مرحباً بكم بموقع الدكتور عبدالله بن صالح المقبل. تم إنشاء هذا الموقع في عام 1996 حينما كنت ادرس مرحلة الدكتوراة بالولايات المتحدة الأمريكية.

  • ×

12:53 مساءً , الجمعة 19 يناير 2018

الجلقة الحادية عشرة: قصة المنحة الدراسية من جامعة اليرموك

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
image
http://www.alrai.com/article/758968.html
صحيفة الرأي الأردنية (قسم الأبواب)

تاريخ النشر: الاحد: 3/1/2016- العدد: (16478)

الحلقة الحادية عشرة:

قصة المنحة الدراسية من جامعة اليرموك
image

بقلم: أ.د. جودت أحمد المساعيد: .

ما أن انتهيتُ من الفصل الدراسي الأول لبرنامج الدكتوراة في جامعة كانساسKansas الأمريكية في شهر كانون الثاني من عام 1977، حتى شعرتُ بالراحةِ النفسيةِ من النتائج المتميزة التي وفقني الله في الحصول عليها. ومع ذلك، فقد انتابني القلق الشديد من زيادة التكاليف المادية للمعيشة اليومية في تلك البلدان من جهة، وبسبب ارتفاع الرسوم الجامعية وأثمان الكتب المقررة باستمرار من جهةٍ ثانية. ونظراً لأن المبالغ المالية التي أحضرتها من وراء العمل المتواصل لمدة ثلاث سنوات في المملكة العربية السعودية، قد بدأتْ تنقص بشكلٍ ملحوظ، فقد فكرتُ ملياً بالعمل داخل جامعة كانساس أو خارجها، كي أستطيع الاستمرار في الدراسة، لا سيما وأن ظروف العائلة في الأردن وقتها لا تسمح بالدعم المادي لمسيرتي الأكاديمية، علماً بأنني لم أكن أخطط البتة للقيام بالعمل أثناء الدراسة، لإيماني العميق بأن مثل هذا القرار سيكون على حساب الدراسة من ناحية، وربما ينعكس سلباً على الحياة العائلية المؤلفة من خمسة أفراد من ناحية أخرى.

وبدأتُ فوراً بتقديم الطلباتِ هنا وهناك، لعلي أبدأ العمل متفرغاً خلال الصيف كله، من أجل تسجيل فصل الخريف للعام الجامعي الثاني 1977/1978بكل يُسْرٍوأريحية. ولكن لم أكن أتوقع بأن قول الشاعرتجري الرياح بما لا تشتهي السفنُ، سينطبقُ تماماً على حالتي)، لا لشيء إلا لوجود مئات الحالات المشابهة لوضعي في جامعةٍ يلتحقُ بها أكثر من خمسين ألف طالب وطالبة، ومن مختلف دول العالم. ومما زاد الطين بلة في تراجع الوضع المادي وارتفاع نسبة القلق الإجباري، استعدادنا لاستقبال مولود جديد، مما سيزيد من النفقات العائلية. وبالفعل جاءت الإبنة الأولى(ريم) في تلك الظروف الصعبة، ويأتي رزق المولودة معها كما يقولون، وبترتيبٍ من الله عز وجل. فبينما كان في زيارتنا مجموعة من الطلبة السعوديين وعائلاتهم الكريمة للتهنئة بالقادم الجديد، إذ يذكر أحدهم أنه كان قبل عدة أيام في زيارة بعض الأصدقاء السعوديين الملتحقين بجامعة ميزوري الأمريكية، وأنه قد التقى صدفةً ببعض المبعوثين من جامعة جديدة في الأردن إسمها (اليرموك).

فقلتُ له هل تحمل أرقام هواتفهم، ولكن حركات رأسه يمنةَ ويسرةً أفادت بالرفض، ولكنني تابعتُ الحديثَ مُسرعاً بالقول: وهل هواتف أصدقائك السعوديين معك، فأفاد بالإيجاب، مما أنعش الأمال عندي في الاستفسارعن تلك الجامعة التي عندما غادرتُ الأردن بتاريخ 8/8/1976 لم تفتح أبوابها للطلبة، ولأن الكثيرين من المغتربين وأنا من بينهم، لم يسمعوا عنها من قبل. ورجوتُ الضيف أن يستخدم هاتف منزلي للاتصال بأحد زملائه السعوديين، ويستفسر منه عن رقم هاتف أحد الطلبة الأردنيين المبعوثين. وهذا ما جرى بالفعل، حيث حصلنا على رقم هاتف أحدهم، قمتُ بالاتصال معه بعد توديع الضيوف مباشرةً، وتأكدتُ من دقة الكلام، وأن هناك حملةً ابتعاث يرموكية في مختلف التخصصات، فشكرتهُ على ما أفادني به من معلومات قيمة عن الصرح العلمي الأردني الجديد، ودعوته لزيارة جامعة كانساس في أي خطةِ لديه للقيام برحلةٍ قادمة.

وقبل أن أخلدَ الى النوم، مسكتُ ورقةً عاديةً وبدأتها (بسم الله الرحمن الرحيم) إلى عطوفة رئيس جامعة اليرموك آنذاك أ.د. عدان بدران (أطال الله في عمره)، أوضحتُ له فيها رغبتي الحقيقية بخدمة وطني الأردن، والعمل في جامعة اليرموك بعد التخرج، وحاجتي الماسة إلى منحةٍ دراسية لإكمال برنامج الدكتوراة. ولم يمضِ غير وقتٍ وجيز، وإذا بالرد من عطوفتهِ بأنه قد قرأ الرسالة باهتمامٍ كبير، ولكن لا بد من إثبات الأقوال من جانبي بالوثائق الرسمية عن شهادة البكالوريوس وشهادة الماجستير، بالإضافة إلى ما يؤكد التحاقي ببرنامج الدكتوراة في جامعة كانساس، وبأسماء المواد التي تمّ إنجازها مع التقديرات فيها. وفي اليوم التالي، هرولتُ مسرعاً إلى مكتب البريد، لإرسال مغلف يحوي ما طلبه رئيس جامعة اليرموك من شهاداتٍ ووثائق.

وما هي سوى فترة تقارب الأسابيع الثلاثة، حتى استلمتُ خطاباً من رئيس الجامعة مقروناً بموافقة مجلس أمنائها برئاسة دولة رئيس الوزراء وقتها مضر باشا بدران، (أطال الله في عمره)، بالموافقة على تزويدي بمنحةٍ دراسيةٍ كاملة لإتمام برنامج الدكتوراة، والعمل بعد التخرج في جامعة اليرموك بضعف مدة الابتعاث على الأقل، وذلك بعد تعبئة عددٍ من النماذج بدقةٍ تامة، وتصديقها من السفير الأردني في واشنطن، معالي عبدالله صلاح وزير خارجية الأردن الأسبق (رحمه الله)، وإعادتها بالبريد الممتاز إلى جامعة اليرموك، ثم تكليف الأهل بالبحثِ عن شخصٍ يكفلني بمبلغ خمسة عشر ألف دينارٍ، على أن يتم ذلك على وجه السرعة.

وأعتقد أن وراء هذه الموافقة العلمية على المنحة الدراسية من هذه الجامعة الفتية، مجموعة من الأسباب الأكاديمية المحضة، يتمثل أولها في كون الجامعة ناشئة وبحاجةٍ إلى ابتعاث حملة الماجستير الذين كانوا قلةً آنذاك، وكنتُ واحداً منهم، وأن تخصص المناهج وطرق التدريس(فرع الدراسات الإجتماعية) لم يكن وقتها متوفراً في الجامعة من بين أعضاء هيئة التدريس بقسم التربية، وأن وجود شاب أردني حاصل على قبول رسمي من جامعة أمريكية كبيرة ومعروفة، واجتيازه الاختبارات المطلوبة للقبول، ثم وجوده داخل الولايات المتحدة دون حاجةٍ الى تذاكر سفر، وهو مستقر تماماً في السكن، وأنه قد أنهى عاماً جامعياً كاملاً وبتفوق، كلها عوامل شجعتْ على صنع قرار الترشيح للمنحة الدراسية، دون تدخلٍ من أيٍ طرفٍ كان، غير توفيق الله عز وجل، وحكمة أصحاب القرار وحرصهم على مصلحة هذا الصرح العلمي الشامخ.

كل هذا حصل، والأهل في الأردن لا يعلمون بما يدور من مراسلات مع جامعة اليرموك إلا عندما اكملتُ الأوراق الرسمية بهذا الخصوص، واتصلتُ بوالدي (رحمه الله)، أخبرهُ بالتفاصيل الدقيقة لكل ما تمّ فعلاً، مع ضرورة البحث عن كفيل بأسرع وقتٍ ممكن،والذي فرح كثيراً جداً وقال لا تقلق الأجاويد كثيرون. وما هي سوى فترةٍ وجيزة نسبياً حتى انتهت جميع الأمور المطلوبة، وبدأتُ ولله الحمد باستلام راتب البعثة، ضمن شروط الابتعاث الدقيقة، التي تتطلب وضعي كبقية المبتعثين الآخرين، ضمن برنامج المتابعة الحثيثة من جامعة اليرموك أولاً بأول للتأكد من المسار الأكاديمي لكل مبتعث، وذلك عن طريق إرسال الجامعة نسخةً من النتائج الفصلية إلى جامعة اليرموك، والرد على الاستفسارات التي كانت تأتي من وقتٍ لآخر من عمادة البحث العلمي في تلك الجامعة الرائدة.

وكم كان لحصولي على تلك المنحة الدراسية، الأثرالإيجابي الكبير من الناحيتين المادية والمعنوية في وقتٍ واحد، مما ساهم في زيادة التركيز على المقررات الجامعية التي أقوم بتسجيلها من فصلٍ دراسيٍ إلى آخر، من أجل الحفاظ على المستوى الأكاديمي الرفيع الذي كنتُ قد وصلتُ اليه في المعدل التراكمي الجامعي. ومما كان يثلج صدري كثيراً بعد ذلك، اتصال المسؤولين في جامعة اليرموك، كلما زار أحدهم الولايات المتحدة، من أجل الاطمئنان عن أحوالي أولاً، وللثناء على التفوق العلمي ثانياً، إضافةً إلى بعض خطابات المتابعة من عمادة البحث العلمي وما فيها من تشجيع، مما زاد من الحماسة في نفسي بضرورة الاستمرار في ذلك التميز الذي تحتاجه هذه الجامعة الفتية، التي تتابع مبعوثيها عن كثب أينما كانوا.

باختصار شديد، إن عملية تسجيل ذكريات الحياة بحلوها ومُرها، في داخل البلاد أو في الاغتراب، في العمل أو في الدراسة، في المسرات أو وقت الصعاب، في النجاحات أو مع الإخفاقات، تظلُ مثارَ تشويقٍ لمن يعشق القراءة من جانب الكثيرين، لا لشيءٍ إلا ليأخذ الناس منها الدروس والعِبَرالمستفادة للحاضر والمستقبل، حتى يتم تجنب تكرار الخبراتٍ السلبية، ومحاولة إعادة التجارب الإيجابية المفيدة، إذا ما تهيأت الظروف الملائمة لها من جديد، في وقتٍ يبقى الجميع بحاجةٍ ماسةٍ الى الاتعاظ مما يفرزهُ دولاب الزمن، من مجريات أحداثٍ متداخلةٍ تؤثر فينا دائماً ونؤثر فيها أحياناً، شئنا أم أبينا، لأن هذا الدولاب لن يتوقف، تماماً كما هو الزمان، وما نحن إلا صحائف ذكرياتٍ تُطوى في هذا أو ذاك.

jawdatmassa@gmail.com
profjawdat@yahoo.com


بواسطة : admin
 0  0  51