مرحباً بكم بموقع الدكتور عبدالله بن صالح المقبل. تم إنشاء هذا الموقع في عام 1996 حينما كنت ادرس مرحلة الدكتوراة بالولايات المتحدة الأمريكية.

  • ×

12:52 مساءً , الجمعة 19 يناير 2018

الحلقة (55) من ذكرياتي في التربية والتعليم العالي: قصة حادث مأساوي لأردنيين بجامعة السلطان قابوس

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
image
http://alrai.com/article/1036631///
صحيفة الرأي الأردنية (قسم الأبواب)

تاريخ النشر: الأحد: 15/1/2017- العدد: (16849)

الحلقة (55) من ذكرياتي في التربية والتعليم العالي:
قصة حادث مأساوي لأردنيين بجامعة السلطان قابوس
image

بقلم: أ.د. جودت أحمد المساعيد
رغم أنني لم أجد أي شخص أردني يعمل في جامعة السلطان قابوس عندما التحقتُ بها للتدريس عام 1988، سوى موظف إداري واحد في عمادة شؤون الطلبة، إلا أنه قبيل تقديمي للاستقالة منها بعد عشر سنوات كاملة من الخدمة، قد أصبح عدد من فيها من الأردنيين خمسةٌ وخمسين، معظمهم من أعضاء هيئة التدريس في كليات الجامعة المختلفة، مع القليل من الإداريين والفنيين.
ورغم أن إدارة شؤون الموظفين في الجامعة كانت تقوم بواجباتها على أكمل وجه عند تعيين أي موظفٍ جديدٍ من خارج السلطنة، حيث تعمل على توفير السكن الملائم من حيث المساحة والعفش والتكييف الدائم، إلا أنه كلما كان أفراد الجالية الأردنية يعلمون بيتعيين أيُ شخصٍ أردني جديد في تلك الجامعة، يتسارعون للتعرف إليهِ من أجل العمل على تقديم العونِ والمساعدة الأولية إليه، مثل مرافقتهِ في التنقل من مكانٍ لآخر في الأسواق القريبة، لشراء الحاجيات الضرورية، أواختيار سيارةٍ له ولعائلته بعد إصدار رخصة السياقة العُمانية المطلوبة، وإسداء النصح له من حيث تسجيل أبنائه في المدارس، وتوجيه الدعوات إليهِ من وقتٍ لآخر، كلما حصلت مناسباتٍ عند أفراد الجالية، حتى لا يشعر بالغُربة في المكان الجديد.
وتطورت العلاقة الأخوية بين الجالية الأردنية العاملة في جامعة السلطان قابوس ليس بين أفرادها فحسب، بل وكذلك مع أبناء الجالية ذاتها في مختلف مدن السلطنة، ولا سيما في العاصمة مسقط على وجه الخصوص، الذين كانوا ينظرون إلى أساتذة الجامعة كفئة مستنيرة يتم استشارتها من وقتٍ لآخر في أمور كثيرة تهم الجالية، والذي يتم دوماً بالتنسيق مع السفارة الأردنية بمنطقة شاطئ القُرم.
وكم كانت المناسبات أو عمل الولائم هي التي تجمع الكثيرين من أبناء هذه الجالية، وأذكر من بين أشهر هذه المناسبات، تلك التي جمعت نحو مائةٍ وخمسين شخصاً، عندما حصلتُ على رتبة الأستاذية من جامعة اليرموك في الثامن من تشرين الأول لعام 1989، خلال عملي في جامعة السلطان قابوس. وكان في ذلك الوقت قد تمّ تشكيل اتحادٍ سياسي بين أربعة أقطار عربية هي: الأردن ومصر والعراق واليمن، حيث قمتُ بدعوة السفراء الأربعة لتلك الدول إلى الحفل، مع بعض وجهاء هذه الدول في مسقط، بالإضافة إلى نخبة من أساتذة جامعة السلطان، بالإضافة إلى مجموعة طيبة من أساتذة الدولة المضيفة وهي السلطنة، وعلى رأسهم آنذاك أمين الجامعة الشيخ الدكتور حماد بن حمد الغافري. ومن أجل العمل على إنجاح الحفل، فقد تمَت إضاءة المنطقة المنبسطة الواقعة خلف الفيلا التي كنت أقطنها، وإحضار نحو مائة وستين كرسياً ومجموعة كافية من الطاولات من مقصف الجامعة، بتعليمات من سعادة الأمين، مع تولي مطعم في منطقة روي باستقبال خمسة عشر من الخراف المحشية التي تم تحضيرها مسبقاً، من أجل العمل على شِوائها فيه، وتوصيلها للبيت مع خمسة من الندلاء. وكانت ليلة جميلة جداً، إذ بعد تناول ما لذّ وطاب من الطعام والحلوى والشراب، أُلقى السفراء الأربعة كلماتهم، وكان للشعراء والخُطباء الفُصحاء نصيبهم من الشِعرِ والنثرِ في ذلك الحفل.
واستمرت المناسبات السعيدة تتوالى، وتجمع الكثير من أبناء الجالية الأردنية سواء داخل الجامعة أو خارجها من وقتٍ لآخر، ولكنها كانت تزداد في عددها خلال شهر رمضان المبارك من كل عام، إلى الدرجة التي كان يصعب على بعضنا أن يتناول الإفطار مع عائلته في هذا الشهر الكريم، نظراً لكثرة ارتباطاته مع الآخرين. ومع ازدياد عدد الأردنيين في الجامعة عاماً بعد عام، نشأت ما يمكن تسميته بالدواوين ليس بين الرجال فقط، بل وبين النساء كذلك. فقد كان يتم اجتماع عدد لا بأس به من أفراد الجالية عند أحد الزملاء في ليلةٍ يتم الاتفاق عليها جماعياً، وينتقل الدور من زميلٍ لآخر. وكان يتم في ذلك اللقاء البسيط تبادل أخبار الوطن مع أخبار الجامعة، وطرح أفكارٍ جديدة حول تطوير العلاقة بين العائلات مثل التخطيط للقيام بزيارات عائلية إلى الحدائق العامة التي تشتهر بها مسقط، أو حتى زيارة المناطق السياحية التي تشتهر بها السلطنة خلال الإجازات القصيرة، أو زيارة دولة الإمارات العربية المتحدة ولا سيما مدينة دُبي خلال الإجازات المتوسطة في طولها الزمني. أما النساء فكن يجتمعن خلال الفترة الصباحية وبشكلٍ دوري للتسلية وتبادل الأخبار والأفكار في وقتٍ واحد.
وبقيت الأمور حسنةً للغاية في معظمها، إلى أن وقع حادث سيرٍ مأساوي لخمسةٍ من أعضاء هيئة التدريس الأردنيين من عُشاق الكمبيوتر وتكنولوجيا المعلومات، الذين ذهبوا في سيارة دفعٍ رباعيٍ لحضور معرض خاص بالكمبيوتر في مدينة دبي الإماراتية لثلاثة أيام بموافقةٍ رسميةٍ من إدارة الجامعة في عام 1997، كي يختاروا البرامج والأجهزة المناسبة والحديثة آنذاك، لخدمة الأقسام الأكاديمية ذات العلاقة، كي يتم شراؤها رسمياً فيما بعد. وما أن أنهوا مهمتهم في دبي، حتى عادوا أدراجهم إلى السلطنة.
وبعد دخولهم حدود السلطنة بقليل، اشتد انهمار الأمطار الغزيرة، التي جرفت الأتربة الصفراء وقذفتها على شكل طينٍ في عرض الشارع، في منطقةٍ منحدرةٍ، حيث فوجئ السائق بعد صعودهِ إحدى التلال المرتفعة ثم هبوطهِ إلى منطقةٍ منحدرة، بوجود هذا الكم من الطين اللزج، الذي أدى إلى تزحلق سيارة الجيب، وفقدان السائق السيطرة عليها تماماً، ثم انحرافها بسرعةٍ نحو الوادي، حيث انقلبت عدة مرات أدت إلى وفاة الدكتور نائل الرواشدة من كلية الطب، والدكتور يوسف الزبدة من كلية الهندسة وكلاهما من المعارين من جامعة العلوم والتكنولوجيا الأردنية في مدينة إربد، مع إصابة الأساتذة الثلاثة الباقين بجروحٍ بليغة نُقِلوا جميعاً بعد فترةٍ ليست بالقصيرة إلى مستشفى مدينة صُحار، التي كانت تبعد نحو خمسين كيلومتراً عن مكان الحادث.
وقد جاء هذا الخبر الصاعق عن طريق الهاتف من مستشفى صُحار إلى إدارة جامعة السلطان قابوس قبيل انتهاء الدوام الرسمي للجامعة. وكنتُ وقتها قد غادرتُ مكتب رئاسة قسم المناهج عائداً إلى البيت. وقبل أن أخلع ملابسي استعداداً لتناول وجبة الغداء، إذا بالطارق على الباب، كي أجد مندوب معالي رئيس الجامعة يطلبني للخارج قليلاً وهو متجهم الوجه رغم أنني أعرفه مبتسم المُحَيا دوماً . فدعوته لدخول البيت كي نتناول وجبة الغداء سويةً، حيث كانت تربطني به علاقة طيبة جداً، ثم قلتُ له مازحاً: ما بكَ يا أخ العرب إذا كان الموضوع هو إنهاء عقدي مع الجامعة لأي سببٍ فلا عليك، فإن الرزقُ على الله وحدهُ، فقال: لو كان الأمر هكذا لكان أهون بكثير، ثم أردفَ قائلاً: أرجوك تعال معي إلى رئاسة الجامعة، حيث يريدونك فوراً، دون أن يعطيني أي معلومات، مما زاد من قلقي وتوتر أعصابي، وأنا أفكر في الطريق بالمصيبة التي قد أكون وقعتُ فيها دون أن أعلم.
وفي الطريق ناشدتهُ أن يبلغني ولو بكلماتٍ قليلة عن الخطب المدلهم، حتى أستطيع تهيئة عقلي للتفكير، بدلاً من الوصول إلى هناك ويفاجئونني بالخبر. عندها قال لي: رغم أن معي تعليمات بعدم إبلاغك إلا بعد وصولك إلى رئاسة الجامعة، إلا أنني أخبرك بأن سيارة الدكتور عبدالله حسين من قسم الحاسوب قد انقلبت في أحد الأودية قرب الحدود مع دولة الإمارات العربية المتحدة وتوفي اثنان من الركاب، وجراح الباقين خطرة. والتقيتُ في رئاسة الجامعة مع سعادة الأمين العام، الذي أعلن عن بالغ حزنه وحزن معالي رئيس الجامعة يحيى بن محفوظ المنذري بما حصل، وطلب مني دعوة نخبة من الأردنيين العاملين في الجامعة إلى بيتي، ودراسة الأمر، وتشكيل وفد منهم الليلة لمرافقة سيارات الإسعاف التي سوف تتجه إلى مدينة صُحار لنقل الجثث والجرحى إلى مستشفى الجامعة.
وما أن اتصلتُ ببعضهم وطلبتُ منهم إبلاغ عددٍ من زملائهم بالخبر المؤلم، حتى تداعى معظمهم إلى البيت، وسط ذهولٍ وحزنٍ شديدين. وعندها تدارسنا الموضوع بمسؤوليةٍ عاليةٍ، اتفقنا أولاً بضرورة مصاحبة سيارات الإسعاف من جانب خمسةٍ أشخاص ممن تطوعوا للذهاب إلى صُحار، والتمهيد التدريجي لإبلاغ عائلات المتوفين والجرحى بالخبر اليقين، ثم عمل الترتيبات الخاصة بنقل الجثمانين بالطائرة مع العائلتين، ثم استقبال المعزين. وقد تجلت أروع معاني التكافل والتلاحم بين قاطني الحرم الجامعي الواحد وخارجه، حينما تمَ جمع التبرعات النقدية، والمشاركة في مراسم التشييع إلى مطار مسقط الدولي تمهيداً لإعادتهم لبلادهم، وحضور جلسات العزاء التي أقيمت في منزلي شخصياً ولثلاثة أيامٍ متتالية.
وتفادياً لحدوث مشكلات في المستقبل بين عائلتي الفقيدين وسائق السيارة الدكتور عبدالله حسين، فقد تمَ تداول الأمر مع أقارب الموتى بعد حضورهم، الذين أظهروا استعداداً منقطع النظير لإسقاط الحق عن السائق إذا كان له نصيبٌ في الحياة، لأنه كان وقتها يرقد في غرفة الإنعاش. لذا، تمت كتابة صك صُلح عائلي حضرهُ مندوبون من السفارة الأردنية ومن إدارة جامعة السلطان قابوس، ومن شرطة عُمان السلطانية، ومن أقارب الفقيدين، ومن نخبةٍ من أبناء الجالية الأردنية، حيث تم التوقيع على إسقاط الحق عن السائق، واعتبار الحادث عبارة عن قضاءٍ وقدر. وكان الحادث مؤلماً بكل المقاييس لفقدان الأحبة، ولكنها إرادة الله عز وجل.
profjawdat@yahoo.com jawdatmassa@gmail.com
Website: http://www.jwdat.com

بواسطة : admin
 0  0  61