مرحباً بكم بموقع الدكتور عبدالله بن صالح المقبل. تم إنشاء هذا الموقع في عام 1996 حينما كنت ادرس مرحلة الدكتوراة بالولايات المتحدة الأمريكية.

  • ×

02:02 مساءً , السبت 20 يناير 2018

الحلقة التاسعة عشرة: قصص عن إيجابية الحياة الأميركية

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
image
http://www.alrai.com/article/771186.html
صحيفة الرأي الأردنية (قسم الأبواب)

تاريخ النشر: الاحد: 28/2/2016- العدد: (16534)
الحلقة التاسعة عشرة:

قصص عن إيجابية الحياة الأميركية

image

أ.د. جودت أحمد المساعيد

لا تخلو أيُ حياةٍ يحياها الإنسان من مباهجِ حُلوها ومآسي مُرِها، فما بالكَ إذا كانت هذه الحياة تشمل مجاميع حلاوات أيام الأفراد ومراراتهم في وقتٍ واحد. وهذا ما يمكن أن يطلق عليه أحياناً بالإيجابيات والسلبيات للحياة بين أفراد شعبٍ من الشعوب أو أمةٍ من الأمم. ونظراً لأنني عشتُ ما يقارب الأربع سنوات بين أفراد الشعب الأمريكي في مهمةٍ أكاديميةٍ للحصول على درجتي الماجستير والدكتوراة، إلا أنني ما زلت أتذكر العديد من الإيجابيات ومثلها من السلبيات، التي إن أوردتها هنا للقارئ الكريم فلا يعني أنها ايجابية بالمطلق، أو سلبيةً بالتأكيد، لأنها تحمل في طيّاتها نسبةً لا بأس بها من الحكم الشخصي، الذي ينطلق في الأصل من مبادئ وقيمٍ دينيةٍ واجتماعيةٍ وأخلاقيةٍ وعلمية أؤمن بها .
وتتمثل أولى هذه الإيجابيات في تقدير مطالب المهنة من جانب الأمريكيين، وإعطائها حقها من الجهد والالتزام والمسؤولية، سواءٌ في القطاع العام أو الخاص. فمثلاً، يستمر دوام العمل في المؤسسات والوزارات والشركات الأمريكية في الغالب من الثامنة صباحاً وحتى الخامسة قبيل المساء، مع وقتٍ محدود للراحة وتناول الوجبات الخفيفة. ولكن ما كان يدهشني أنك لو ذهبت لمراجعة أي موظف في تمام الساعة الخامسة إلا عشر دقائق قبيل انتهاء الدوام، لوجدته على رأس عمله، ويلبي طلبك أو يجيب عن أسئلتكَ دون امتعاظ أو محاولة التأجيل لليوم التالي. وكم لاحظتُ وللأسف الشديد عكس ذلك في العديد من الأقطار العربية التي عشتُ فيها أستاذاً جامعياً. كما أن مكان العمل ووقتهِ يظل للمهنة فقط، فلا وقت للمجاملات أوالضيافات، ولا مكان لارتشاف الأشربة الساخنة أو الباردة، ولا يجوز تبادل أطراف الأحاديث الشخصية لأوقات قد تقصر أو تطول، لأن الجميع يعلم أن المساءَلة أو المحاسبة Accountability هي واجبٌ أو مبدأ أخلاقي ينطبق في المقام الأول على رئيس العمل قبل انطباقه على المرؤوسين.
ومن النقاط الإيجابية الأخرى للحياة في أمريكا، تشجيع الاستثمارات بأنواعها لصالح الفرد والجماعة والدولة معاً. وللدلالة على قوة هذه النقطة وأهميتها، أسرد عليكم هذه القصة الحقيقية التي حدثت معي بالفعل. فبينما كنتُ جالساً على كرسي الحلاقة في مكان قريب نسبياً من جامعة كانساس Kansas التي كنتُ أدرس فيها، وعندما بدأ الحلاق باستخدام المقص بمهارةٍ عالية، بادر بالدردشة اللطيفة معي، كعادة معظم الحلاقين حول العالم، في تبادل أطراف الحديث مع زبائنهم بغرض التسلية والفضول معاً. وبعد استفسارهِ عن جنسيتي ومهنتي وبعض الأمور الأخرى، طرح سؤالاً ظننتُ أنه يمتحنني لسببٍ ما، إذ قال: (ما الأمور التي تعجبكَ في الحياة الأمريكية؟). وعندما ذكرتُ له عدداً منها، ضحكَ معلقاً: يبدو أنك قد أهملتَ أكثرها قوةً وأهميةً، فقلتُ وما هي؟ فقال: تستطيع أن تصبح مليونيراً في وقتٍ قصيرٍ نسبياً، إذا ما استخدمتَ عقلكَ بفاعليةٍ، وقمتَ باستغلال أنظمة وقوانين تشجيع الاستثمار بذكاءٍ مناسب ودرايةٍ عالية. ثم أردف قائلاً وهو يعرفُ أننا لوحدنا: أنا حالياً رجل مليونير، أمتلك معرض بيع الأثاث المنزلي المجاور لهذا الصالون، ولي ستة محلات أخرى مماثلةُ في هذه المدينة وبعض البلدات الأخرى. وقد صُعقتُ من كلامهِ طالباً منه وقف عملية قص الشعر لبرهةٍ من الوقت، ونزلتُ من على كرسي الحلاقة محملقاً به ومتحدثاً بصوتٍ مرتفعٍ قليلاً مع استغرابٍ شديدٍ مما سمعت، كي أُعقب بقولي: وما الذي يجعلك في هذه المهنة المتعبة لتحصد ثلاثة دولارات على رأس الفرد (كما كان سائداً آنذاك)، فزاد في قهقهتهِ، وببرودِ أعصابٍ غير معهودة رد قائلاً: أنا فقط أتسلى في هوايةٍ أعشقها منذ زمن. فقلتُ في نفسي: أي شخص أنت يا من تترك محلاتك يديرها الآخرون كي تكسب دراهم معدودة، ولكنها سُنة الله في خلقه، كي يجعلني أرى وأسمع العجب العُجاب من القصص والروايات.
وفي ضوء الصدمة من قصة هذا الرجل نسيتُ للحظةٍ من الوقت أن أسأله عن كيفية استغلاله للقوانين كي يصبح مليونيراً، فبادرني هو بطريقةٍ جدلية يبدو فيها التحدي واضحاً: ولكنك لم تسألني يا عزيزي الضيف عن كيفية وصولي إلى مستوى الأغنياء؟ فأجبتهُ لقد أذهلني حديثكَ ونسيتُ أن أسألكَ فعلاً، وعلى أية حال كيف حصل هذا معك؟ فرد بلهجة الرجل الواثق قائلاً: قمتُ بتطويع القوانين لصالحي، حيث فتحتُ محلاً لبيع الأثاث الأول ببعض ما ادخرته من نقود، ومن قروض ميسرة، مع إعفاءٍ حكوميٍ من الضرائب لمدة خمس سنوات، وقبيل انتهاء فترة الإعفاء بقليل فتحت محلاً آخر بإعفاء ضريبي جديد، وهكذا حتى المحل السادس. ومما أكد لي صحة كلامه فيما بعد، أنني التقيتُ بمهاجرٍ عربي لديه تسعُ محطات وقود، استخدم الأسلوب ذاته في إنشائها وامتلاكها.
أما عن النقطة الإيجابية الثالثة للحياة في أمريكا، فهي قلة التمييز العنصري بين أفراد المجتمع بناءً على الأصل، أو الدين، أو اللون، أو العِرق، أو الثقافة. صحيحٌ أن هذا التمييز قد كان سائداً بشكلٍ فاحشٍ حتى نهاية الستينيات من القرن العشرين، إلا أن الشعب الأمريكي قد أدركَ تماماً بكل طوائفهِ ومنابتهِ وأصولهِ، أن دمارهُ الفعلي يكمن بالدرجة الأساس في بقاء التمييز العنصري، وأن ازدهارهُ وقوته تتمثل في إلغاء هذا التمييز، أو الحد من سطوتهِ المدمرة على الأقل، وبخاصةٍ بعد نجاح ثورة الحقوق المدنية التي قادها الزعيم الأسود مارتن لوثر كنج Martin Luther King في تلك الفترة، مما ساهم في الاستقرار الاجتماعي بشكل كبير، وانعكس أيضاً على التقدم الإقتصادي الهائل، والهيمنةً شبه الكاملة على المشهد السياسي العالمي.
ومن الأدلة الساطعة على قلة التمييز العنصري، أن الأمريكيين السود من ذوي الجذور الأفريقية على سبيل المثال لا الحصر، قد تقلدوا مناصب رفيعةٍ جداً في مختلف المؤسسات والوزارات والشركات العامة والخاصة، وفي المجالات الاجتماعية، والاقتصادية، والعلمية، والثقافية، والفنية، والعسكرية، والسياسية، حتى ذُهِلَ العالم كله بأن الرجل الأسود المسمى: ( باراك حسين أوباماBarak Husain Obama ) هو سيدُ البيت الأبيض الأمريكي بلا منازع لثماني سنوات متتالية(2008 - 2016). والأمر ذاته يقاس أيضاً على القوميات والعرقيات الأخرى بما فيها العربية، إذ وصل العديد منهم إلى مراكز علميةٍ واقتصاديةٍ مهمة، وأسسوا شركاتٍ ضخمة، وأصبحوا من الأثرياء المرموقين.
أما الإيجابية الرابعة، والتي يعتبرها الكثيرون بالرائعة للحياة في الولايات المتحدة الأمريكية، فهي رغدُ الحياة وجمالها وروعتها، لمن وفقه الله وحصل على المال الكافي للتمتع بها. فكل ما يطلبه المرء أو يحتاج إليه في حياته اليوميه متوفر بسهولةٍ لا مثيل لها إذا امتلك نصيباً كافياً من المال، في ضوء سيطرة سياسة اقتصاديات السوق، الذي يخضع للمنافسة القوية، يكون الفائز فيها في الغالب، لمن يقدم السلعة والخدمة الأفضل، والسعر التشجيعي الأقل. هذا ناهيك عن جمال الطبيعة بغاباتها الخضراء في معظم البلاد، وكثرة البحيرات الطبيعية والصناعية، وتعدد الأنهار، وكثرة الأسواق الضخمة المسمى بالمولات Malls، وتنوع المتاحف والمعارض وأماكن التسلية والمتنزهات.
ولم تغب عن البال أبداً، الميزة الإيجابية الخامسة للحياة الأمريكية، والتي دافع عنها مئات الملايين من البشر عبر التاريخ، وما زال مثلهم يدافعون، ألا وهي: (حرية التعبير) Freedom of Speech. فما زلتُ أذكر في الأعوام من 1977 وحتى عام 1980، المظاهرات الطلابية السلمية داخل أسوار جامعة كانساس التي كنتُ أدرس فيها، ينتقد المحتجون من خلال اليافطات التي يحملونها وبالصراخ بصوتٍ مرتفع أحياناً، سياسة الرئيس الأمريكي آنذاك جيمي كارتر Jimmy Carter، دون أن نجد من يعتقلهم أو حتى من يمنعهم من ذلك. كما أنني لن أنسى في عام 1978، عندما علمَ الطلاب العرب والمسلمون في الجامعات الأمريكية، بأن زعيم الحرب الصهيوني وقتها إسحق رابينYitzhak Rabin ، قد خططَ للقيام بالدعاية عن كيانهِ المغتصب في ثماني عشرة جامعة أمريكية شهيرة، على أن تكون البداية في جامعة كانساس، مما جعلهم ينادوا للنفير العام، ليس في هذه الجامعة فحسب، بل وفي الجامعات القريبة والبعيدة، كي يحضروا يوم وصوله الى كانساس، للتصدي له بالمظاهرات السلمية، وبصور المجازر التي قام بها هو وجيشهُ العنصري ضد الشعب الأردني والمصري والسوري واللبناني والفلسطيني، على مدى عقود من الزمان. وكان الهدف من عمل هؤلاء الطلبة، هو إفشال خططه الدعائية المسمومة، ليس في جامعة كانساس فقط، بل وقبل ذلك في الجامعات الأخرى الموجودة على قائمته اللعينة.
وبالفعل حصل الطلبة العرب والمسلمون على موافقةٍ من إدارة جامعة كانساس، بالتظاهر السلمي لثلاثة أيام بما فيها يوم وصوله، تمّ فيها كتابة يافطاتٍ بالعديد من الحقائق والمعلوماتٍ والأرقام، وعرض صور لفظائع المجازر والدمار في فلسطين والأقطارالعربية المحيطة بها، مما سمح للصحافة الأمريكية المحلية وبعض الوطنية لتغطيتها. وما أن جاء اليوم المشؤوم لزيارته للجامعة، حتى تمَ وضع خطةٍ من الطلبة المهتمين بالقضية، للتوزيع الدقيق للمحتجين على جميع أجنحة مسرح الجامعة الضخم، الذي يتسع لثلاثة آلاف من الحضور، عدا الكثيرين من الوقوف ونحن منهم، على أن تبدأ الهتافات السلمية، ورفع اليافطات وصور الفظائع أمام الحضور جميعاً. وما أن دخل رابين القاعة، حتى بدأت الهتافات المنددة بقدومهِ تتردد من جناحٍ إلى آخر، مع تنديد إضافي بقسم العلوم السياسية في الجامعة الذي استدعى رابين للزيارة واستقبله، في الوقت الذي تقدم فيه أحد الطلبة المسلمين من الأمريكيين السود، بطلبٍ إلى مدير الجلسة لجعل الندوة ثنائية بين رابين وأستاذ علوم الفضاء العربي المشهورفي محطة ناساNASA الفضائية المقامة في جامعة كانساس أ.د. محمد العُلبي، حتى لا يكون هناك تحيز إلى طرفٍ دون آخر.
ولما رفض مدير الجلسة الطلب، بحجة الترتيبات المسبقة، علت الأصوات بقوة أكبر هذه المرة في ردهات المسرح الضخم، ليس من الطلبة العرب والمسلمين فحسب، بل وأيضاً من جانب جزءٍ لا يستهان به من الحضور، ليس تأييداً لموقف الطلبة فقط، بل وأيضاً لنصرةً مبدأ حرية التعبير الذي تعودوا عليه. وازداد الهرج والمرج في المسرح، وخاف أمن الجامعة على السفاح رابين، وانسحبوا به من المسرح دون أن يقوم بإلقاء أي جزء من محاضرته، وتبعه الطلبة متوعدين بالذهاب إلى أي جامعة سيتجه نحوها، ولكنها كانت في الواقع تمثل النهاية لدعايتهِ الجامعية المسمومة، إذ أقفل راجعاً إلى تل الربيع(تل أبيب) في فلسطين المحتلة، دون إكمال مشواره الإعلامي الخبيث. كل هذا لم يكن ليحدث لولا حرية التعبير عن الرأي في الحياة الأمريكية. ومع ذلك أيها القُراء الكرام، فإن هذه الإيجابيات الخمس وغيرها كثير، لن تحجب النور عن السلبيات العديدة التي تكتنف تلك الحياة في أمريكا، والتي تحتاج بلا شك إلى حلقةٍ جديدة وربما أكثر من تلك الحلقات التوثيقية الواقعية، وإلى اللقاء بإذن الله.
profjawdat@yahoo.com / jawdatmassa@gmail.com
Website: http://www.wdat.com


بواسطة : admin
 0  0  47