مرحباً بكم بموقع الدكتور عبدالله بن صالح المقبل. تم إنشاء هذا الموقع في عام 1996 حينما كنت ادرس مرحلة الدكتوراة بالولايات المتحدة الأمريكية.

  • ×

11:05 مساءً , الأربعاء 17 يناير 2018

الحلقة السادسة: ذكريات السنين الأولى في التدريس الجامعي

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
image

http://www.alrai.com/article/752155.html

صحيفة الرأي الأردنية (قسم الأبواب)


تاريخ النشر: الاحد: 29/11/2015- العدد: (16443)

الحلقة السادسة:
ذكريات السنين الأولى في التدريس الجامعي


image

بقلم: أ.د. جودت أحمد المساعيد

للتدريس الجامعي بالنسبة لي قصةً غريبة لم تكن في الحسبان. فما أن استلمتُ شهادة الماجستير في التربية من الجامعة الأردنية في أوائل شهر تموز من عام 1973م، حتى بدأتُ أبحثُ عن وظيفة للتدريس في المعاهد العليا أو الجامعات داخل الأردن أو خارجه. وفي إحدى أيام شهر آب(أغسطس) من العام نفسه، ذهبتُ إلى محل التجليد للرسائل الجامعية في وسط مدينة عمان، لتجليد نسختين إضافتين للاحتفاظ بهما، بعد العمل على تصديق عدة نسخ من شهادات البكالوريوس والماجستير إحتياطاً لأي طلب. وبعد أن انتهيتُ من مهمة التجليد، جاءتني فكرة المرورعلى الملحقية الثقافية السعودية في جبل الحسين، للاستفسار عما إذا كانت هناك فرصة للعمل الذي أرغب فيه.

وما أن دخلتُ من الباب، حتى بادرتُ السكرتيرة الجالسة بالسؤال عما إذا كانت هناك إعلانات عن وظائف في الجامعات أو المعاهد العليا السعودية، فردتْ على استفساري بمثلهِ قائلةً، وماذا تحمل من شهادات، فأجبتها بكالوريوس في الجغرافيا وماجستير في التربية. فما وجدتها إلا وقد هرعتْ مهرولةً إلى الداخل بشكلٍ مثير للدهشة، وما هي إلا هنيهة من الوقت حتى طلبت مني الدخول فوراً إلى ثلاثة أشخاص، كان أحدهم هو أ.د. سالم ماليباري، نائب رئيس جامعة الملك سعود في الرياض آنذاك. وقد رحب الحضور بي، وعرفوني بأنفسهم، وبدأ د. ماليباري بالاستفسار مستغرباً، هل صحيح بأنك تحمل بكالوريوس الجغرافيا وماجستير التربية؟ فأجبته بالإيجاب، ثم فتحتُ المظروف الورقي وقلت له، ها هي الإثباتات، حيث قمتُ صباح اليوم بتصديق نسخٍ من هذه الشهادات، وكان من بينها وثيقةً توضح بأنني كنتُ الأول على الدفعة في البكالوريس في مصر عام 1968من بين (286) طالباً وطالبة. فقال لي هل الماجستير برسالة أم بدونها، فقلت له، لحسن الحظ فإن هاتين النسختين اللتين أحملهما قد قمتُ بتجليدهما للتو، فتناول هو النسخة الأولى، في حين أخذ النسخة الثانية زميله الآخر، وقاما بتصفحهما بهدوء.

وما أن انتهيا من عملية التصفح، حتى قاما بتوجيه العديد من الأسئلة عن المواد التي درستها في مرحلة الماجستير، وعن مراحل كتابة الرسالة العلمية، وعن خبرتي في التدريس، كي أٌفاجأ بعدها بالقول: نحن بأمس الحاجة إلى تخصصك للإشراف على طلاب التربية العملية المتخصصين في الدراسات الاجتماعية في جامعة الملك سعود في الرياض، وقد كنا نبحث عن شخصٍ بمؤهلاتك منذ يومين، ونشرنا في الصحف الأردنية عن ذلك من بين تخصصات جامعية أخرى، وظننا للوهلة الأولى بأنك قد قرأت الإعلان، ولكنني أوضحت لهم بأن قدومي كان محض صدفة، ولم أقرأ تلك الإعلانات أبداً. وقام د. ماليباري بالحديث عن بنود العقد والراتب والسكن وتذاكر السفر وغير ذلك. ولكنني قلتُ لهم أنا معلم تابع لوزارة التربية والتعليم الأردنية، ولا أستطيع الخروج من البلاد بدون موافقتها، فقيل لي: أسرع للحصول على الموافقة قبل سفرنا بعد يومين إلى القاهرة.

وذهبتُ مهرولاً إلى مبنى وزارة التربية والتعليم في العبدلي، ومعي وثيقة بخط يد نائب رئيس جامعة الملك سعود وتوقيعه، بأنهم بحاجةٍ لتخصصي. وتوجهتُ فوراً إلى مكتب وكيل الوزارة آنذاك الأستاذ حكمت الساكت رحمه الله، الذي اتصل مدير شؤون الموظفين وقتها الأستاذ يوسف أبو كف، وسأله إن كان يوجد في المملكة أحد يحمل بكالوريوس الجغرافيا وماجستير التربية معاً، فقال نعم إنه جودت احمد سعادة فقط، فقال : مبروك، ووافق على طلبي، ونادى المعنيين بذلك، وطلبَ منهم إعداد خطاب الى الملحقية الثقافية السعودية بالموافقة، وقام رحمه الله بالاتصال الهاتفي بالدكتور سالم ماليباري، وأبلغه بأن الخطاب الرسمي في طريقه إليه، مما دعاه إلى انتظاري بعد ساعات الدوام، كي نوقع العقد مع خطابٍ لاستكمال إجراءات التأشيرة، وأخرى للطيران السعودي في حال الحصول على التأشيرة، والتي تمت قي وقتٍ قصير، سافرت بعدها دون العائلة للالتحاق بعملي الجديد في جامعة الملك سعود بالرياض.

وبعد أن وطأت قدمايّ مدينة الرياض السعودية بأسبوعٍ فقط، اندلعتْ حرب السادس من أكتوبر(تشرين أول) من عام 1973، بين الجيشين المصري والسوري من جهة، وجيش العدو الصهيوني من جهةٍ ثانية، تبعها تدخل اللواء الأربعين من الجيش الأردني الباسل من أجل مؤازرة إخوانه السوريين في هضبة الجولان. وكم كانت ردود الفعل مشرفة جداً لدى أعضاء هيئة التدريس في كلية التربية بجامعة الملك سعود، وفي غيرها من الكليات العديدة التابعة لتلك الجامعة. فبدأوا بجمع التبرعات الفورية، وتخصيص ربع الراتب لجميع الموظفين، ولمدة شهرين متتابعين لصالح المجهود الحربي العربي.

وما أن توقف القتال بعدها بفترةٍ وجيزة، حتى انتظمتْ الدراسة في كلية التربية، وقمتُ بتعليم إثنين من المقررات الدراسية هما: طرق تدريس الدراسات الاجتماعية، وإعداد المعلمين وتأهيلهم، بالإضافة إلى الإشراف على برنامج التربية العملية لطلبة هذا التخصص، وذلك في المدارس المتوسطة أو الأساسية العليا لمدينة الرياض، ولمدة ثلاثة أيام في الأسبوع، يقوم الطلاب خلالها بالاتصال بالمعلمين المتعاونين في المدارس المحددة لهم، كي يعملوا على تحضير الدروس تحت إشرافي شخصياً، وقبل إلقائها على طلاب تلك المدارس بوجودي مع بعض زملائهم، من أجل تسجيل الملاحظات الإيجابية أو السلبية خلال عملية التدريس الطلابي، يعقبها في نهاية الدوام، لقاء يجمعني بالطلبة جميعاً لمناقشة ما قام به كل منهم على حدة، لتوضيح نقاط القوة من أجل تدعيمها، وجوانب الضعف من أجل تجنبها أو التخلص منها، مشجعاً إياهم على تقبل النقد، واحترام وجهات النظر الأخرى التي تؤدي إلى تحسين عملية التدريس لديهم، حتى يؤدوا المهمة في المرات القادمة بشكلٍ أفضل. أما عن الأنشطة والخبرات التربوية الأخرى في تلك الجامعة، فللحديث بقية.

profjawdat@yahoo.com
jawdatmassa@gmail.com



بواسطة : admin
 0  0  43