مرحباً بكم بموقع الدكتور عبدالله بن صالح المقبل. تم إنشاء هذا الموقع في عام 1996 حينما كنت ادرس مرحلة الدكتوراة بالولايات المتحدة الأمريكية.

  • ×

09:50 صباحًا , الثلاثاء 24 أبريل 2018

الحلقة الخامسة والأربعون: ذِكرياتُ الأسواقِ الشعبية للسَمَكِ العُماني

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
image
http://alrai.com/article/1022022
صحيفة الرأي الأردنية (قسم الأبواب)

تاريخ النشر: الأحد: 30/10/2016- العدد: (16772)

الحلقة الخامسة والأربعون:
ذِكرياتُ الأسواقِ الشعبية للسَمَكِ العُماني
image

بقلم: أ.د. جودت أحمد المساعيد
يَهَبُ الله سبحانه وتعالى الكثير من دول العالم، السواحل البحرية الطويلة، والتي غالباً ما تكون غنية بالثروة السمكية الهائلة، مما يُسهل عليها في الوقت نفسه تصدير ما تريده من ثرواتٍ معدنيةٍ أو سمكية، أو منتجاتٍ زراعيةٍ أو صناعيةٍ مختلفةٍ، واستيراد كل ما تحتاج إليه من الخارج بكل سهولةٍ ويسر. وتسمى تلك الدول في هذه الحالة بالدول البحرية أو الدول المطلة على البحار، في حين تُحرم عدد من الدول الأخرى من هذه النعمة، فتعتمد بالتالي في استيرادها أو تصديرها للبضائع أو الأشياء على الدول الأخرى، كما أنها لا تتمتع بنعمة توافر الأسماك في أراضيها، وتسمى تلك الدول في هذه الحالة بالدول المغلقة أو الحبيسة.

وتعتبر سلطنة عُمان من الدول العربية التي حَبَاها الله بسواحل بحريةٍ طويلةٍ على كلٍ من الخليج العربي، وبحر عُمان، وبحر العرب، وبطولٍ يبلغ ألفاً وسبعماية كيلو متر، مما جعلها ليست دولةً منتجةً للثروة السمكية فحسب، بل وأيضاً مُصدرةً لها إلى الأسواق العربية والأوروبية. وغالباً ما توجد على هذه السواحل مترامية الأطراف، أماكن كثيرة للصيادين، الذين يمتهنون حرفة الصيد، التي ورثوها عن الآباء والأجداد، كي ينقلونها بدورهم فيما بعد إلى الأبناء والأحفاد.

ورغم تعدد أماكن الصيد حول العاصمة العُمانية مسقط، إلا أن أكثرها رواجاَ من حيث ارتياد آلاف المستهلكين للأسماك يومياً، يتمثل في كلٍ من ميناء مطرح من جهة، وساحل مدينة السيب القريبة من جامعة السلطان قابوس من جهةٍ ثانية، والتي عملتُ أستاذا فيها لمدة عشر سنوات بالتمام والكمال. وكانت زياراتنا لسوق السمك الشعبي في ميناء مطرح قليلة، رغم كثرة المعروض من الصيد اليومي وتنوعه، وكثرة الساعين لشراء كميات أكبر منه، وذلك نظراً لبُعد المسافة نسبياً عن الجامعة والتي تقارب الخمسين كيلو متراً، وعدم وجود مساحة بحرية مكشوفة لرؤية قوارب الصيد القادمة من عرض البحر، كما هو الحال في مدينة السيب، التي لا تبعد عن الجامعة أكثر من ثمانية كيلومترات، وفيها البحر يبدو أمامك مكشوفاً إلى مسافة عدة كيلومترات، بحيث تشاهد قوارب الصيد القادمة من مسافةٍ بعيدة، وهي تحمل الأسماك الطازجة.

وما أجمل ذكرياتي مع سوق السمك الشعبي في مدينة السيب، حيث عندما كنتُ أخطط لزيارته في اليوم التالي، فإنني أنتظر الفجر حتى ينبلج، حيث أقوم بعدها بتأدية الصلاة، وشد الرحال ومعي زوجتي باتجاه شواطئ السيب، حيث ما أن نصلها حتى تصبح رؤيا قوارب الصيد واضحة وهي مقبلة علينا من عرض البحر، ويكون عدد الناس حينها قليلاً. ولكن ما أن يمر وقتٌ قصير، حتى تزداد أعداد القوارب الراسية على الشاطئ، ويأخذ المكانُ بالازدحام شيئاً فشيئاً بالأشخاص الراغبين في شراء السمك الطازج.

وبعد ذلك يأتي دور بعض الرجال المتخصصين بالبيع عن طريق المناداة بالسعر المناسب لكل نوع من أنواع الأسماك، والذين يُطلق عليهم في العادة إسم (الدّلالة) لأنهم يُدللون على البضاعة السمكية بأصواتهم العالية، لمن يرغب في النوع والسعر الملائمين، وذلك بحسب الذوق من ناحية، وفي ضوء الوضع المادي من ناحيةٍ ثانية. وكم كنتُ أرى حلقات الدّلالة هنا وهناك على طول الشاطئ المخصص للبيع، مما يشجعك على الانتقال من حلقةٍ إلى أخرى كي تنتظر الفرصة المناسبة لطرح السعر الملائم على السمكة أو الأسماك التي تروق لك. هذا إضافةً إلى إنشاء مبنىً كبيراً وحديثاً في نهاية عقد التسعينيات من القرن العشرين، توجد داخله أماكن عرض كثيرة للباعة، مع تنظيف الأسماك بطريقةٍ صحيحة.

وما زلتُ أتذكر ذلك اليوم الأول من الخبرة التي مررتُ بها في شراء الأسماك من ذلك السوق الشعبي الجميل على شواطئ مدينة السيب خلال شهر تشرين الأول(أكتوبر) من عام 1988، وكنتُ حينها قد اشتريت سيارة مازدا جديدة من النوع العائلي الكبير Station Wagon واصطحبتُ ثلاثة زملاء من أعضاء هيئة التدريس المصريين الملتحقين معي بقسم المناهج وطرق التدريس بجامعة السلطان قابوس وهم: أ.د. مصطفى رسلان، وأ.د. يسري عفيفي(رحمه الله)، وأ.د. عبدالله إبراهيم(رحمه الله).

وقد توزعنا ثلاثتنا حول التجمعات الفرعية لباعة الأسماك، كلٌ حسب اهتماماته وميوله، وذلك من حيث الأنواع المرغوب فيها. وبينما كنتُ أنتقل من مكانٍ إلى آخر، شدني كثيراً ذلك البائع الذي توجد أمامهُ كومةٌ كبيرة من الأسماك غير المفروزة من حيث أصنافها، ويقف حوله عدد أقل من الناس، مما يوجد في العادة حول الباعة الآخرين. وقد وصل سعر المناداة حينها إلى (45) فقلتُ هل هذا يعني (45) ريالاً عمانياً، فقال من يقف بجانبي لا، بل أربعة ريالات ونصف(أي نحو ثمانية دنانير أردنية)، فأخذتُ أزيد بالسعر على كل من يطرح رقماً أعلى، حتى وصل الرقم إلى ستة ريالات(أي احدَ عشر ديناراً أردنياً)، فقال البائع لي السمك لك.
وهنا علق بعض الحضور على فوزي بتلك المزايدة قائلين، وما بك لتشتري كل هذه الكمية لعائلة واحدة، وكيف ستخزنها حيث لن تتسع لها عدة أجهزة من الثلاجات المنزلية. وقد أدركتُ فيما بعد أن الناس الذين كانوا يحيطون بالبائع هم من تجار الجملة البسيطة، الذين يعملون على توريده إلى المطاعم. وقد انفض الجمع عن البائع بعد بيع تلك الكمية، الذي انتقل بدوره إلى مكانٍ آخر، فيما انشغلتُ شخصياً بالبحث عن أكياس بلاستيكية كبيرة لوضع الأسماك فيها، بعد أن بدأتُ بمناداة زملائي المصريين، الذين لحسن الحظ لم يشتروا بعد مما يريدونه.
وما أن حضروا عندي، حتى أبلغتهم على عجلٍ بما حصل من شراء هذه الكمية الكبيرة، فبدأوا بالمساعدة في وضعها داخل الأكياس ونقلها إلى السيارة الجديدة. وقد أكدت لهم بأنه ليس من الضروري لهم شراء أي نوع آخر من الأسماك، ودعونا نعود بسرعة إلى سكن الجامعة حتى لا يفسد السمك في ذاك الجو الحار، وأن نعمل سويةً على تقسيم الكمية بيننا الأربعة كي تسهل عملية تنظيفه وخزنه. وهذا ما تمَ بالفعل، حيث اكتفينا من محصول السمك لفترةٍ زمنية غير قصيرة. ومن المفارقات المضحكة، أن رائحة السمك مكثت في السيارة عدة شهور بعد ذلك، نتيجة تسرب الدماء والماء من بقاياها على فرش السيارة من الخلف.

ومن أسواق السمك الأخرى التي لا تُنسى أبداً ذكرياتها، زيارتي إلى سوق السمك الشعبي بمدينة صور العُمانية، حيث دعاني أحد الأصدقاء لزيارته في تلك المدينة، وبرفقة عائلتي، وبعد سهر ليلة الجمعة معه وبحضور عدد من الأصدقاء العمانيين والأردنيين، اقترحوا ضرورة عدم ضياع الفرصة لزيارة السوق الشعبي للسمك بعد صلاة الفجر. وبالفعل، وما أن انتهينا من الصلاة في المسجد، حتى اتجهنا إلى ذلك السوق الذي كم أذهلني الحركة النشطة جداً من صائدي الأسماك وتجارها، وكثرة عدد قوارب الصيد الكبرى التي لم أشاهدها من قبل في سوق السيب الشعبي من جهة، وضخامة حجم الأسماك التي تم صيدها ومن أشهرها أسماك التونة، والتي امتلأت ساحة الشاطئ الرملي الطويل بها من جهةٍ ثانية.

وما أن بزغت خيوط الشمس الذهبية مشرقة في الصباح الباكر، حتى تكدس الناس من كل حدبٍ وصوب، باحثين باهتمام شديد عن الأجود نوعاً، والأكثر نضارةً، والأنسب سعراً. بالإضافة إلى ذلك، كم كنا نرى سيارات النقل متوسطة الحجم على شكل ثلاجات، وقد قام العمال بتعبئتها بمختلف أنواع الأسماك، ليس للتوجه إلى أسواق المدن العُمانية البعيدة عن البحار فقط، بل وإلى أسواق الأقطار الخليجية الأخرى والعربية، ومن بينها الأردن.

وباختصار شديد، فإنه ليس من اللذيذ والجميل أن تستمتع بتناول الأسماك بأصنافها فحسب، بل وإن من الأجمل والألذ والأكثر متعة أيضاً، أن تشاهد بأم عينك من أين تأتي، وكيف تأتي، وكيف يتم عرضها أمام الجمهور، وكيف يتم التفاعل بين بني البشر إزاء هذه الثروات البحرية الهائلة. وهذا لا يتأتى مطلقاً على أرض الواقع، إلا إذا أتيحت لك الفرصة، أن تعيش في بلدٍ وهبه الله هذه النعمة الكبرى المتجددة يومياً من ثمار البحار اللامحدودة.


profjawdat@yahoo.com prof.almassaeed@gmail.com
Website: http://www.jwdat.com

بواسطة : admin
 0  0  90
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 09:50 صباحًا الثلاثاء 24 أبريل 2018.