مرحباً بكم بموقع الدكتور عبدالله بن صالح المقبل. تم إنشاء هذا الموقع في عام 1996 حينما كنت ادرس مرحلة الدكتوراة بالولايات المتحدة الأمريكية.

  • ×

10:00 صباحًا , الثلاثاء 24 أبريل 2018

الحلقة الخامسة والعشرون: ذكريات تطبيق رسائل ماجستير جامعة اليرموك

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
image
http://www.alrai.com/preview.php/article/780038.html
صحيفة الرأي الأردنية (قسم الأبواب)

تاريخ النشر: الاحد: 10/4/2016- العدد: (16576)
الحلقة الخامسة والعشرون:

ذكريات تطبيق رسائل ماجستير جامعة اليرموك
image
طالبة مدرسة تستخدم التقنيات الحديثة في التعليم
بقلم أ.د. جودت أحمد المساعيد
كانت مناقشة أطروحة الدكتوراة الخاصة بي في جامعة كانساس الأمريكية في الثالث من شهر نيسان(أبريل) من عام 1980، دافعاً لي بعدم الوقوف موقف المتفرج من تطبيق أدوات البحث المهمة في رسائل الماجستير أو أطروحات الدكتوراة الخاصة بطلبة الدراسات العليا، الذين سأشرف عليهم مستقبلاً بعد عودتي لجامعة اليرموك من البعثة الدراسية، ولا سيما إذا كانت تلك الأدوات تتعلق بتحضير دروس حسب أحدث طرائق التدريس المعروفة في ذلك الوقت. فقد سألني أحد أعضاء لجنة مناقشة أطروحة الدكتوراة البروفيسور مكنايت McKnight سؤالاً مباشراً حول الضمانات التي يمكن توفرها لنجاح عملية تطبيق طرائق التدريس المعاصرة التي تمّ التطرق اليها في تلك الأطروحة، مثل الاستقصاء والاكتشاف وحل المشكلات والعصف الذهني والحقائب التعلمية وغيرها، وجعلها مفيدة تربوياَ لي وللدارسين الذين سوف أشرف عليهم مستقبلاً.
وكم أشاد السائل ذاته بجزئيةٍ من الإجابة التي طرحتها أمام اللجنة، والمتمثلة في ضرورة إشرافي الشخصي على عملية تدريس هذه الطرائق مع أصحاب هذه الدراسات، حتى لو تمت عن طريق المعلمين الأصليين، ليس من أجل التأكد من عملية تطبيق خطوات التحضير الدقيق لهذه الطرق فحسب، بل وحتى يتم أيضاً اقتران النظرية بالتطبيق العملي الميداني، مع إمكانية تحديد نقاط القوة خلال كل ذلك من أجل دعمها، ومعرفة جوانب الضعف التي تمّ الوقوع فيها، كي يتم العمل على تجنبها في المرات التطبيقية القادمة.
وفي ضوء هذه السياسة أو هذا الاعتقاد، فقد بدأتُ عند عودتي إلى جامعة اليرموك، وبعد افتتاح تخصص مناهج وطرق تدريس الدراسات الاجتماعية فيها، بمرافقة كل طالب من طلبة الماجستير الذين أشرفُ على رسائلهم العلمية، خلال عملية تطبيق أي طريقة من طرائق التدريس الحديثة التي تعلمناها وشاهدنا تطبيقاتها في مرحلة الدكتوراة. وكانت البداية مع الطالب غازي جمال خليفة، الذي كان يعمل معلماً في الأغوار الشمالية، وقد طلبنا من مديرية التربية والتعليم في محافظة إربد، بالسماح له بتطبيق طريقة الاستقصاء Inquiry Method في تدريس الجغرافيا بمدرسة كفريوبا الثانوية للبنين على موضوع: (البيئة والإنسان)، المقرر على طلبة الصف الأول الثانوي آنذاك (العاشر حالياً).
وقد تعاونت إدارة تلك المدرسة مع الباحث والمشرف عليه أيما تعاون، وذلك عن طريق تقديم جميع التسهيلات الممكنة، من وسائل تعليمية متوفرة، إلى إبداء المرونة الكاملة في تغيير حصص الجدول المدرسي، بحيث يتمشى ذلك مع الشروط الملائمة لنجاح عملية تطبيق طريقة الاستقصاء. وما أن تمّ تقسيم الصف إلى مجموعات صغيرة، وتوزيع المهام عليهم حسب خطة التحضير الدقيقة المسبقة، حتى انتشر النشاط والحيوية بين الطلاب انتشار النار في الهشيم. وكنا نرى الصف كله يعمل كخليةِ نَحلٍ نشطةٍ جداً، وأن كل مجموعةٍ يتناقش أفرادها مع بعضهم مناقشةً فاعلة، من أجل تطبيق خطوات الاستقصاء حسب خطة المربي المشهور باري باير Beyer Barry.
وكانت المادة الدراسية، والمواد التعليمية الأخرى المساندة لها، قد تمّ توزيعها على الطلبة من جانب الباحث، كي يقوموا بقراءتها قراءة سابرة، والبحث من خلالها عن المؤشرات الحقيقية للشعور بالمشكلة أولاً، ثم تحديدها بشكلٍ دقيقٍ ثانياً، والانتقال الى صياغة الفرضيات أو الحلول التجريبية المؤقتة لهذه المشكلة ثالثاً، والعمل على اختبار هذه الفرضيات أو التأكد منها ثالثاً، وذلك عن طريق تحديد الأدلة القوية التي تدعم هذه الفرضية أو تلك، تمهيداً للوصول الى الحلول النهائية الملائمة لتلك المشكلة الرئيسة أو المشكلات الفرعية العديدة المنبثقة عنها رابعاً، والقيام في نهاية المطاف بتعميم خطوات حل المشكلة على مواقف تعلميةٍ جديدةٍ خامساً وأخيراً، بحيث تستمر هذه الخطوات في التنفيذ الدقيق بشكلٍ فاعل، عندما يتم الانتقال إلى مشكلةٍ أخرى تستحق البحث والدراسة.
ومن بين أهم مؤشرات نجاح عملية تطبيق طريقة الاستقصاء في تدريس الجغرافيا بمدرسة كفريوبا الثانوية للبنين، أن الطلبة قد استمتعوا بهذا النمط الجديد من أنماط التعلم والتعليم، والذي يمثل فيه الطالب مركز العملية التعليمية التعلمية، وكيف أن كل طالب قد تفاعل مع رفاقه بدرجةٍ كبيرةٍ، عن طريق طرحِ الآراءِ والأفكارِ ووجهاتِ النظرِ الخاصةِ به، بكل حريةٍ وبمسؤوليةٍ عالية، وأنه قد تعاون معهم كثيراً ضمن مجموعاتٍ نشطةٍ جداً، لدرجة أن هؤلاء الطلاب قد أبلغوا إدارة المدرسة وبشكلٍ صريح، عن رغبتهم القوية في تعلم بقية المواد الدراسية العلمية والإنسانية بالطريقة الاستقصائية التي مروا بخبرةٍ حقيقيةٍ عنها.
وهذا ما دفع مدير المدرسة إلى الحديث الشخصي معي حول هذا المطلب الطلابي. وقد أكدتُ له وقتها استعدادي التام لتدريب معلمي المدرسة على هذه الطريقة، وهو ما تمّ في وقتٍ لاحقٍ بالاتفاق مع مدير التربية والتعليم لمحافظة إربد بضرورة تعميم الفائدة التربوية، عن طريق عقد برنامج تدريبي في القاعة الكبرى للمدرسة الصناعية الثانوية في مدينة إربد، شملت أعداداً كبيرة نسبياً من معلمي المرحلة الثانوية مع المشرفين التربويين في المحافظة، مما ترك بصماتٍ واضحةٍ لباحثي جامعة اليرموك وأساتذتها، في خدمة المجتمع المحلي عند تطبيق أدوات رسائل الماجستير في الميدان.
وكانت رسالة ماجستير اليرموك الثانية التي تمّ تطبيق أدواتها في المدارس القريبة من الجامعة، هي رسالة الطالب سليمان علي طواها (رحمهُ الله)، والتي تناولت موضوعاً حديثاً آنذاك تحت عنوان: (تطبيق الحقائب التعلمية Learning Packages في إحدى الموضوعات الجغرافية) بمدرسة المزار الثانوية للبنين، حيث قام الباحث بتطوير حقيبة تعلمية عن موضوع (الأنماط المناخية في العالم)، وتمّ توزيع (28) نسخة منها على طلاب أحد صفوف المرحلة الثانوية في تلك المدرسة، حيث يقوم كل واحدٍ منهم بقراءةِ تلك الحقيبةِ قراءةً سابرةً، بِدءاً بالأهداف السلوكية، وانتقالاً الى الاختبار القبلي للحقيبة Pre-test، الذي إذا أجابَ الطالبُ عن أسئلتهِ بمعدل 80% فأعلى، فلا حاجة له لدراسة هذه الحقيبة، ولا بد له من الانتقال إلى غيرها، وذلك لأنه ببساطة شديدة، يمتلك المعارفَ والمهارات والاتجاهات المرغوب فيها عن ذلك الموضوع. أما إذا لم يحصل الطالب على تلك النتيجة (وهو ما يحدث في الغالب، لأن الطالب لم يمر بخبرة سابقة عنه)، فلا بد له من الانتقال إلى مرحلة الأنشطة المتنوعة، مبتدئاً بالأنشطةِ المرجعية Resource Activities ، التي وضعها الباحث أو المعلم، وهي عبارة عن مجموعة من المراجع ذات العلاقة بالموضوع المحدد، مع ذكر الصفحات ذاتِ الصلة بكل جانب فرعي من جوانبِ درسِ الأقاليم المناخية التي دارت حوله الحقيبة التعلمية المطورة.
وهنا يقوم طالب المدرسة بقراءةِ المادةِ المحددةِ في المراجعِ والبحوث، كي يتمكن من القيامِ بالنوعِ الآخر من الأنشطة التي سينتقل اليها فيما بعد، وهي الأنشطة التطبيقية Application Activities، التي وضعها الباحث أو المعلم، والتي تتطلب منه القيام بأنشطة يطبقُ فيها الطالب المعلوماتِ والمعارفِ التي قرأها في الأنشطة المرجعية، مثل رسم خريطةٍ ما، أو كتابةِ تقريرٍ معينٍ، أو إجراءِ مقابلةٍ مع بعض الأشخاص، أو زيارةِ موقع من المواقع، أو عقدِ ندوةٍ محددة. والمطلوبُ من الطالبِ في هذه الحالة، أن يختارَ بعضاً من هذه الأنشطةِ ولا يقومُ بها كلها، وبما يتناسبُ مع اهتماماتهِ وقدراتهِ وميولهِ. وبعد ذلك، فإن عليه أن يتقدم إلى اختبارٍ بعدي عن أنشطةِ الحقيبةِ جميعها، فإن اجتازَ الاختبار بنسبة 80% أو أكثر، فسيجدُ أمامهُ بعض الخيارات أهمها إثنان هما: الانتقالُ إلى حقيبةٍ تعلميةٍ جديدةٍ، أو القيام ببعض الأنشطةِ الإثرائيةِ أو المتعمقةEnrichment Activities ، التي تدورحول الموضوع الذي ركزت عليه الحقيبة، والتي تزيد بالتالي من تعمقِ الطالبِ في موضوعِ الأقاليم المناخية.
ومن بين رسائلِ الماجستير الأخرى التي تمّ تطبيقها ميدانياً حول إحدى طرق التدريس الحديثة، كانت رسالة الطالب أحمد عارف عبيدات تحت عنوان: ( طريقة الاكتشاف Discovery Method وطريقة المنظم المتقدم Advanced Organizerفي تدريس الجغرافيا)، والتي طبقت في مدرسة سال الثانوية للبنين، ومدرسة كفر سوم الثانوية للبنات، باستخدام الخطوات الدقيقة لهاتين الطريقتين، وكذلك تطبيق رسالة الطالب مديرس محمود عنبر عن تطبيق طريقة الاستقصاء في التاريخ لطلاب الصف التاسع، باستخدام المحاكمة العقلية بموضوع قيمي مهم للغاية، وهو عزل الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه للقائد خالد بن الوليد عن قيادة الجيوش الإسلامية خلال معركة اليرموك، وتطبيق رسالة ماجستير الطالب إبراهيم عبدالله القاعود، باستخدام طريقة حل المشكلات Problem-Solving Method في تدريس موضوع استثمار الموارد، من كتاب الجغرافيا المقررعلى طلاب الصف العاشر في كل من مدرسة الصريح الثانوية للبنين ومدرسة الصريح الثانوية للبنات، وتطبيق رسالة ماجستير الطالب جمال اليوسف، عن استخدام نموذج جانييه Gagne Model، ونموذج ميرل وتنيسون Merrill and Tennyson Model في تدريس المفاهيم الجغرافية لطلبة الصف السابع، في عدد من مدارس مدينة إربد، وغيرها العديد من الرسائل الجامعية، التي كانت تمثل في الواقع أولى المحاولات الجادة لتطبيق الأفكار التربوية الحديثة، وغير المعروفة وقتها للكثيرين، في البيئة التربوية لمنطقة شمال المملكة الأردنية الهاشمية.
كل ذلك لم يكن ليتم مطلقاً، لولا إنشاء هذا الصرح العلمي الشامخ، الذي ارتبط إسمه بإسم معركةٍ تاريخيةٍ ماجدةٍ إسمها اليرموك، ولولا جهود إدارتها الفاعلة والمشجعة على العمل المثمر وإفادةِ الآخرين، ولولا تفاني أعضاءِ هيئةِ التدريس وطلبةِ الدراسات العليا فيها، الذين كانوا دوماً مُسلحين بسلاح العلم والعزيمة والإيمان، من أجل خدمة وطنهم وأبناء مجتمعهم المحلي، حتى يتم تطويرأساليب التدريس في المؤسسات التعليمية المختلفة، بما يفيد في نقل التفاعل من المعلم إلى المتعلم، ومن الفرد إلى الجماعة، ومن مصدرٍ تعليميٍ واحدٍ إلى عدة مصادر، ومن داخل أسوار المدرسة إلى فضاء المجتمع الواسع، وقبل كل هذا وذاك، من النظرية الجامدة إلى التطبيق الأكثر مرونةً في العمل، والأسرع ديمومةً للفهم لدى المتعلم، الذي يَهوى التطبيق الميداني بطبعه من جهة، ويُبقي على أمل البلاد والعباد من جهةٍ ثانية.

prof.almassaeed@gmail.com profjawdat@yahoo.com
Website: http://www.jwdat.com



بواسطة : admin
 0  0  94
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 10:00 صباحًا الثلاثاء 24 أبريل 2018.