مرحباً بكم بموقع الدكتور عبدالله بن صالح المقبل. تم إنشاء هذا الموقع في عام 1996 حينما كنت ادرس مرحلة الدكتوراة بالولايات المتحدة الأمريكية.

  • ×

11:06 مساءً , الأربعاء 17 يناير 2018

الحلقة الخمسون من ذكرياتي في التربية والتعليم العالي: قصص ذكريات الرحلات إلى دولة الإمارات

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
image
http:// alrai.com/article/1029302/
صحيفة الرأي الأردنية (قسم الأبواب)

تاريخ النشر: الأحد: 4/12/2016- العدد: (16807)

الحلقة الخمسون من ذكرياتي في التربية والتعليم العالي:
قصص ذكريات الرحلات إلى دولة الإمارات
image

بقلم: أ.د. جودت احمد المساعيد
يعشق الإنسان بطبيعتهِ دوماً هواية الترحال من مكانٍ إلى آخر، كلما سنحت له الفرصة بذلك، وكلما ساعدته الظروف المحيطة به على القيام بها. وقد يدفعه الترحال إلى تجديد النشاط له ولعائلتهِ من جهة، والاطلاع على الجديد من البشر والشجر والحجر من جهةٍ ثانية. وتزداد هذه الهواية قوةً ورغبةً لدى الفرد إذا كان تخصصه العلمي الدقيق يشجع على تطبيقها، ليس من أجل النزهة ومشاهدة المناطق الطبيعية التي لم يرها من قبل فقط، أو ملاحظة النشاط البشري للسكان القاطنين فيها فحسب، بل وأيضاً من أجل الكتابة التوثيقية عن هذا وذاك. وهو ما جعل من تخصصي الرئيسي الدقيق والمتمثل في مناهج وطرق تدريس الدراسات الاجتماعية، ومن تخصصي الفرعي المتمثل في الجغرافيا البشرية، يحتم على الأستاذ فيهما أن يحرص تماماً على أداء واجبه العلمي والأكاديمي، للاطلاع على الأنشطة البشرية والظروف الطبيعية في أماكن شتى من العالم، إذا ما استطاع الوصول إليها بسهولةٍ ويُسر.

وكانت أول زيارةٍ لي لدولة الإمارات المتحدة في نيسان(أبريل) من عام 1988، عندما كنتُ رئيساً لقسم التربية وعلم النفس بجامعة اليرموك، حيث حضرتُ المؤتمر الدولي للمناهج في جامعة الإمارات العربية المتحدة بمدينة العين، مع أساتذة جامعات من معظم الأقطار العربية. وكان اللقاء علمياً ومثمراً من الطراز الأول، حيث تمَ فيه عرض العديد من البحوث والأوراق العلمية المتنوعة، وتمّ من خلاله التعرف أيضاً على العديد من أساتذة التخصص المرموقين في عالم المناهج وطرق التدريس.

وكم كانت فترة وجودي في سلطنة عُمان حافلةً بالتنقل والزيارات الميدانية والعائلية، عندما عملتُ أستاذاً ورئيساً لقسم المناهج في جامعة السلطان قابوس لمدة عشر سنواتٍ كاملة، مما أضاف لي الكثير من المعلومات والخبرات المباشرة، عن طبيعة البلاد والعباد في السلطنة، والتي تمَ توثيقها في العديد من الحلقات السابقة التي نشرتها صحيفة الرأي الغراء. لأن مثل هذه الرحلات إذا لم يتم توثيقها لأهدافٍ علميةٍ وتاريخية واجتماعية، فإنها لا تعدو كونها مجرد لهوٍ أو استمتاع مؤقت بزيارة مكانٍ ما أو مجموعةٍ من الناس هنا وهناك.

وما أن غطت رحلاتي العديد من المناطق الجميلة في سلطنة عُمان، حتى أتاحت لي ظروف وجودي فيها، الفرصة الذهبية لزيارة دولة الإمارات العربية المتحدة مرات عديدة، لا سيما وأن القوانين وقتها، كانت تسمح لمن يعمل في السلطنة من غير أبنائها، أن يزور دولة الإمارات بدون تأشيرة دخول، ما دامت لديه إقامة عملٍ رسمية. وقد فتح ذلك المجال على مصراعيه لتلبية رغبة بعض الأقارب والأصدقاء الذين كانوا يعيشون في مدن دُبي وأبو ظبي والعين والشارقة وعجمان من ناحية، والاطلاع على النهضة العمرانية والمناطق السياحية والتجارية المذهلة في دولة الإمارات المتحدة من ناحيةٍ ثانية.

وكانت المسافة الواقعة بين مدينة مسقط ومدينة دُبي تقارب الأربعمائة كيلومتراً، تقطعها السيارة دون استعجال شديد في وقتٍ يصل إلى أقل من خمس ساعاتٍ بقليل، في ضوء توفر الطرق المعبدة الممتازة. وعندما كنتُ أختار قضاء إجازة الأعياد مع أفراد عائلتي في دُبي، ونخرج من مسقط بعد صلاة فجر يوم عيد الفطر أو فجر يوم عيد الأضحى، فإن المسافة كانت تحتاج إلى وقتٍ أقل من أربع ساعات، وذلك نظراً لخلو الطريق تقريباً من السيارات.

وكنا نختار الإقامة في أحد فنادق منطقة ديرة دبي، حيث الأسواق الكثيرة، والتنوع غير المحدود في المعروض من الأجهزة والأدوات والأقمشة والملابس، وكل ما يخطر على البال تقريباً. كما تجد من المجموعات البشرية ما يمكن أن يوصف بأنه تمثيل حقيقي لهيئة الأمم المتحدة، حيث تجد العربي والهندي والصيني والأمريكي والأفريقي والروسي والياباني وغيرهم الكثير من أجناس الأرض، مع ملاحظة وجود غالبية هندية وباكستانية، نظراً لقرب هاتين الدولتين النسبي لدولة الإمارات المتحدة.

وتبدو منطقة ديرة دبي بشكلٍ خاص كخلية نحلٍ على مدار الساعة تقريباً، مع حدوث ازدحامٍ شديدِ في الفترة الواقعة ما بين الرابعة عصراً وحتى منتصف الليل، حيث تكتظ الشوارع بالمشترين والسائحين على حدٍ سواء. وترى الناس وهم يتنقلون من سوقٍ إلى آخر، بعضها يغلب عليه الطابع الشعبي، والآخر تأثر بنمط التجمعات التجارية الضخمة في الدول المتقدمة والتي تسمى عادةً بالمولات. ومن بين أهم الأسواق الشعبية ذات البضاعة الرخيصة نسبياً سوق نايف، الذي يشهد طيلة أوقات اليوم إزدحاماً ملحوظاً من الناس على البضائع باختلاف أنواعها، مع التركيز على الملابس وألعاب الأطفال بالدرجة الأساس.

ومن الأسواق الشعبية الأخرى في ديرة دبي سوق التوابل والبهارات، الذي يتم فيه عرض معظم التوابل المشهورة في العالم، والذي يجبرك قبيل دخولهِ على استنشاق روائح الأعشاب العطرية الجميلة في أزقة السوق الضيقة، حيث السِلال المملوءة بها في كل منعطف. كما يشاهد الزائر أكياس التوابل، والبخور، وبتلات الورود، والمنتجات الطبية التقليدية مكدّسة أمام كل متجر في ذلك السوق. وإذا كنت تسعى للشراء، فالمساومة على الأسعار أمر معتاد في الأسواق وحتى في المتاجر، وما عليك سوى أن تسعى للحصول على أفضل الأسعار.

ويظل سوق الذهب في الديرة من الأسواق التي تسلب العقول، ليس لكثرة المعروض من ذلك المعدن الأصفر فحسب، وإنما أيضاً للتنوع الشديد في أشكال المصوغات الذهبية وألوانها وأوزانها، وللحرفية العالية والمتقنة في صناعتها وطريقة عرضها، مما يجعلك تتردد في الشراء لو كنت مصمماً على ذلك، لا لشيء إلا لأنك كلما دخلت مكاناً من أماكن بيع الذهب، تجد أشياء جديدة، تؤدي إلى تغيير رأيك عن الذي كنت تخطط لِشرائهِ من قبل، لأن أشكالاً جديدةً قد أعجبتك، أو تصاميم فنيةٍ أخرى قد سحرت عينيك.

ولا يغيب عن البال مطلقاً سوق الديرة للأقمشة، والذي ترى فيه من الأنواع والألوان والخامات والرسومات والترتيبات ما لم يكن يخطر في الحسبان. وترى فيه من البشر من كافة الأجناس والألوان، تراهم جيئةً وإيابا بأعدادٍ غفيرةٍ، ينظرون لهذا النوع من القماش تارةً، ويسألون عن صنفٍ آخر، ويتنقلون من محلٍ إلى غيره، بعضهم بدافع الفضول ورغبةً في مشاهدة المعروض، وبعضهم الآخر بدافع الحرص على شراء الأفضل نوعاً والأقل سِعراً.

ويلعب سوق الكهربائيات والإلكترونيات والساعات والعطور، الدور الأكبر في جذب محبي هذه الأشياء أو المحتاجين لها لأنفسهم، أو باعتبارها هدايا لأقاربهم أو لأحبائهم أو لأصدقائهم. وهنا يجد الشاري والسائح معاً، أحدث الماركات المعروفة عالمياً وبأسعارٍ تنافسيةٍ واضحة. وكم يكون أمام الناس من الفرص العديدة والواضحة من أجل المشاهدة والمقارنة بالنسبة إلى كلٍ من الجودة والسعر والذوق في وقتٍ واحد.

أما الأسواق العصرية الضخمة والتي تسمى بالمولات، فحدث ولا حرج، حيث يوجد منها ما يجعلها ليست مناطق تسوق فحسب، بل وأيضاً أماكن للترفيه والتسلية والرياضة واستغلال أوقات الفراغ فيما يفيد. وقد بدأ عددها ضئيلاً جداً كان في مقدمتها مركز الغُرير التجاري، ليشارف عددها هذه الأيام الرقم المئوي ومن أهمها سيتي سنتر مول، ودبي مول، والإمارات مول، ووافي مول، وفيستفال مول. ومحتوياتها في الواقع عبارة عن وكالاتٍ رسميةٍ للماركات العالمية في مجالات الملابس والكهربائيات والإلكترونيات والعطور وأدوات الزينة والنظارات والساعات والمطاعم والأدوات الرياضية وغيرها.

وفي إمارة الشارقة التي لا تبعد إلا قليلاً عن مدينة دبي، توجد أيضاً أسواقٌ مشهورة مثل السوق المركزي، الذي يغلب على بنائهِ الطابع الإسلامي، ويطلق عليه أيضاً السوق الأزرق، والذي يوجد فيه أكثر من ستماية من المحلات التجارية الموزعة على مبانٍ مزدوجة الطوابق، يربطها إثنان من جسور المشاة. وتوجد في الطابق الأرضي محلات الأزياء والذهب والمجوهرات، أما إذا كان الزائر يريد البحث عن سلعٍ متنوعةٍ بأسعارٍ معقولة ومختلفة، فإنه يستطيع التوجه إلى الطابق العلوي، حيث سيجد البُسُط والسجاجيد المصنوعة يدويأ في أفغانستان وراجستان الهندية. كما توجد كذلك أسواقٌ قديمة بدهاليزها الضيقة وتاريخها العريق، والتي تمتاز بعرض بضائعها المتنوعة وبأسعار رخيصة، إذا ما قورنت بما هو موجود في مثيلاتها الأسواق الحديثة الضخمة مثل ميجا مول وأنصار مول.

ولا يمكن نسيان مدينة أبو ظبي العاصمة، التي تزخر بالأسواق الضخمة والمتعددة، والعمارات الشاهقة، والنوافير الجذابة، والكورنيش الجميل المشرف على الخليج العربي، والتي ترفع كلها من نسبة الزوار إلى دولة الإمارات العربية المتحدة، إضافةً إلى مدينة العين، التي تمتاز بوجود حديقة الحيوانات الكبيرة، وما يسمى بالعين الفايضة غزيرة المياه التي تشد الراغبين إلى ضرورة الاستمتاع بالجلوس على الساحات الخضراء، والنظر إلى المياه الغزيرة العذبة المتدفقة من حوله.

وباختصار، فإن من يحرص على زيارة دولةً تشتهر بأماكن التسوق التقليدية القديمة، أو المولات التجارية العصرية الضخمة، وبأسعارٍ تنافسيةٍ عالية، ومن ثم تسجيل أو توثيق انطباعاته عن كل ما يرى من أنشطةٍ بشرية متنوعة، فلا بد له من أن يضع في الحسبان تلك الدولة المنفتحة على العالم أجمع، والتي بلغت في العمليات التجارية وأمور تسهيلها على الراغبين في التسوق، شأواً عظيماً يندر أن تجدهُ في غير دولة الإمارات العربية المتحدة.

profjawdat@yahoo.com prof.almassaeed@gmail.com
Website: http://www.jwdat.com

بواسطة : admin
 0  0  34