماضية، بحيث يتم تحديدها أولاً حسب تواريخ نشرها، واختيار العشرة الأهم منها في كل عقدٍ من العقود الأربعة، وذلك بالإتفاق مع أستاذ المادة، على أن يتم ذلك خلال أسبوع فقط. وبالفعل عُدتُ إليه بعد أسبوع ومعي قائمة بنحو تسعين كتاباً متخصصاً، كي يتم اختيار الأربعين الأكثر أهمية من وجهة نظره. وفي نهاية اللقاء فوجئتُ بالبروفيسور شيلد يقول: عليك يا جودت قراءة أربعة كتبٍ كل أسبوع ومراجعتي للمناقشة التفصيلية عن موضوعاتها، على أن يبدأ ذلك اعتباراً من الأسبوع القادم، بعد أن قام بتحديد الأربعة كتبٍ الأولى من بينها.

وعندما رجعتُ إلى البيت، كنتُ قلقاً للغاية، خاصة وأن مطالب المواد الثلاث الأخرى التي سجلتها كانت عديدة ومتنوعة، مما شجعني على تفعيل دور المكتب الدراسي الخاص بي في داخل المكتبة المركزيةCubicle ، والذي كان يوزع على طلبة الدكتوراة لحجز الكتب فيه، ومراجعة المقررات داخله طيلة اليوم وحتى منتصف الليل تماماً، مما ساعدني على القراءة الهادئة وكتابة المشاريع البحثية المطلوبة بكل فاعلية، لا سيما وأنه كان يوجد في البيت وقتها ثلاثة أطفال ذكور تتراوح أعمارهم بين (5–8) سنوات، وفي عز المنافسة الشديدة بينهم في النشاط والحيوية والشقاوة البريئة. ومع ذلك، حاولتُ تلبية تلك المطالب المتعددة للمواد بكل ما أوتيتُ من عزيمة، فقمتُ بقراءة الكتاب الأول صفحةً تلو أخرى، مع كتابة الملاحظات والملخصات هنا وهناك، إلى أن جاء موعد اللقاء مع أستاذ المادة ولم أقرأ سوى كتاباً ونصف فقط وبشق الأنفس.

وقبل أن يبدأ البروفيسور شيلد Shield بطرحِ أي سؤال حول الكتب الأربعة، أبديتُ له اعتذاري الشديد بأنني بذلتُ كل جهدٍ مستطاعٍ لقراءة الكتب الأربعة، ولكنني لم أتمكن، ثم عرضتُ عليه حالة الكتاب الأول ونصف الكتاب الثاني، وما عليهما من خطوط وملاحظات وملخصات، كي أجدهُ يغرقُ في ضحكةٍ هستيريةٍ لم أتوقعها منه، لأنه كان وقوراً جداً وفي أوائل السبعينيات من العمر. وما أن تمالك نفسه بعدها حتى قال: ومن طلبَ منك أن تفعل هذا، لأن ما فعلته، وكأنك تقرأ كتاباً مقرراً لمادةٍ دراسيةٍ، ويتطلب منك تقديمُ امتحانٍ تحريريٍ فيه، وأن كل ما هو مطلوب منك في حالة المراجعة، هو أخذ فكرة عن موضوعات الكتاب، عن طريق قراءة المقدمة العامة له بعمق، والمرور بعدها على محتوياتهِ، ثم القيام بتصفح فصوله بهدوء، قارئاً مقدمة كل فصل منها، والانتقال إلى العناوين الفرعية له، فإن كانت لديك فكرة سابقة عن هذه العناوين بحكم قراءاتك الكثيرة من قبل، فليس هناك من مبرر لقراءة المعلومات التابعة لها، بل تنتقل مباشرةً إلى غيرها، وهكذا دواليك، إلا أن تنتهي من هذا الفصل، مع التركيز على الملخص الموجود في نهايتهِ ،والقفز بعدها إلى غيره، حتى تنتهي من الكتاب. فسررتُ جداً من هذا التوجيه الأكاديمي الجديد والمفيد، وتعهدتُ له بإتمام المطلوب في المرات القادمة. عندها بدأنا بمناقشة موضوعات الكتاب الأول ونصف الثاني بكل أريحية. وأكملتُ في المرات التالية مراجعة بقية الأربعين كتاباً على مدى الفصل الدراسي كما تمَ التخطيط له.

وكم كانت فوائد هذه المادة جمّة، إذ أدت إلى زيادة رصيدي المعرفي بدرجةٍ كبيرة، إضافةً إلى ما كنتُ قد قرأته من قبل من كتبٍ عديدة في المواد المقررة السابقة، وذلك نتيجة الإلمام بالأفكار المطروحة في هذه الكتب من وجهات نظر متنوعة للكثير من عمالقة الدراسات الإجتماعية آنذاك. هذا ناهيك عن أهميتها في إنعاش الذاكرة بالمزيد من المعلومات التي تسهل من عملية النجاح في الامتحان الشامل، حيث ما أن انتهى ذلك الفصل، حتى تقدمتُ رسمياً لذلك الامتحان، الذي شعرتُ بميزة الاستعداد المسبق نظرياً وبحثياً. وأذكر أن الجزء التحريري لهذا الامتحان قد امتد على مدى يومي الثلاثاء والخميس، ولمدة ثماني ساعات يومياً، من الثامنة صباحاً وحتى الثانية عشرة ظهراً، ومن الواحدة بعد الظهر حتى الخامسة مساءً. وكم كان يمتد الوقت زيادة عن هذا وذاك، نظراً لعمق الأسئلة مفتوحة النهاية. وبعد إسبوعين، تم تحديد موعد الجزء الشفوي من الامتحان الشامل بلجنتهِ الخماسية، والذي امتد لأربع ساعات ونيف، ودار حول ما تمتْ كتابته من أفكار في أوراق الامتحان التحريري. وكان توفيق المولى عز وجل قد ساهم باجتيازي للامتحان بقسميه، وهو ما توجَ انتهاء مواد الدكتوراة ومطالبها العديدة، ولم يبقَ سوى كتابة الأطروحة، وهي ما سيتم إعطاؤها الاهتمام الذي تستحق في حلقةٍ منفردةٍ قادمة بإذن الله.


prof.almassaeed@gmail.com
profjawdat@yahoo.com



بواسطة : admin
 0  0  49