مرحباً بكم بموقع الدكتور عبدالله بن صالح المقبل. تم إنشاء هذا الموقع في عام 1996 حينما كنت ادرس مرحلة الدكتوراة بالولايات المتحدة الأمريكية.

  • ×

02:00 مساءً , السبت 20 يناير 2018

الحلقة السابعة والأربعون: ذكرياتُ زيارةِ أستاذٍ جَامِعي لِمَدينةِ صُورِ العُمَانية

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
image
http://alrai.com/article/1025036
صحيفة الرأي الأردنية (قسم الأبواب)

تاريخ النشر: الأحد: 13/11/2016- العدد: (16786)

الحلقة السابعة والأربعون:
ذكرياتُ زيارةِ أستاذٍ جَامِعي لِمَدينةِ صُورِ العُمَانية
image

بقلم: أ.د. جودت احمد المساعيد
تبقى الرغبة قوية بصورة عامة لدى أي استاذ جامعي، في التنقل والترحال ضمن المناطق الجديدة التي ينتقل اليها أو التي يعمل فيها للمرة الاولى، فما بالك إذا كان ذلك الاستاذ من المتخصصين في ميدان الجغرافيا بخاصة وفي مجال الدراسات الاجتماعية بعامة، حيث تكون الرغبة لديه في هذه الحالة مضاعفة على أقل تقدير.

وفي إحدى الزيارات الجماعية من جانب عددٍ من الطلبة الخريجين لقسم المناهج وطرق التدريس الذي كنت وقتها أقوم برئاسته، كان ثلاثة من بينهم قد دخلوا مكتبي في لحظة هدوء نسبي من صخب العمل، بقصد إلقاء التحية، وطلب الاستشارة في حل بعض المشكلات التربوية التي يواجهونها في واقع المدارس التي التحقوا بها كمعلمين جدد. وكان هؤلاء الثلاثة من عشيرة العريمي التي تقطن مدينة (صور) المطلة على نهاية خليج عُمان باتجاه بحر العرب. وبعد أن تمت مناقشة العديد من القضايا التربوية معهم، عملوا على تذكيري بالدعوات العديدة التي كانوا يوجهونها لي بهدف زيارة مدينة صور خلال دراستهم الجامعية، واعتذاري المتواصل عنها قائلين: الآن نحن في الميدان وليست هناك من المقررات الدراسية التي تجمعنا كي تجعلك تعتذر يا أستاذنا الفاضل، ونحن نوجه إليك دعوةً عائلية لزيارة مدينة صور.

ولما كانت عطلة ما بين الفصلين الدراسيين على الأبواب، فقد وجدتُ في العرضِ فرصةً ملائمة لزيارة الأماكن التي لم تتح لي زيارتها من قبل. فانطلقتُ وعائلتي فجراً بالسيارة باتجاه مدينة صور، كي نصلها قبيل العاشرة صباحاً. وما أن التقينا بالطلبة الأعزاء وعائلاتهم، حتى أخذنا قسطاً من الراحة، وتناولنا وجبة الفطور، ثم استقل ثلاثتهم سيارة بيضاء، وطلبوا مني أن أتبعهم وعائلتي في جولةٍ شاملة في أحياء تلك المدينة. وبعد فترةٍ من التجوال، توقفت سيارتهم أمام أحد المباني، الذي تبين أنه المتحف البحري، كي نترجل جميعاً من السيارات وننطلق لمشاهدة محتوياته. وقد شاهدنا أنواع السفن العمانية بالصور والمجسمات، والأدوات المستخدمة في صناعتها ، والإشارات الضوئية الليلية، وأدواتِ الملاحة البحرية، والخرائط، وصور لمعالم المدينة وغيرها.

وبعد زيارة المتحف، أبلغنا المضيفون بأن هناك جولة بعد العصر نحو اللسان البحري الذي ترسو فيه قوارب الصيد العُمانية الضخمة. وبالفعل ذهبنا هناك، كي نجد أعداداً كبيرة منها، إذ صعدنا إلى إحداها مع بعض العائلات الأخرى، حتى انطلق بعدها في خليج عُمان، وأخذ يبتعد عن الشاطئ رويداً رويداً. ونظراً لأن التوقيت كان في شهر شباط (فبراير)، فقد كانت الأمواج متلاطمة لدرجة أن القارب رغم ارتفاعة لعدة طبقات إلا أن المياه كانت تصل إلينا، هذا ناهيك عن ميل القارب بقوةٍ نحو اليمين تارةً ونحو اليسار تارةً أخرى، بشكلٍ يثير الخوف لمن لم يمروا بخبرةٍ في ركوب البحار ذات الأمواج العالية، مما دفع الكثير من الأطفال وبعض النساء إلى البكاء والطلب بالعودة إلى الشاطئ. وبالفعل عُدنا إلى اللسان البحري بعد غروب الشمس، كي نتفق مع المضيفين، إلى أنه بعد صلاة فجر اليوم التالي، هناك زيارة لسوق السمك في المدينة.

وما أن انتهينا من صلاة الفجر، حتى توجهنا نحو السوق، الذي وجدناه يعُجُ بالنشاط والحيوية بشكلٍ لا يكاد يُصَدق. فها هي القوارب الكبيرة تُفرغ حمولتها بمختلف أنواع الأسماك وعلى رأسها أسماك التونة الضخمة، بالإضافة إلى أنواع أخرى عديدة مثل الهامور والكنعد والقرش والأخطبوط وغيرها. وكم كنا نرى الباعة هنا وهناك، وهم يصرخون كي يدللوا على بضاعتهم عن طريق المزاد العلني، وترى في الوقت نفسه المشترين وهم يتنقلون من بائعٍ لآخر لتفحص الأسماك والاشتراك في المزاد. وما أن يشتري الزبون ما يريد، حتى ينطلق إلى مجموعة من الرجال المتخصصين في عملية التنظيف، في الوقت الذي تقف فيه سيارات التبريد قريبة، كي يتم تعبئتها بكمياتٍ كبيرة من فائض الإنتاج، للتوجه به إلى دولة الإمارات والسعودية والأردن.

وقبيل الانتهاء من توديع سوق السمك، أبلغني المضيفون بأنه قد تمت عملية ترتيب زيارة منطقة رأس الحد، اعتباراً من الغد، على أن نقضي الليلة بطولها مع نصف اليوم التالي هناك، وبشرط الذهاب إليها بسيارات الدفع الرباعي القوية، لأن السير سيكون عبر منطقة صحراوية خاليةً من الطرق المعبدة. وفي الوقت المحدد، قام المضيفون الثلاثة بقيادة ثلاث سيارات جيب تويوتا لهم ولعائلاتهم، في الوقت الذي أعطوني فيه سيارةً مماثلة لي ولعائلتي. وانطلقنا قبيل الغروب تماماً، وكان علينا السير لمسافةٍ طويلةٍ نسبياً حول ذلك اللسان البحري، من أجل الانتقال إلى الضفة الجنوبية له، تمهيداً للسير نحو منطقة رأس الحد.

وبينما نحن ننجز عملية الالتفاف حول اللسان البحري، زاد الظلام وأصبحت السياقة صعبة في المناطق الرملية. وما هي إلا لحظات حتى غرزت إحدى السيارات في أحد الأودية الصغيرة، فتوقفنا جميعاً لحل هذه المشكلة. وبينما نحن نحاول مجتمعين نزع السيارة من مكانها، إذا ببخار الماء يتصاعد من مقدمة السيارة الأخرى، حيث تبين أن درجة حرارة السيارة قد بلغت ذروتها، مع خلو خزان الماء منه تماماً. وكانت معنا كمية محدودة من المياه، مما دفعنا إلى البحث عن حل آخر، فإذا بضوءٍ خافت يلمع من بعيد، يشير إلى وجود بيتٍ، مما زاد من أملنا في تجاوز هذه الصعوبة الجديدة، فاتجهنا بالسيارة الثالثة نحو المنزل، حيث رحب بنا قاطنوهُ وزودوننا بالماء الكافي.

ولكن ما أن تركنا ذلك الوادي، حتى انطلقنا بسرعةٍ فائقة في تلك البراري الخالية من أجل قطع مسافة تقارب الخمسين كيلومتراً، حيث وصلنا الهدف قبيل التاسعة والنصف مساءاً، لنرى سحر الرمال الشاطئية الناعمة ونطرح الفراش هنا وهناك على مقربة منها، تاركين مسافة كافية بيننا وبين تلك الرمال، وذلك حتى نفسح المجال للسلاحف للقيام بمهامها الموروثة عليها لوضع البيوض. وقد تسامر الرجال معاً في جهة، والنساء والأطفال في جهةٍ ثانية، حتى ساعةٍ متأخرة من الليل، لنعطي أجسادنا المتعبة بعدها قسطاً من النوم بعد رحلة العناء، وبعد تناول وجبة ليلية خفيفة نسبياً.

وفي الصباح المشرق، شاهدنا ما يشبه العَجَبَ العُجَاب، حيث الطيور في السماء تحلق بكثرة والتي انتهزت فرصة قدوم السلاحف الخضراء ليلاً إلى الرمال الناعمة كي تدفن بيوضها، ثم تعود ثانيةً إلى عرض البحر، كي تنقض تلك الطيور على تلك البيوض لتأكل معظمها، وما حالفه الحظ منها للبقاء دون افتراس، تخرج منه صغار تلك السلاحف، التي يتعرض بعضها للخطف من تلك الطيور، وما له فرصةً للنجاه يغوص في أعماق البحر، كي يعود بعد فترة لوضع البيوض في ذات المكان.

وما أن تناولنا طعام الفطور في ذلك الجو الجميل والهواء المنعش، حتى انطلق الأطفال فرحين يقفز بعضهم في الماء، وبعضهم الآخر يبني بيوتاً وأشكالاً مختلفة في الرمال، في حين انصرف الرجال مع الأبناء الكبار للبدء بمباريات كرة القدم المسلية لفترة ليست بالقصيرة، في حين قامت النسوة بالتجوال هنا وهناك من أجل الاستمتاع بمناظر الطبيعة الخلابة. وبقي الجميع في قمة الفرح والسعادة، حتى قبيل آذان العصر، إذ تناولنا طعام الغداء، وبدأنا بتجميع حاجياتنا، ونحن في كينونتنا الداخلية لا نرغب في مغادرة ذلك المكان الذي استحوذ على القلوب قبل العقول، ولكن نظراً لوجود ارتباطاتٍ سابقة لدى الجميع، فقد كان لا بد من الرحيل قبيل المساء، متجهين صوب مدينة صور من جديد، كي نقول ونوثق القول بالكتابة، بأننا زرنا أول بقعة تشرق عليها الشمس في الوطن العربي، وتعشعش في رمالها الذهبية نحو عشرين ألف سلحفاة على شاطئٍ رملي ساحرٍ طوله إثنين وأربعين كيلو متراً، ألا وهي منطقة رأس الحد، الذي يحد بحر العرب عن خليج عُمان.
jawdatmassa@gmail.com profjawdat@yahoo.com

بواسطة : admin
 0  0  41