مرحباً بكم بموقع الدكتور عبدالله بن صالح المقبل. تم إنشاء هذا الموقع في عام 1996 حينما كنت ادرس مرحلة الدكتوراة بالولايات المتحدة الأمريكية.

  • ×

12:49 مساءً , الجمعة 19 يناير 2018

الحلقة الثالثة والأربعون: ذكريات معارض تكنولوجيا التعليم بجامعة السلطان قابوس

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
image
http://alrai.com/article/1016933
صحيفة الرأي الأردنية (قسم الأبواب)

تاريخ النشر: الأحد: 16/10/2016- العدد: (16758)

الحلقة الثالثة والأربعون:
ذكريات معارض تكنولوجيا التعليم بجامعة السلطان قابوس
image

بقلم: أ.د. جودت أحمد المساعيد
تعتبرعملية إقامة معارض تكنولوجيا التعليم أو ما تسمى أحياناً بالوسائل التعليمية، من بين المعايير المهمة للحكم على مدى نجاح أو فاعلية أي كلية تربية في العالم بصورةٍ عامة، وعلى مدى تميز قسم المناهج وطرق التدريس فيها على وجه الخصوص. فالطلبة الذين يلتحقون ببرنامج التربية الإبتدائية أو برنامج معلم الصف، أو برنامج بكالوريوس التربية، لا بد لهم من التسجيل في عددٍ من المقررات الدراسية حول تكنولوجيا التعليم، وإنتاج الوسائل التعليمية بمختلف أنواعها، واجتياز هذه المقررات بنجاح. وهذا يتطلب وجود معمل بهذا الخصوص داخل قسم المناهج وطرق التدريس.
ويتم إنتاج هذه الوسائل التعليمية في العادة، من جانب الطلبة أنفسهم، وذلك تحت الإشراف الدقيق من جانب عدة أشخاص يأتي على رأسهم فني الوسائل التعليمية بالمعمل، ومشرف التربية العملية بالقسم، وأستاذ مادة تكنولوجيا التعليم، وأحياناً أستاذ مادة التربية العملية، وبخاصةٍ إذا كانت الوسيلة التعليمية التي سيتم إنتاجها مخططٌ لها أن تستخدم في معمل التدريس المصغر، أو في مدارس التدريب الميداني.
ونظراً لكثرة الطلبة الذين يسجلون في مادة إنتاج الوسائل التعليمية، ومعهم الزملاء الآخرين الملتحقين بمادة أساليب التدريس الأولى، التي يجب أن يلقي كل طالب خلالها دروساً تخصصية عديدة في معمل التدريس المصغر، وكذلك الطلبة المسجلين في مادة التربية العملية، حيث التدريس في مدارس التدريب الميداني، فإن جميعهم ينتجون مئات الوسائل التعليمية في كل فصلٍ دراسي، مما يجعل منها جميعاً مادةً دسمةً ومشجعة لإقامة معارض طلابية لتكنولوجيا التعليم.
وكانت عملية إقامة أي معرض للوسائل التعليمية في قسم المناهج وطرق التدريس بجامعة السلطان قابوس، تمرُ في العادة بعدة مراحل رسمية وعملياتية مختلفة، حيث تبدأ في الغالب بمناقشة مطولة لفكرة إقامة المعرض خلال أحد اجتماعات مجلس القسم، وذلك من أجل الاتفاق على تحديد الموعد المناسب لإقامة ذلك المعرض، مع بيان الإجراءات اللازمة داخل القسم والكلية وخارجهما، كي يتم التأكد من ضمان نجاح هذه الفعالية، وإبلاغ عميد كلية التربية بذلك رسمياً من أجل المباشرة بالخطوات الفعلية التالية، بعد الحصول على موافقة إدارة الجامعة. وتتمثل الخطوة التالية في تكليف مشرفي التربية العملية داخل القسم من التخصصات التربوية العشرة، بعقد الاجتماعات المتواصلة مع الطلبة كلٌ في مجال اختصاصه، وذلك من أجل اختيار أفضل الوسائل التعليمية التي تصلح للعرض أمام طلبة الجامعة وأساتذتها أولاً، ثم أمام طلبة المدارس ومعلميها ومديريها ثانياً، ومن بعد ذلك أمام جمهور المجتمع المحلي ثالثاً وأخيراً.
ومن بين أفضل معارض الوسائل التعليمية العديدة التي ما زلت أتذكرها، والتي أقيمت في تلك الجامعة، كان ذلك المعرض الضخم الذي أقيم في شتاء عام 1996، وحشدَ له قسم المناهج وطرق التدريس وبدعمٍ من عمادة كلية التربية، الطاقات والإمكانيات المادية والبشرية الكافية، بعد أن وافقت إدارة الجامعة من حيث المبدأ، على السماح للقسم باستخدام قاعتين واسعتين في طابقين بإحدى أبنية الجامعة المعروفة. ومع ذلك، فقد بقي أمرٌ مهم للغاية لاستكمال إجراءات الاستعداد لافتتاح ذلك المعرض، والذي يتمثل في اختيار الشخصية الاعتبارية التي ستفتتح ذلك المعرض. وكنتُ بصفتي رئيساً لقسم المناهج وطرق التدريس، قد اقترحتُ على عميد كلية التربية أن يكون الافتتاح تحت رعاية معالي السيد سعود بن إبراهيم البوسعيدي، وزير التربية والتعليم آنذاك، نظراً لطبيعة المعرض التربوية، وبسبب الدور الذي لعبتهُ مدارس التدريب الميداني التابعة لوزارة التربية والتعليم العُمانية، والتي تعاونت بشكلٍ وثيقٍ للغاية مع قسم المناهج، لا سيما بعد أن وافقت على السماح للطلبة بالتدريب على عملية التدريس فيها واستخدام تلك الوسائل التعليمية.
ومع ذلك، فقد توقفت عملية تنظيم المعرض، لحين الحصول على موافقة معالي راعي الحفل على الوقت المناسب له، نظراً لارتباطاته الكثيرة. ومن بين الذكريات التي لا تُنسى والتي لم تكن متوقعة في ضيق الوقت المخصص لها، هو أن هاتف مكتبي في قسم المناهج وطرق التدريس قد بدأ يقرع، وإذا بسعادة أمين عام الجامعة الشيخ حماد بن حمد الغافري، يخبرني ظهر أحد أيام الخميس بأن معالي وزير التربية والتعليم قد وافق على افتتاح المعرض في تمام الساعة العاشرة من صباح يوم السبت التالي، أي بعد (36) ساعة، مما أحدث صدمةً لي نظراً لضيق الوقت، رغم أنني قد كنتُ مسروراً لموافقة معالية على التشريف بافتتاح المعرض.
وعلى الفور دعوتُ لاجتماعٍ طارئ لمجلس القسم الذي كان يبلغ عدد أعضائه حينها (45) عضو هيئة تدريس، ومن جميع الرُتبِ الأكاديمية، وأبلغتهم بالأمر المستعجل، والذي يتطلب بذل أقصى الجهود من الجميع في الفترة القصيرة جداً المتبقية، حتى ينجح المعرض حسب المأمول. وكم تعاون الزملاء والزميلات بعد أن تفهموا الأمر، لدرجة أن عدداً لا يُستهان منهم قد ألغى زيارة عائلية كانت مخططة لهم في الأصل متجهةً إلى ولاية أو منطقةٍ بعيدة، كي يلغونها من أجل الوقوف مع زملائهم الآخرين. كما تم إبلاغ عدد من الطلبة النشطين بضرورة القدوم عصر الخميس، والاستعداد للبقاء حتى وقتٍ متأخر من مساء ذلك اليوم، إضافةً الى الحضور طيلة يوم الجمعة، من أجل تنظيم المعرض.
وكم أتذكر تلك الليلة بطولها حتى قبيل الفجر، والقاعتان تعجان بنحو مئة فردٍ من الطلبة وأعضاء هيئة التدريس، والكل منتظم ضمن مجموعاتٍ تخصصيةٍ، مثل مجموعة التربية الإسلامية، وأخرى للغة العربية، وثالثة للغة الإنجليزية، ورابعة للعلوم، وخامسة للرياضيات، وسادسة للدراسات الاجتماعية، وسابعة للفلسفة، وثامنة للتربية الرياضية، وتاسعة للتربية الفنية، وعاشرة للتربية الأسرية.
ومما كان يدفعنا إلى العمل أكثر وأكثر، التواصل المستمر من إدارة الجامعة وتشجيعنا على إنهاء المهمة على أكمل وجه. ونظرأً لضخامة العمل وعدم استطاعتنا إكماله ليلة الجمعة، فقد اتفقنا على الحضور طيلة يوم الجمعة. ومما فاجأنا في تلك الفترة، زيارة أمين عام الجامعة الشيخ حماد الغافري بعد ظهر يوم الجمعة كي يرى بنفسه ما تمَ إنجازه، وتشجيعه لنا بقوة على الاستمرار في هذه الهمة العالية، من أجل قص شريط الافتتاح في صباح اليوم التالي، وهو الذي أوعز إلى مقصف الجامعة لتوفير الوجبات الكاملة للمشتركين في تنظيم المعرض طيلة يومي الخميس والجمعة. وما أن أشرفَ الوقت على الساعة الحادية عشرة من مساء يوم الجمعة، حتى اصبحت جميع أجنحة المعرض العشرة جاهزة تماماً من حيث التنظيم والترتيب، مع توزيع أربعة من الطلبة المتطوعين للوقوف أمام كل جناح من أجل الشرح والتوضيح للزوار بشكل متناوب طيلة أيام المعرض.
وما أن جاء وقت الثامنة من صباح يوم السبت حيث الافتتاح الرسمي، حتى كان جميع أعضاء هيئة التدريس في قسم المناهج ومعهم الطلبة المتطوعين في القاعات المخصصة للمعرض، يقومون بالرتوش النهائية على أجنحتهم التخصصية قبيل ساعة الصفر المحددة لهذه الفعالية. وما أن اقتربت الساعة من العاشرة والنصف صباحاً، حتى أقبل راعي الحفل معالي السيد سعود بن إبراهيم البوسعيدي وزير التربية والتعليم، يرافقة معالي يحيى بن محفوظ المنذري، وزير التعليم العالي ورئيس جامعة السلطان قابوس آنذاك. وهنا تقدم طفلان بباقةٍ من الورود إلى راعي الحفل، أعقبها قص الشريط من جانبه إيذاناً بافتتاح هذه الفعالية التربوية المهمة.
وقد تجول راعي الحفل ومعه لفيف من الضيوف من داخل الجامعة وخارجها، والدهشة ماثلة على محيّاهم جميعاً، مما رأوه من وسائل تعليمية دقيقة، قام بإنتاجها طلبة قسم المناهج وطرق التدريس بكلية التربية. وكم كنت أُلاحظُ وقوف راعي الحفل والضيوف لوقت غير قصير أمام كل جناحٍ، مع طرح أسئلة متنوعة على الطلبة، من أجل التأكد من فهمهم لما يصنعون من وسائل تعليمية، مبدياً هو ومن معه العديد من الملاحظات القيمة.
والغريب أن الوقت الذي كان مخصصاً للافتتاح وهو ما بين (30-40) دقيقة، قد امتد إلى ساعةٍ ونصف، مما يدل على شدة اهتمام الضيف بالمعروضات، خاصةً وأن مديري الدوائر الكبرى في وزارة التربية والتعليم كانوا يرافقونه، مما زاد من فترة الاستمتاع وطرح الاستفسارات الكثيرة. وكلما أبدى الضيوف إعجاباً بالوسائل التعليمية، كنتُ أؤكد للجميع بأن تعليمات معالي رئيس الجامعة تطالب بضرورة توزيع تلك الوسائل بعد انتهاء المعرض على المدارس الحكومية التي تعاونت مع القسم لتدريب الطلبة على التدريس فيها ضمن برنامج التربية العملية. وكان اختتام المعرض قد تمّ بعد مرور الضيوف على جناح الإنتاج العلمي لأعضاء هيئة التدريس بقسم المناهج من كُتبٍ وأبحاثٍ منشورة في مجلاتٍ علميةٍ عربيةٍ وأجنبيىةٍ مُحَكَمةٍ ومعروفة.
كما أبدى كلٌ من راعي الحفل وبعض الضيوف المرافقين له، بوجهة نظرهم لوسائل الإعلام العُمانية المسموعة والمقروءة والمرئية عن هذا المعرض الكبير، حيث أظهروا مدى إعجابهم الشديد بهذه الفعالية التربوية الهادفة، مع المطالبة بتكرارها من ناحية، وفتح المجال أمام المدارس من مديرين ومعلمين وطلبة كي يزوروا المعرض ومشاهدة إبداعات طلبة قسم المناهج وطرق التدريس في كلية التربية بالجامعة من جهةٍ أخرى، حتى تزداد روابط التعاون بين الطرفين في مجالات عدة.
باختصار، تبقى معارض الوسائل التعليمية في كليات التربية داخل الجامعات العربية المختلفة، تعكس مدى تطبيق المواد النظرية المتعددة بالاستعانة بالوسائل التعليمية، إضافة إلى الحكم على مدى نجاح تلك الكليات بصورةٍ عامة، وأقسام المناهج وطرق التدريس فيها على وجه الخصوص، في تحقيق الأهداف التربوية المنشودة، التي تمت صياغتها بدقةٍ من قبل على يد كوكبةٍ من التربويين من ذوي الخبرة الطويلة.
profjawdat@yahoo.com prof.almassaeed@gmail.com
Website: http://www.jwdat.com

بواسطة : admin
 0  0  34