مرحباً بكم بموقع الدكتور عبدالله بن صالح المقبل. تم إنشاء هذا الموقع في عام 1996 حينما كنت ادرس مرحلة الدكتوراة بالولايات المتحدة الأمريكية.

  • ×

02:01 مساءً , السبت 20 يناير 2018

الحلقة (53) من ذكرياتي في التربية والتعليم العالي: ذكريات خدمة المجتمع العُماني

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
image
http://alrai.com/article/1034326/
صحيفة الرأي الأردنية (قسم الأبواب)
تاريخ النشر: الإثنين: 16/12/2016- العدد: (16829)

الحلقة (53) من ذكرياتي في التربية والتعليم العالي:
ذكريات خدمة المجتمع العُماني
image

بقلم: أ.د. جودت أحمد المساعيد
تُقاس كفاءة الأستاذ الجامعي ومدى تميزهِ في عمله،ِ بتوفر مجموعةٍ من الشروط العلمية والأكاديمية التي تؤدي إلى نجاحهِ وانتشار سمعتهِ بين طلابه وزملائه، بل وبين أفراد المجتمع الذي يعيش فيه أيضاً. وتتمثل أهم هذه الشروط في امتلاكهِ لِرَصيدٍ معرفيٍ ومعلوماتيٍ عميق في كلٍ من مجال تخصصهِ العام ومجال تخصصهِ الدقيق، واستخدامهِ لأساليب تدريسية متنوعة وفاعلة، تؤدي في نهاية المطاف إلى شد انتباه الطلبة طيلة فترة الحصة، وتشجيعهم على التفكير في كل ما يسمعون أو يُشاهدون خلالها، وإلى تحفيزهم على المشاركة بفاعليةٍ كبيرة مع كل ذلك. هذا إضافةً إلى مشاركتهِ النشطة في اللجان الجامعية العديدة، ونجاحهِ في العمل الإداري الجامعي، إذا أوكلت له مهام رئاسة قسم أكاديمي، أو إدارة مركزٍ علمي، أو عمادة كليةٍ من الكليات، أو رئاسة جامعةٍ من الجامعات.

أما الشرط الثاني من شروط الكفاءة للأستاذ الجامعي الناجح، فتتلخص في نشرهِ لعددٍ وافرٍ من البحوث العلمية الرصينة، في مجلاتٍ أو دورياتٍ علمية مُحَكَمةٍ مرموقة، تصدر عن جامعاتٍ عريقة، أو مؤسساتٍ مهنيةٍ تخصصيةٍ مشهورة، بحيث تُسهم هذه البحوث بشكلٍ حقيقيٍ في تطوير تخصصهِ الرئيس من جهة، وخدمة الخطط التنموية للمجتمع على المستوى المحلي أو الإقليمي أو الدولي، وحل بعض مشكلاته المعقدة، وتعزيز طموحاتهِ المختلفة من جهةٍ ثانية.

ويتمثل الشرط المهم الثالث من شروط كفاءة الأستاذ الجامعي المتميز، بخدمتهِ الفعلية للمجتمع الذي تتواجد فيه الجامعة التي ينتمي إليها أو يعمل فيها. ويكون ذلك عن طريق عقد الندوات التخصصية، وتقديم المحاضرات العامة، وعمل البرامج التدريبية اللازمة، وتقديم الاستشارات المرغوب فيها، وتلبية الطلبات المقدمة من المؤسسات أو الوزارات أو الجمعيات العامة أو الخاصة، وتلمس المشكلات المجتمعية ذات الطابع العام، والتعاون الوثيق مع المسؤولين من أجل دراستها، تمهيداً لحلها جذرياً أوالتخفيف من حدتها على الأقل.

وخلال عملي لمدة عشر سنوات كاملة، أستاذا ورئيساً لقسم المناهج وطرق التدريس في جامعة السلطان قابوس، فقد حاولتُ جاهداً تحقيق الشروط الثلاثة المتعلقة بكفاءة الأستاذ الجامعي مجتمعةً. ونظراً لأن شرط التدريس الفعال، والمشاركة في اللجان العلمية المختلفة، وإدارة القسم الأكاديمي، ونشر البحوث الكثيرة في مجلات مرموقة، قد تعرضتُ لها في مقالاتٍ سابقة، فسوف تقتصر هذه المقالة على الشرط الثالث فقط والمتمثل في الأنشطة المبذولة لخدمة المجتمع الذي تنتمي إليه الجامعة التي أعمل فيها، وهو المجتمع العربي العُماني.

وكان أول نشاطٍ لي في هذا الصدد، قد ساهمتُ به في الشهور القليلة الأولى من التحاقي بالجامعة في الثلث الأخير من عام 1988م، حيثُ عُقِدت ندوة علمية لمدة ثلاثة أيام في مدينة مسقط ، اشترك فيها جميع أعضاء هيئة التدريس بقسم المناهج الذي أقوم برئاسته، مع أعضاء مجلس تطوير المناهج والكتب المدرسية في وزارة التربية والتعليم العُمانية. وكان رئيس الجامعة ووزير التربية والتعليم آنذاك، معالي الدكتور يحيى بن محفوظ المنذري، قد قام بتكليف المستشار العلمي والأكاديمي الخاص به، وهوالأستاذ الدكتور طاهر عبد الرازق، قبل ذلك بفترة كافية، بعمل دراسةٍ شاملة ودقيقة حول تقييم مناهج المرحلة الإعدادية في سلطنة عُمان ومناقشتها بالتفصيل من جانب المتخصصين تمهيداً لتطويرها. وكان قد تمَ قبل عقد الندوة بثلاثة أسابيع، توزيع التقرير الموسع عن الدراسة، وهو عبارة عن مجلد كبير، تمَ التعرض فيه إلى أهداف الدراسة وأسئلتها وأدبياتها التربوية، وإجراءاتها البحثية، والأساليب الإحصائية المستخدمة فيها، ونتائجها التفصيلية، وتوصياتها العديدة، ومراجعها العربية والأجنبية المتنوعة.

وكانت المشاركة من جانبي في تلك الندوة فاعلة جداً، بعد أن أُتيحت لي فرصة قراءة المجلد الخاص بالدراسة، مع وضع الملاحظات الكثيرة حولها، وهي التي كانت تمثل قطب الرحى بالنسبة إلى ما دارت من مناقشات إيجابية طيلة الأيام الثلاثة للندوة بين المشاركين في الندوة ذاتها. وكم كان الجو علمياً بكل ما تحمله الكلمة من معنى، أثناء انعقاد الندوة، إذ تمّ تبادل الأفكار والآراء ووجهات النظر بدرجةٍ عالية من الشفافية. ومما زاد في فعالية الندوة، حضور المسؤولين الكبار في الجامعة وفي وزارة التربية والتعليم، ومساهمتهم الفعلية في تلك المناقشات، وذلك خدمة للنشء الصاعد، الذي يمثل العنصر الأساس لمستقبل المجتمع الذي يعيشون فيه. وما أن أوشكت الندوة على الانتهاء، حتى تمَ تسليم صاحب الدراسة واللجنة التابعة له، مجموعة التعديلات والملاحظات والتوصيات الجديدة، كي تلبي الدراسة طموحات المجتمع العُماني في تنشئة الأجيال التي تعتمد في مدارسها على مناهج مدرسية معاصرة، تجعل منهم أشخاصاً مفكرين بكل ما يقرأون أو يسمعون أو يلاحظون من حولهم.

وقد تتابعت أنشطة خدمة المجتمع كثيراً بعد ذلك، إلى الدرجة التي يصعب معها الحديثُ عنها جميعاً، مما يجعلني أقتصر على أكثرها أهميةً. ومن بين تلك المناشط ذائعة الصيت التي حدثت وشاركت فيها بفاعلية، تلك الدورة التي عُقِدَت في كلية مجتمع مسقط ، تحت إشراف المنظمة الدولية للتربية والثقافة والعلوم ( اليونسكو UNESCO)، وذلك من أجل رفع كفايات مديري المدارس العمانية ومديراتها. وهنا، فقد تمّ تكليفي بكتابة مادة علمية حول موضوع: (مفهوم المنهج المدرسي وعناصره واتجاهاته الحديثة)، مع تزويد تلك المادة بالأنشطة التطبيقية على المناهج المدرسية العُمانية المقررة، وتدريب جانبٍ من مديري المدارس عليها في خمسة لقاءات علمية متعاقبة، ولمدة ساعتين لكل لقاء، مع تقديمهم لاختبارٍ رسمي، وتصحيح أوراق الإجابة، وتسليم النتائج للقائمين على الدورة من المنظمة الدولية. وكم كانت تلك الدورة مفيدة لقطاع مديري المدارس في المراحل المختلفة، بعد اطلاعهم على الجديد في مجال المناهج المدرسية، وكيفية التعامل معها، والعمل على تقييمها وتطويرها، ومتابعة المعلمين والمعلمات خلال تنفيذهم لها، باعتبار أن كل مدير أو مديرة منهم عبارة عن مشرف تربوي مقيم في المدرسة التي يديرها.

ونظراً لأن عملية التخطيط للدروس اليومية مهمة للغاية بالنسبة للمعلمين والمعلمات، فقد كان نشاط خدمة المجتمع التالي يتمثل في التنسيق الذي تمّ بين وزارة التربية والتعليم من جهة، وقسم المناهج وطرق التدريس بجامعة السلطان قابوس من جهةٍ ثانية، من أجل عقد دورة للمشرفين التربويين وعدد من معلمي المرحلة الثانوية حول تخطيط الدروس اليومية ولمدة ثلاثة أيام، بحيث يتم تسجيل تلك الدورة النظرية والتطبيقية في وقتٍ واحد، داخل استوديو قسم تكنولوجيا التعليم بالوزارة، حتى يتم توزيع الأشرطة على المدارس، من أجل استفادة أكبر عدد من المعلمين منها، على أن يقوم أعضاء هيئة التدريس بقسم المناهج وطرق التدريس في الجامعة بالمحاضرات والتدريبات. وقد أُنيط بي تقديم محاضرتين مع التدريبات خلال تلك الدورة. وكم كان لهذا النشاط أثره الإيجابي أيضاَ في خدمة قطاع المدارس داخل المجتمع العماني.

ولما شاع خبر تلك الدورة، وما قام به قسم المناهج من تدريب المعلمين، فقد أخذت بعض المدارس، وبالذات ممن يطبق فيها طلابنا برنامج التربية العملية، بالإتصال بنا هاتفياً أو كتابياً، طالبين تدريب معلميهم على صياغة الأهداف التدريسية أولاً، وعملية تخطيط الدروس اليومية ثانياً. وأذكر من بين أهم هذه المدارس: مدرسة المثنى بن حارثة، ومدرسة الخليل بن أحمد الفراهيدي، ومدرسة الخوض الثانوية، حيث قمت بعقد دورات تدريبية في هذه المدارس الثلاث بنفسي.

وبما أن قلق امتحان شهادة الدراسة الثانوية يبقى مشكة تقض مضاجع ليس الأبناء والبنات فحسب، بل وأولياء الأمور أيضاً، فقد تلقينا في قسم المناهج بالجامعة، خطابات رسمية من عددٍ من المدارس الثانوية للذكور وللإناث، حول رغبتهم في إلقاء محاضرات عامة فيها، يحضرها الطلبة ومعلميهم وبعض أولياء الأمور الراغبين في ذلك. وقد قمتُ بالفعل بعمل محاضرات عن هذا الموضوع المهم في المدارس الآتية على مدى عدة سنوات وهي: مدرسة جابر بن زيد الثانوية للبنين، ومدرسة السيب الثانوية للبنين، ومدرسة دوحة الأدب الثانوية للبنات، ومدرسة نسيبة بنت كعب المازنية الثانوية للبنات.

وفي إطار التخفيف من صعوبة بعض المقررات الدراسية لطلبة الثانوية العامة في السلطنة، بعد تكرار الشكاوي عنها، فقد كلفتني إدارة جامعة السلطان قابوس وبتوصيةٍ من المسؤولين عن تخطيط المناهج وتطويرها في وزارة التربية والتعليم، بأن أقوم برئاسة لجنة مصغرة من أجل قراءة كتاب الجغرافيا المقرر على طلبة الثانوية العامة (الفرع الأدبي)، وإعادة صياغة الأجزاء الجافة منه بأسلوب يسهل فهمه من جانب الطلبة. وقد تمّ إنجاز المهمة وتعديل الكتاب بعد عقد العديد من الاجتماعات، إذ شعر الطلبة وأولياء أمورهم بعد ذلك بالارتياح إتجاه هذه الخطوة، مما كان له الأثر الإيجابي على خدمة المجتمع العماني.

باختصار شديد، فإن تميز الأستاذ الجامعي لا يتأتى عن طريق نجاحه في تدريس طلابه فحسب، ولا بنشر البحوث الكثيرة والمفيدة فقط، بل قبل هذا وذاك، تظل خدمة المجتمع المحلي هي الزاوية الأساس لمن أراد من أساتذة الجامعات أن يؤدي رسالته الجامعية على الوجه الأكمل، لا لشيء إلا لأن الطلبة أنفسهم وأعضاء هيئة التدريس كذلك، هم في الواقع ليسوا إلا أبناء هذا المجتمع، ويحرصون دوماً على خدمته وإعلاء شأنهِ، حتى تتقدم الأمة خطوات كبيرة نحو الأمام بعزيمة أبنائها، وبكل قوةٍ واقتدار.


profjawdat@yahoo.com jawdatmassa@gmail.com
Website: http://www.jwdat.com

بواسطة : admin
 0  0  70