مرحباً بكم بموقع الدكتور عبدالله بن صالح المقبل. تم إنشاء هذا الموقع في عام 1996 حينما كنت ادرس مرحلة الدكتوراة بالولايات المتحدة الأمريكية.

  • ×

02:01 مساءً , السبت 20 يناير 2018

الحلقة (58) من ذكرياتي في التربية والتعليم العالي تحت عنوان: ذكريات الأسابيع الأولى للعمل بجامعة النجاح

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
image
http://alghad.com/articles/1792242
صحيفة الغد الأردنية

تاريخ النشر: الأربعاء: 23/8/2017

الحلقة (58) من ذكرياتي في التربية والتعليم العالي تحت عنوان:
ذكريات الأسابيع الأولى للعمل بجامعة النجاح
image

بقلم: أ.د. جودت احمد المساعيد
ما أن وطئت قدمايّ أرض جامعة النجاح الوطنية بمدينة نابلس الفلسطينية البطلة عام 1999م، والتي غالباً ما يقال عنها بعاصمة جبل النار، وبخاصةٍ بعد ترشيحي من جانب اتحاد الجامعات العربية للعمل فيها بهدف تطوير برامج كلية التربية على مستوى كلٍ من الدراسات الدنيا والدراسات العليا، حتى لاقيتُ كل الترحيب والدعم من جانب إدارة الجامعة الموقرة آنذاك، ممثلةً برئيسها أ.د. رامي الحمدالله، ونائب الرئيس أ.د. ماهر النتشة، ومساعد الرئيس د. علي الشكعة، وعميد كلية التربية د. غسان الحلو، وأعضاء هيئة التدريس كافة في الأقسام الأكاديمية الأربعة للكلية.
ومن الأدلة الواضحة على اهتمام إدارة الجامعة الموقرة بالتحاقي للعمل فيها، تجهيز شقة مؤثثة بالكامل للإقامة فيها وسط مدينة نابلس ذاتها، حتى تسهل عملية التنقل إلى الجامعة وغيرها من جهة، والحصول على مستلزمات الحياة اليومية بكل سهولةٍ ويسر من جهةٍ ثانية. كما قد ساعدني هذا الموقع السكني فيما بعد، على التعرف إلى الأحياء المختلفة لتلك المدينة الجميلة، وإمكانية الانتقال إلى القرى والبلدات التي تمَ فيها عقد الكثير من الدورات التدريبية الخاصة بالمعلمين والمديرين والمشرفين التربويين فيما بعد، وذلك على حساب الاتحاد الأوروبي ضمن برنامج (المدرسة وحدة تدريب).
وبالنسبة إلى الحياة الاجتماعية والاقتصادية والعمرانية في مدينة نابلس وقتها، فقد كانت في مُستوىً متقدمٍ بصورةٍ عامة، حيث الازدحام السكاني الواضح في تلك العمارات المرتفعة للغاية، والتي تتهادى على جانبي جبل عيبال وجبل جرزيم، اللذين تقوم عليهما تلك المدينة بالدرجة الأساس. وإضافةً إلى ذلك، فقد كنا نرى الأسواق المكتظة جداً بالرواد خلال ساعات النهار، ليس من قاطني المدينة ذاتها وما جاورها من بلداتٍ وقرىً فحسب، بل وأيضاً من مواطني عرب مناطق فلسطين المحتلة منذ عام 1948م، والذين كانوا يقصدون أسواقها بشكلٍ يومي، نظراً لتنوع البضائع المعروضة فيها، ورخص أسعارها، واشتهارها جداً بالحلويات ولا سيما الكنافة التي تُكنى باسمها، هذا ناهيك عن وجود مؤسسة السوق المالي الفلسطيني فيها، مما جعلها تسمى بالعاصمة الاقتصادية لدولة فلسطين.
وكم كان يبهج النفس كثيراً التجوال في تلك الأسواق بنوعيها: الحديث الذي بدأ يظهر هنا وهناك في مناطق المدينة ولا سيما الجديدة منها، أو الأسواق العتيقة ذات الطابع التقليدي التي تأخذ بالألباب لجمالها وروعة مبانيها القديمة، التي يتم فيها وضع معروضات كثيرة في تلك المساحاتٍ الصغيرة المتاحة، والتي تسمح للمتسوق برؤية أصنافٍ كثيرة من البضائع في وقتٍ واحد. وكم كان هذا النوع من الأسواق يشهد ازدحاماً كبيراً في الليل أو النهار، ويتيح الفرصة للشخص بلقاءِ أصدقاءَ كُثُر، يمكن أن تغنيه عن زياراتهم في منازلهم، خاصةً إذا تبعت عملية تبادل السلامات والتحيات، الجلوس على إحدى المقاهي الشعبية الجميلة، أو الدخول إلى أماكن تناول الكنافة النابلسية الشهية، والتي يتميز أهل نابلس بعادةٍ فريدة من نوعها تتمثل في وضعها وهي ساخنة داخل رغيف خبز من أحد الأفران أو المحلات القريبة، كي يتناولها على شكل ساندويش لذيذ الطعم للغاية.
أما بالنسبة لسير الأمور الأكاديمية في الأسابيع القليلة الأولى من التحاقي بجامعة النجاح، فما زلتُ أتذكر كيف أن عميد كلية التربية قد طلب مني تدريس عددٍ من مقررات الدراسات العليا التي اعتذر عنها الزملاء الآخرون، بعد توزيع العبء التدريسي على الجميع قبل حضوري للجامعة، والتي سأقوم بتدريس بعضها للمرة الأولى في حياتي الجامعية، مثل مقرر (التخطيط التربوي) ومقرر (تصميم التدريس). ورغم امتعاضي من تلك الخطوة في بداية الأمر، نظراً لأن ذلك سيأخذ مني وقتاً أطول من أجل تحضير المادة العلمية والبحث عن المراجع المطلوبة، إلا أن النتيجة النهائية كانت مفيدة جداً بالنسبة لي، إذ استطعتُ الإلمام الكافي بالمعارف والمهارات والاتجاهات المرغوب فيها لهذين المقررين المُهمين تربوياً، بعدما كنتُ أفتقد إلى الكثير منها قبل ذلك.
وكنتُ قد ركزتُ في تلك الفترة المبكرة من عملي في الكلية، على زيادة إلمامي بالأنظمة والقوانين والتعليمات الخاصة بالجامعة من ناحية، والتعرف أكثر إلى زملائي أعضاء هيئة التدريس في الأقسام الأكاديمية الأربعة، والتي كانت موجودة وقتها وهي: قسم أساليب التدريس، وقسم علم النفس التربوي، وقسم تربية الطفل، وقسم التربية الرياضية. كل ذلك حتى أستطيع التعامل بشكلٍ أفضل حاضراً ومستقبلاً مع الأشخاص أو الموضوعات. وكان مكتبي في تلك الفترة لا يكاد يخلو في ساعات الفراغ التدريسي، من وجود الزملاء من هذا القسم أو ذاك، وهم يطرحون الأسئلة التي تثير النقاش الطويل أحياناً حول إجراء بحث تربوي ميداني في هذا التخصص أو ذاك، مع إمكانية اختيار الموضوعات الدقيقة التي تصلح لأن تصبح عناوين مقترحة لتطبيق البحوث عليها بشكلٍ فردي أو جماعي.
وكان بعض الزملاء ينتقلون بالأحاديث العلمية المتنوعة إلى إمكانية تأليف كتبٍ تربوية تخصصية بشكلٍ جماعي، بالاستفادة من الخبرة السابقة التي كنتُ أملكها، بعد تأليفي لعددٍ منها خلال تدريسي في جامعة اليرموك وجامعة السلطان قابوس من قبل. وهذا ما أثمر بالفعل بعد سنتين، حين ظهر كتاب (التعلم النشط بين النظرية والتطبيق)، وكتاب (التعلم التعاوني: نظريات وتطبيقات ودراسات).
ومما زاد من الاهتمام بعملية التأليف للكتب الجامعية، أو من إجراء البحوث الميدانية، وجود برنامج الماجستير في إثنين من الأقسام الأكاديمية داخل كلية التربية وهما: قسم أساليب التدريس، وقسم علم النفس التربوي. إذ أن مناقشة مخططات رسائل ماجستير الطلبة قبل اعتمادها، يفيد الطلبة أنفسهم أولاً، كما يفيد أعضاء هيئة التدريس في هذين القسمين ثانياً، ويكشف في الوقت ذاته عن وجود بعض الطلبة المتميزين، الذين يمكن الاستعانة بهم مستقبلاً بعد تخرجهم، في إجراء بحوثٍ ميدانيةٍ جديدةٍ، تتناول قضايا أو مشكلاتٍ تربوية تواجه الكثير من المدارس أو المعاهد أو الجامعات داخل المجتمع الذي يُعاني من الاحتلال الصهيوني الغاشم. وهذا ما أصبح حقيقةً واقعةً بعد فترةٍ قصيرةٍ من الزمن، حيث تمّ تشكيل فريقٍ بحثيٍ برئاستي وعضوية ثلاثة من طلبة الماجستير المتميزين الخريجين من الجامعة.
كما تفاعلت فكرة زيادة الانتاج العلمي لأعضاء هيئة التدريس بتأليف الكتب أو إجراء البحوث أكثر من ذلك، عن طريق اقتراحي بعمل حلقة نقاش أو ندوة علمية لأعضاء هيئة التدريس، تعقدها لجنة الدراسات العليا في الكلية مرة على الأقل في الشهر الواحد، على أن يفكر كل زميل في موضوع أو أكثر، يصلح لأن يكون عنواناً لبحثٍ من البحوث، في الوقت الذي يعرض فيه أحد الزملاء دراسةً تربوية له كان قد نشرها في إحدى المجلات العلمية المُحَكَمة، وذلك من أجل الاستفادة من المشكلة البحثية التي اختارها، والأسئلة والفرضيات التي طرحها، والأدب التربوي الذي رجع إليه، والدراسات السابقة التي استعان بها، والتصميم البحثي الذي اعتمده، والعمليات الإحصائية التي قام بها، حتى يستفيد من كل ذلك الزملاء الآخرين عند محاولتهم كتابة بحوثٍ جديدة في المستقبل. وقد عَلِمَ أ.د. رئيس الجامعة بهذه المناشطِ المختلفة، فطلبَني لمقابلتهِ رسمياً، ليس لذلك السبب فحسب، بل لأنه أيضاً أبلغني منذ اللقاء الأول معه عندما وصلتُ الجامعة للمرة الأولى، بأنه يريد مني وضع تصورٍ مقترحٍ لتطوير كلية العلوم التربوية، وهذا ما ركز عليه في اللقاء الطويل نسبياً. ونظراً لأن ذلك الأمر له قصة أخرى طويلة، فإنه بحاجة إلى مقالةٍ منفردةٍ أخرى تروي جوانبها المختلفة.
وباختصار، فإن أي شخص يخطط للانتقال إلى بيئةٍ جديدةٍ أو عملٍ آخر، فإن عليه أن يبذل أقصى جهدهِ في الأسابيع الأولى من وصولهِ، لكي يبرز للآخرين أفضل ما لديه من إمكانيات أو قدرات أو مهارات أو اتجاهات، أو منها جميعاً. كل ذلك حتى يُعطي في نهاية المطاف، الانطباع الإيجابي الذي يطمح إليه، وينقله إلى كل من يتفاعل معه من زملاء. ذلك الانطباع الأولي، الذي إن كان ممتازاً في مستواه، حاز الفرد على ثقة الآخرين وشاعت سمعتهُ الطيبة بينهم، وإن كان سيئاً، فإنه يصعب عليه تغيير تلك السمعة أو ذلك الانطباع في وقتٍ قصير، وسيكلفه الكثير من الوقت والجهد والمال، لتغيير وجهة النظر التي يتمناها هو من الأشخاص الذين يعمل معهم في تلك الوظيفة المتماثلة، أو ذاك العمل المتقارب في خصائص العمل.
profjawdat@yahoo.com jawdatmassa@gmail.com
Website: http://www.jwdat.com

بواسطة : admin
 0  0  71