مرحباً بكم بموقع الدكتور عبدالله بن صالح المقبل. تم إنشاء هذا الموقع في عام 1996 حينما كنت ادرس مرحلة الدكتوراة بالولايات المتحدة الأمريكية.

  • ×

12:52 مساءً , الجمعة 19 يناير 2018

الحلقة الثالثة: ماجستير التربية.. ذكريات الحنين والمحبة في رحاب "الأردنية"

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
image
صحيفة الرأي الأردنية(قسم أبواب)
تاريخ النشر: الأحد (1 – 11 – 2015) العدد (16415)

الحلقة الثالثة

ماجستير التربية.. ذكريات الحنين والمحبة في رحاب "الأردنية"

image
أ.د. جودت أحمد المساعيد
وما أن انتهى ثلث المائة من الدارسين لبرنامج دبلوم التربية من مهمة دراستهم له، وحصولهم على شهادة رسمية بذلك، حتى تمّ استدعاء أعلى خمسةٍ منهم للالتحاق ببرنامج الماجستير في التربية من الجامعة الأردنية، والذي حدث خلال الفصل الأول من العام الجامعي 1970/1971م. وكان التحاقي بهذا البرنامج يمثلُ انعطافةً نوعيةً جديدةً في حياتي الشخصية والأكاديمية معاً. ورغم فرحتي الغامرة بهذا القبول، إلا أنه كان هناك ما يؤلمني ويؤلم كل مواطن شريف، تلك الحوادث المؤسفة التي سيطرت على الساحة أيامها من اشتباكات مسلحة بين الأخوة، ألقت بظلالها على مسار الحياة بين الناس، وعلى رأسها الحياة الأكاديمية. فقد كان من الصعوبة بمكان عند الخروج من قاعة المحاضرات في الجامعة الأردنية بعد السابعة ليلاً خلال فصل الشتاء، أن أجد وسيلة نقلٍ عامةٍ أو خاصةٍ، تنقلني الى أقصى غرب مدينة صويلح.

وقد كنت أتلهفُ لرؤية ضوء أي سيارة تأتي من بعيد، ليزداد الأمل عندي من توفير ما لا يقل عن ساعةٍ ونصف من السير على الأقدام، وسط حالةٍ من البرد الشديد تارة، ومن انهمار الأمطار الغزيرة تارةً أخرى. ولكن معظم الأوقات كنت أسير في الظلام الدامس وفي هدوء تام، نظراً لانكفاء الناس في بيوتهم. وليتها كانت الأمور تقف عند هذا الحد، فما أن تطأ قدمايّ مدينة صويلح ذات الشوارع الخالية، حتى يخرج لي من هذه الزاوية أو تلك من يصوب السلاح في وجهي، ويوجه أسئلة عديدة للتأكد من سر مروري في هذا الوقت، وطبيعة المهمة التي أقوم بها. وكان بعضهم ممن يقتنع بالهدف العلمي ورسالته، يرسل معي أحدهم لمساعدتي في قطع مسافة المنطقة التي يسيطر عليها، ثم تتكرر هذه الحالة المؤلمة مع هذا الطرف أو ذاك لبرهاتٍ متعاقبة من الوقت. .
وكان ما يؤلمني أكثر فأكثر، سير والدتي العجوز رحمها الله ليلاً مسافة كيلومترين وسط الظلام الدامس والوحل الكثيف، حيث لم تكن هناك طرق معبدة فرعية وقتها تصل المنطقة التي نعيش فيها بمنطقة مثلث الحُمَر. وكان هدف الوالدة، هو الوصول إلى ذلك المثلث والمناداة كلما مرت بضع دقائق لعلي أسمع صوتها وتطمئن. وكم كانت تنتظر طويلا لحين وصولي، وكم كانت تعاني من الخوف والقلق والتعب وهي تنتظرفي شدة البرد، ولكن ما أن أسمع صوتها وأرد عليها حتى تنسى كل ألم، كي تتلقفني بحضنها الدافئ، ثم تبكي بحرقة لأنني عدتُ اليها.

ولما تكررت تلك المواقف المؤلمة والمخيفة والخطرة، قررتُ تأجيل ذلك الفصل الدراسي حفاظاً على نفسي أولاً، ورحمةً بتلك الأم الرؤوم التي كنت أشعر بأنها تموت وتحيى مرات عديدة كل أسبوع يمر في دراسة مقررات الماجستير ثانياً وأخيراً، وذلك في ظل مثل هذه الظروف الاستثنائية. ورغم انقطاعي المؤقت عن الدراسة، إلا أنني كنت أتابع عن كثب ما يدور في ذلك البرنامج من بعض الأخوة، مستعداً في الوقت ذاته لاستئناف الدراسة بحماسةٍ عاليةٍ في الفصل الثاني.
.
وبالفعل بدأ الفصل الدراسي الثاني بعد منتصف شهر شباط (فبراير) من عام 1971م، حيث أخذ النهار يزداد طولاً في وقته، وبدأ الأمن والاستقرار يعودان تدريجياً، وأصبح الجو الدراسي الجامعي ملائماً ليلاً ونهاراً، وعدتُ الى قاعات الدراسة من جديد، بعد استعدادٍ مسبقٍ طيلة الفصل المؤجل، حول بعض الموضوعات المتعلقة بالمقررات المخطط طرحها فيه. وظهر ذلك جلياً في المناقشات والحوارات والمشاركات من جانبي، والتي كانت مقتصرة مع أربعة دارسين آخرين وأستاذهم في كل مقرر من هذه المقررات.

وقد اختلف الوضع التعليمي والتعلمي في برنامج ماجستير التربية تماماً عنه في برنامج الدبلوم، في أن الوقت المخصص لكل دارس من الدارسين، قد ازداد أضعاف المرات عما كان عليه الوضع سابقا، إذ أن الجميع أمام أستاذهم، بل وكنا نجلس كثيراً في مكتبه الواسع والمزود بالمقاعد المريحة، والسبورة، والأقلام الملونة، من أجل ستخدامها وقت الحاجة من جانب الطرفين. وكان لا يستطيع أي واحدٍ منا أن يتجنب المشاركة الفعلية في تلك المناقشات بحجة وجود أربعة أو خمسة أشخاص يتصدرون الحوارات من بين ما يزيد عن الثلاثين دارساً في حالة برنامج دبلوم التربية.

وكانت الواجبات المسبقة هي السائدة هنا، حيث يتم توزيع الفصول من كتبٍ أجنبية على الدارسين الخمسة بشكلٍ فردي هذه المرة، وتحديد الحصص التي يقدمون فيها عروضاً شفوية Presentations أمام المجموعة وأستاذها، مسبوقةً بمقدمةً نظريةٍ من أستاذ المقرر حول كل موضوع من هذه الموضوعات. ويكون كل طالب قد قام بتصوير المادة ست نسخ، يقوم بتوزيعها قبل موعد عرضهِ للواجب بأسبوعٍ واحدٍ على الأقل، حتى تتاح للجميع الفرصة لقراءتها بعمق، ووضع الملاحظات والاستفسارات عليها، تمهيداً لإلقائها على من يأتي دوره في التقديم. وقد ساهمَ ذلك بقوة في تعزيز مهارات التفكير الناقد والتي تتمثل في التفسير والتحليل والتقييم والاستدلال والتنبؤ والتنظيم، علاوة على تشجيعها على مهارات التفكير الابداعي كالطلاقة والمرونة والأصالة والتوضيح.

ولم يقف دور أستاذ المادة على إعطاء مقدمة عن الموضوع فحسب، بل وكان يُعلقُ أيضاً على كثير من المعلومات التي يقدمها صاحب الواجب الأكاديمي، بل وعلى الأسئلة أو الاستفسارات العديدة التي كان يطرجها الزملاء الأربعة حول هذه النقطة أو تلك، بحيث كانت الحصة تمثل ندوةً علميةً حقيقية، يتم من خلالها تبادل وجهات النظر، التي كانت الاستفادة منها كبيرةً حتى لو كانت متعارضة، لأنها كانت تتيح لكل دارسٍ أن يدافع عن وجهة نظرهِ بالمعارف والمعلومات التي يمتلكها، وبالأدلة والبراهين والأمثلة التربوية والميدانية التي يعيشها في الوضع التربوي والمدرسي الحقيقي.

باختصار، فإن برنامج ماجستير التربية، قد ساعدني خلال دراسة مقرراته، وقبل كتابة الرسالة، في الانتقال من مرحلة أن أكون ناقلاً للمعارف والمعلومات فحسب، إلى مرحلة أن أصبح فيها أيضاً محللاً ومفسراً ومقيماً وناقداً لها، وساعياً إلى أن أكون مبدعاً إلى حدٍ كبير في اختيار موضوع رسالة الماجستير، وفي كتابته حسب الأصول، وهذا ما سيأتي الحديث عنه لاحقاً بإذن الله.
jawdatmassa@gmail.com
profjawdat@yahoo.com

بواسطة : admin
 0  0  55