مرحباً بكم بموقع الدكتور عبدالله بن صالح المقبل. تم إنشاء هذا الموقع في عام 1996 حينما كنت ادرس مرحلة الدكتوراة بالولايات المتحدة الأمريكية.

  • ×

12:53 مساءً , الجمعة 19 يناير 2018

الحلقة السابعة: ذكريات العمل في حملات محو الأمية بالسعودية

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
image
http://www.alrai.com/article/753555.html
صحيفة الرأي الأردنية (قسم الأبواب)

تاريخ النشر: الاحد: 6/12/2015- العدد: (16450)

الحلقة السابعة:
ذكريات العمل في حملات محو الأمية بالسعودية
image
بقلم: أ.د. جودت أحمد المساعيد
كان عملي محاضراً في قسم المناهج وطرق التدريس بكلية التربية في جامعة الملك سعود بالرياض، وأنا في نهاية العشرينيات من عمري، يمثل مجالاً واسعاً للنشاط والتعلم بالنسبة لي، أكثر من كونهِ نشاطاً تدريسياً رسمياً، لا سيما وأنا كنت أصغر أعضاء هيئة التدريس في القسم سناً، وأقلهم خبرةً. وكان حلمُ الحصول على درجة الدكتوراة يراودني باستمرار، مما جعلني أُقيمُ سلسلة علاقاتٍ متميزة مع الجميع، وبخاصة الأساتذة المرموقين من ذوي الخبرة الطويلة، إضافة إلى رئيس القسم، ورئيس لجنة الندوات، بل ورؤساء اللجان المختلفة في ذلك القسم بل وفي الكلية.

وكانت أخبار هذه الأنشطة تصل إلى عميد الكلية تباعاً، والذي فاجأني في أحد الأيام قبيل نهاية العام الجامعي 1973/1974م بإسبوعين، باستدعاءٍ سريعٍ لي إلى مكتبهِ، وقال لي: أستاذ جودت، لقد استلمتُ خطاباً من وكيل وزارة المعارف سمو الأمير خالد بن فهد بن خالد، يطالب الكلية بتشكيل فريق من عشرين من طلاب كلية التربية الخريجين لهذا العام، كي يلتحقوا بحملات محو الأمية التي تشكلها وزارة المعارف السعودية، مع تعيين مشرفٍ عام عليهم من جانب أحد مدرسي الكلية. وقد وقع اختياري عليك مشرفاً عاماً على تلك الحملة لمحو الأمية في منطقة ينبع النخل التابعة لولاية المدينة المنورة، وذلك في ضوء مسموعاتك الطيبة، وأنشطتك الواضحة، ولعلمي بأنك تواقٌ لدعم وضعك المادي من أجل السفر للخارج والحصول على درجة الدكتوراة في التربية، لا سيما وأنك ستحصل على راتبٍ مضاعف لكل شهرٍ من شهور العمل الصيفي، إضافةً إلى راتب عملك في الكلية، ومصاريف الأكل والشرب والسيارات والخيم والقدور وأربعة من الطباخين لخدمة أفراد الحملة.
ولم أتردد في الموافقة على ذلك العرض المغري، الذي سيُعجلُ من سفري للدراسة في الخارج. وبدأتُ بعدها بالإعلان للطلاب المتوقع تخرجهم عن هذه الحملة، بعد أن زودني العميد بالشروط، وبالمكافآت التي تدفع لهم، وبطول المدة التي سيمكثونها، وبالمهام التي سيؤدونها، ليكتمل بعدها العدد، وتسير الحملة من العاصمة السعودية الرياض، متجهةً نحو المدينة المنورة عبر منطقة القصيم. وبعد الاستراحة القصيرة في مدينة الرسول عليه السلام، والصلاة في مسجدهِ الشريف، اتصلتُ بالمسؤولين في مديرية التربية والتعليم هناك، الذين كانوا في انتظارنا، وارسلوا معنا الدليل كي نلحق بحملة محو الأمية التابعة لوزارة المعارف السعودية آنذاك، والتي انطلقت قبلنا بيومين.
وتوجه الرَكبُ الى ميناء ينبع على البحر الأحمر، حيث تناولنا وجبة طعام الغداء من السمك الشهي المشوي والمقلي في أحد المطاعم المتخصصة، أوضح لنا خلالها الدليل بأن وجهتنا ليس بلدة ينبع النخل التي تبعد مسافة (70) كيلومترا عن ميناء ينبع، وإنما منطقة وادي العيص، التي تبعد عنه نحو (150) كيلومتراً، في منطقةٍ صحراويةٍ جافة، وهي من ضمن المناطق التي كانت تمر بها قوافل أبو سفيان في رحلتها بين بلاد الشام والحجاز. وما أن بدأنا بالسير نحو الهدف، حتى أدركنا مدى وعورة الطريق التي كانت في معظمها آنذاك صحراويةً تماماً وتمر بين أوديةٍ متعرجة وجبالٍ بركانية مبعثرة هنا وهناك، مما زاد من وقت المسير، في حر الصيف اللافح، وبدرجات حرارةٍ تفوق الخمسين.
وما أن وصلنا قرية العيص، التي تمثل واحةً صحراويةً بكلِ ما تحملهُ الكلمة من معنى، حتى استقبلنا أعضاء الحملة من وزارة المعارف السعودية، ليرافقوننا بعدها إلى المدرسة المتوسطة، التي اتخذت مقراً لحملة محو الأمية. وبدأنا بالاتصال بوجوه القرية في مسجدها، وتشجيعهم على التحاق الأميين منهم بالفصول الدراسية الليلية المخصصة لهذه المهمة. إضافةً إلى ذلك، فقد أعلنتُ شخصياً أمام الحضور، بأن طلبة كلية التربية بجامعة الملك سعود الخريجين هم من تخصصات مختلفة مثل: تدريس الرياضيات، وتدريس العلوم، وتدريس الدراسات الاجتماعية، وتدريس التربية الاسلامية، وتدريس اللغة العربية، وتدريس اللغة الإنجليزية، وأنه يمكن استقبال طلبة القرية في صفوف المدرسة نهاراً من أجل التقوية في مختلف التخصصات، وذلك حتى يزيد تأثير الحملة إيجابياً بالعمل نهاراً مع طلبة المدارس، وليلاً مع كبار السن لمحو أميتهم. .
وكم كان اختلاطنا بنحو ثلاثين من معلمي وزارة المعارف السعودية المشتركين في الحملة مفيداً، حيث المناقشة بين أنصار الأفكار التربوية القديمة نسبياً التي يتمسك بها المعلمون، وأنصار الأفكار التربوية الحديثة آنذاك، التي تربى عليها الطلاب العشرون، الذين تخرجوا من كلية التربية بجامعة الملك سعود بالرياض، ممن اشتركوا في الحملة. وكان الوقت في الغالب يوزع بين التدريس النهاري لتقوية طلاب المدارس، والتدريس الليلي لتعليم كبار السن، والباقي مناقشات تربوية، ودردشات متنوعة، والتفكير في عمل رحلات جماعية خلال عطلة نهاية الأسبوع. وقد امتد الأمر إلى التفكير في أنشطةٍ ثقافية، تمثلت في عمل لوحة حائط عن محو الأمية، طرحت فيها موضوعاتٍ تربويةٍ من الجانبين.
وقد حظيت الحملة بزيارة العديد من المسؤولين في مديريات التربية والتعليم المجاورة، وما ظهر خلالها من كرمٍ عربيٍ أصيلٍ من أهل المنطقة الصحراوية، الذين يتسابقون في إكرام الضيوف من المسؤولين، بل وجميع المشتركين في حملات محو الأمية الذين يتجاوزعددهم الخمسين. وكان اللقاء في الواقع عبارة عن ندوة حقيقية بين الضيوف والمضيفين، إذ يستفسر المسؤولون من أهل القرية عن مدى فاعلية أو فائدة حملات محو الأمية في قريتهم والتجمعات البدوية المجاورة. وكم كانت الأجوبة مثلجةً للصدر، عندما أكد وجوه القرية على أن الفائدة لم تقتصر على كبار السن، بل امتدت إلى طلاب المدارس من حيث التقوية العلمية، أو معالجة الطلبة المكملين في بعض المواد الدراسية. هذا بالإضافة إلى عرض أهل القرية لمطالبهم أمام المسؤولين، بزيادة القدرة الاستيعابية للمدرسة المتوسطة، أو بناء مدرسة ثانوية جديدة، حتى يتجنب الطلاب مشكلة التسرب المتوقع من المدارس، في ضوء التنقل اليومي مسافات ليست بالقصيرة إلى البلدات البعيدة نسبياً، نظراً لعدم وجود مدرسةٍ ثانويةٍ في منطقة العيص آنذاك. وفي الوقت نفسهِ كان سؤال المسؤولين إلى العاملين في حملات محو الأمية حول ما إذا كانت هناك بعض الصعوبات أو العقبات التي تحول دون إتمام مهام الحملة على أكمل وجه، وتذليل بعض العراقيل التي كانت تظهر أحياناً.
وكانت في الحقيقة تجربتي مع حملة محو الأمية، تمثلُ خبرةً إضافية مثمرة، التقيتُ خلالها مع من لهم سنوات طويلة في هذا المجال، وتعرفنا على معلمين مخضرمين، وقمنا بزيارة مواقع وقرى عربية سعودية عديدة لم يكن أمامي فرصة زيارتها مطلقاً لولا برنامج محو الأمية، مما جعلني أُقدر كثيراً الأشخاص الذين يبذلون جهوداً جبارة لتنوير عقول الأميين بنور العلم والمعرفة، سواءٌ ممن يضعون الكتب المتخصصة في هذا المجال، أو ممن يقومون بتدريس هذه الفئة، التي تحتاج بحقٍ إلى خدماتٍ جليلةٍ لتنوير عقولها، والأكثرتقديراً يكون لمن يقوم بالسفر إلى الأماكن النائية حتى يتيح الفرصة لمن حرمهم الزمان والمكان، من نعمة قراءة القرآن. ولحسن حظي أن نجاح حملة محو الأمية لذلك العام، شجع القائمين على كلية التربية بجامعة الملك سعود بالرياض على ترشيحي لحملةٍ جديدة في صيف قادم وكان صيف (1974/1975) والذي له حكاية أخرى، ورواية جديدة. .

jawdatmassa@gmail.com
profjawdat@yahoo.com


بواسطة : admin
 0  0  45