مرحباً بكم بموقع الدكتور عبدالله بن صالح المقبل. تم إنشاء هذا الموقع في عام 1996 حينما كنت ادرس مرحلة الدكتوراة بالولايات المتحدة الأمريكية.

  • ×

12:52 مساءً , الجمعة 19 يناير 2018

الحلقة (57) من ذكرياتي في التربية والتعليم العالي تحت عنوان: الانتقال إلى جامعة النجاح بنابلس

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
image
http://alrai.com/article/10374235
صحيفة الرأي الأردنية (قسم الأبواب)

تاريخ النشر: الأحد: 29/1/2017- العدد: (16863)

الحلقة (57) من ذكرياتي في التربية والتعليم العالي تحت عنوان:
الانتقال إلى جامعة النجاح بنابلس
image

بقلم: أ.د. جودت احمد المساعيد
يحرص الأستاذ الجامعي دوماً، على تنويع خبراتهِ التدريسية والبحثية وخدماتهِ الاجتماعية، كي يطلع على الجديد مما يفعله أو ينتجه زملاؤه الآخرون في بيئاتٍ تعليمية وتعلمية مختلفة، وذلك من أجل تجديد معلوماته وأنشطتهِ، حتى يبقى مرغوباً فيه بين طلابه ضمن برامج الدراسات الدنيا أو العليا، وبين أقرانهِ من الأساتذة الآخرين، بل وبين رؤسائهِ أو مُشغليهِ في تلك الجامعات. ولا يتأتى ذلك الهدف العلمي والأكاديمي الكبير، إلا إذا انتقل ذلك الأستاذ بعد فترةٍ طويلة نسبياً من العمل في جامعتهِ الأصلية، إلى جامعةٍ أخرى وبيئة تدريسية جديدة.

ومن هنا، فقد جاءت التقاليد الجامعية العريقة لتؤكد بقوةٍ على هذه النقطة المهمة، عندما أكدت في أنظمتها وتعليماتها المتنوعة، على ضرورة حصول الأستاذ الجامعي بعد عملهِ لست سنوات متواصلة، على إجازة تفرغ علمي، ينتقل خلالها إلى جامعةٍ أخرى من أجل البحث العلمي أو التدريس أو الإثنين معاً. وهنا يتمكن ذلك الأستاذ من الاطلاع على خبرات الآخرين وأنشطتهم من أعضاء هيئة التدريس والإداريين الأكاديميين من ناحية، وملاحظة الإمكانيات المادية والمعنوية في البيئة التعليمية التعلمية الجديدة من ناحيةٍ ثانية.

ومع أن سنة التفرغ العلمي قد لا تكون كافيةً للأستاذ الجامعي، من أجل الاطلاع بعمقٍ على كل ذلك، فإنه إذا سنحت له الظروف بتجديد خدماتهِ لسنواتٍ أطول، فإن الفائدة المرجوة لتحقيق الأهداف العلمية والأكاديمية تكون أكثر إمكانيةً. وهذا ما حصل معي بالضبط ، إذ تكاتفت الظروف جميعاً من أجل البقاء في جامعة السلطان قابوس أطول من الفترة المحددة بسنة التفرغ العلمي، بل وبسنتين إضافيتين على شكل إجازة بدون راتب، التي منحتني إياها جامعة اليرموك التي أنتمي إليها في الأصل. فقد كان لي ثلاثة من الأبناء: خلدون ويدرس ماجستير الكمبيوتر بولاية متشجان الأمريكية، وإيهاب ويدرس الاقتصاد والعلوم الإدارية في مدينة بانجلور الهندية، ورائد، ويدرس الطب في جامعة العلوم والتكنو لوجيا الأردنية في إربد. وقد أجبرتني مثل هذه التكاليف الباهظة على الأبناء الثلاثة في وقتٍ واحد، على الاستقالة من جامعة اليرموك، عندما رفضت منحي المزيد من الإجازات بدون راتب، من أجل البقاء في السلطنة، حيث الراتب الأعلى بعدة أضعاف، لكي أتمكن من دعم استمرار تعليم الأبناء في جامعاتهم المختلفة.

وقد أتاحت لي الاستقالة من جامعة اليرموك، الاستمرار في العمل بجامعة السلطان قابوس لمدة عشر سنوات كاملة، كانت كافية لأن يتخرج الأبناء الثلاثة من الجامعات وأن يستلموا الوظائف التي تليق بالشهادات التي حصلوا عليها. وفي الوقت ذاته، استطعتُ خلال عملي في هذه الجامعة الخليجية، إكتساب خبراتٍ واسعةٍ جداً، بل وأيضاً متنوعة إلى درجة كبيرة، وخاصة بعد احتكاكي بأعضاء هيئة تدريسٍ كثيرين من جنسياتٍ عربيةٍ وأجنبيةٍ مختلفة، تخرجوا من جامعاتٍ عريقةٍ في مشارق الأرض ومغاربها.

وبما أن لكل بداية نهاية، وأن الاستمرار في جامعةٍ واحدة لفترةٍ طويلةٍ من الزمن، يؤدي إلى تكرار الخبرات ذاتها في الغالب، ويعمل على ضعف تجديد الفرد لنفسه، ونظراً للتغيير الكبير الذي طال رئاسة الجامعة، ومجيء إدارة جديدة تؤمن بتغيير الدماء ولا سيما في المناصب الإدارية الأكاديمية، فقد صدر خطابٌ واحد من الرئيس يشمل عشرين أستاذا جامعياً من أصحاب المناصب الإدارية الأكاديمية المرموقة كالعمداء ورؤساء الأقسام ومدراء المراكز، ممن أنهوا عشرة أعوام أو أكثر من الجنسيات الأمريكية والبريطانية والكندية والهندية والمصرية والأردنية والسودانية وغيرها، كنتُ أنا واحداً منهم، حيث أقيم حفلٌ وداعيٌ كبيرٌ ولائق، وزعت خلاله الهدايا التذكارية كانت عبارة عن الخناجر العُمانية المعروفة، مع إلقاء عددٍ من الكلمات الرقيقة، حول مأدبة عَشاءٍ أقيمت لهذا الغرض.

وعُدتُ بعدها مع عائلتي إلى الأردن في أواخر شهر تموز(يوليو) من عام 1998م، حيثُ كانت الجامعات الحكومية والخاصة، قد قامت مسبقاً بتعيين ما يلزمها من أعضاء هيئة التدريس، استعداداً لاستقبال العام الجامعي الجديد آنذاك، مما جعلني أعتكف في البيت لمدة ستة شهورٍ كاملة، وضعت خلالها اللمسات الأولى لتأليف ثلاثة كتبٍ جامعية تخصصية، وعملتُ على إكمال تأليفها بمدينة نابلس، والتي ذاع صيتها كثيراً في مختلف البلدان العربية من المحيط إلى الخليج، بعد صدورها من دار الشروق بالعاصمة الأردنية عمان. وهذه الكتب هي: تدريس مهارات التفكير مع مئات الأمثلة التطبيقية، وتدريس مهارات الخرائط ونماذج الكرة الأرضية، وصياغة الأهداف التربوية والتعليمية في جميع المواد الدراسية.

وقمتُ بعد عودتي إلى الأردن بقليل، بزيارة معالي الأستاذ الدكتور مروان كمال، في مبنى اتحاد الجامعات العربية بالعاصمة الأردنية عمان، حيث كان يشغل وقتها رئيس ذلك الاتحاد، وكانت تربطني به علاقة طيبة جداً، بحكم رئاسته السابقة لجامعة اليرموك التي عملت فيها تسع سنوات، إضافةً إلى زيارتهِ لسلطنة عمان والاجتماع بي مع نخبة من الأساتذة الأردنيين بجامعة السلطان قابوس. وعندما التقيتُ به في مكتبه، وبعد ترحيبه الحار المعتاد، فاجأني قائلاً: الحمد لله على سلامتك أولاً، ثم أنك قد حضرتَ في الوقت المناسب ثانياً، فقلت له: وما الخطب؟، فرد قائلاً: لقد طلب مني المسؤولون في إدارة جامعة النجاح الوطنية بنابلس، ترشيح أستاذ جامعي تربوي، ليعمل على تطوير كلية التربية فيها على مستوى الدراسات الدراسات الدنيا والعليا، ولن أجد أفضل منك لهذه المهمة مطلقاً، فاذهب إلى المنزل وشاور نفسك وعائلتك، وأريد الجواب بعد بضعة أيام، ثم أضاف قائلاً: وفي حال الموافقة وهذا ما أتمناهُ وأشدد عليه، أريدك إحضار جواز السفر من أجل استكمال الإجراءات لإصدار إذن دخول إلى الضفة الغربية.

وبعد استشارة أفراد العائلة، قمتُ ثانيةً بزيارة أ.د. كمال، وأبلغتهُ بالموافقة على الذهاب إلى جامعة النجاح بنابلس، وكانت تغمرني السعادة الحقيقية بأنني سوف تتاح لي فرصة الصلاة مراتٍ عديدة في المسجد الأقصى المبارك، بعد حرمانٍ دام ثُلث قرن من الزمان بسبب الاحتلال الصهيوني له وللضفة الغربية بكاملها بعد الخامس من حزيران(يونيو) لعام 1967م، إذ كنت أزوره مع المرحوم والدي مرة واحدة على الأقل في كل شهر وهو يوم الجمعة، وأربع مراتٍ خلال شهر رمضان المبارك، وذلك لأننا كنا نقطن في بلدة الشونة الجنوبية، التي كانت قريبة نسبياً وتربطها خطوط مواصلاتٍ قوية مع مدينة بيت المقدس قبل الاحتلال الغادر.

وفي مطلع عام 1999م، حصلتُ على إذن دخولٍ للضفة الغربية من مكتب ارتباط جامعة النجاح القريب من مسجد الجامعة الأردنية في عَمّان، على أن أحاول تنظيم أموري للسفر في منتصف شهر شباط (فبراير) من العام ذاته، حيث يكون الفصل الدراسي الثاني قد بدأ بالفعل. وتوجهتُ في الوقت المحدد إلى نابلس عن طريق جسر الملك حسين، بعد بلدة الشونة الجنوبية بقليل.
وعندما عبرتُ الجسر إلى الضفة الغربية، صُدمتُ جداً من هول ما رأيت من جنود الاحتلال الصهيوني. حيثُ وقفت حافلة الركاب الكبيرة أمام مبنى التفتيش، الذي يقع بجوارة تلة مرتفعة عليها مجموعة من الجنود الذين يصوبون رشاشاتهم على كل من يقف أمامهم. كما صعد أحد جنود الاحتلال إلى الحافلة وأخذ يحملق في وجه كل راكبٍ من الركاب، سائلاً عن الهوية الفلسطينية لمن يحملونها، وجوازات السفر لغيرهم، ثم طلب من الجميع النزول من الحافلة، التي خضعت هي والركاب لعمليات تفتيش غاية في الدقة والإهانة.

وبعد الوقوف طويلاً في ذلك الجو النفسي المتوتر، صعدنا في الحافلة، كي ننتقل إلى نقطة تفتيش أخرى تبعد عنها بضعة كيلومترات، والتي جلسنا فيها وقتاً أطول من الأولى، إتجهنا بعدها صوب مدينة أريحا المشهورة. ولكن قبل دخولها بعدة كيلومترات، كانت هناك منطقة تفتيش جديدة على كلٍ من البطاقات وجوازات السفر من جديد، إلى أن وصلنا إلى محطة الحافلات والتكسيات في بداية المدينة، كي أستقل واحدة منها مع أربعة من الركاب متجهين إلى مدينة نابلس. وكنت في الواقع لا أعرف أين تقع الجامعة داخل المدينة. وبينما كنت أتحدث مع من يجلس بجانبي، سألته عن موقع جامعة النجاح، فقال فوراً: هل أنت د. جودت سعادة، فقلت له أجل، ولكن كيف عرفت؟ فقال أنا مدرس في كلية التربية بالجامعة، ونحن نعلم منذ مدة أنك ستأتي للعمل معنا، فلا تقلق لأن الجميع بانتظارك. وعندما وصلنا أصطحبني إلى بيته وأكرمني، ثم اتصل بعميد الكلية حينئذٍ د. غسان الحلو، الذي هرع إلينا، كي ينقلني بسيارته إلى السكن المخصص لي، والذي كان يتوفر فيه الحاجات الأساسية، كي أبدأ بعدها بعهدٍ جديدٍ في جامعةٍ جديدة بالنسبة لي، تستحق حلقات عديدة من الذكريات القادمة.

وباختصارٍ شديد، فإن الأستاذ الجامعي الذي يتعود على تغيير الأماكن أو المواقع من أجل اكتساب خبراتٍ جديدةٍ، قد تكون بعضها تمر في ظروفٍ طبيعية مثل جميع الجامعات التي خدمتُ فيها من قبل، ولكن الخبرات في جامعة النجاح لها طعمٌ خاص ونكهة فريدة، مخلوطة بالمرارة والعذاب والآلام الجسدية والنفسية، التي لم تكن لتحصل لولا الاحتلال الصهيوني الجاثم على صدور المدرسين والطلبة، بل وجميع أبناء الشعب الفلسطيني المظلوم، بصفتهِ الشعب الوحيد على سطح الكرة الأرضية الذي لم ينعم بحرية الاستقلال بعد.

profjawdat@yahoo.com jawdatmassa@gmail.com
Website: http://www.jwdat.com






-

بواسطة : admin
 0  0  56