مرحباً بكم بموقع الدكتور عبدالله بن صالح المقبل. تم إنشاء هذا الموقع في عام 1996 حينما كنت ادرس مرحلة الدكتوراة بالولايات المتحدة الأمريكية.

  • ×

12:53 مساءً , الجمعة 19 يناير 2018

الحلقة السابعة والثلاثون: ذكريات الأسابيع الأولى للعمل بجامعة السلطان قابوس

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
image
http://alrai.com/article/1004401/
صحيفة الرأي الأردنية (قسم الأبواب)

تاريخ النشر: الأحد: 7/8/2016- العدد: (16692)

الحلقة السابعة والثلاثون:
ذكريات الأسابيع الأولى للعمل بجامعة السلطان قابوس
image

بقلم: أ.د. جودت أحمد المساعيد
يحرص الإنسانُ كلما انتقل إلى مكانٍ جديدٍ، على أن يكتشف بنفسه الكثير من الأمور التي تدور في محيطهِ ، وأن يطرحَ العديد من الأسئلة والاستفسارات اليومية حول ما يراهُ أو يقرأهُ أو يَسمعهُ عن ذلك المكان وقاطنيه، كي يستطيعَ التأقلم بنجاحٍ مع البيئتين الطبيعية والبشرية من حولهِ، وأن يُصغي في البدايات جيداً لكل ما يُقال أمامهُ، أكثر مما يُعطي رأياً أو حُكماً أو قراراً بقضيةٍ معينةٍ أو مسألةٍ محددةٍ أو مُعضلةٍ قائمةٍ، ولها علاقةٌ قويةٌ بمسيرة الحياة اليومية، قبل الإلمام الدقيق بالخلفية الواسعة لهذه أو تلك، حتى لا يتعارض ذلك مع عادةٍ سائدة، أو عُرفٍ شائع، أو قوانين أو أنظمةٍ أو تعليماتٍ تمَ اشتراعها من قبل، وأصبحت مألوفة لأهل المكان، دون أن يُلِمَ بها الزائر الجديد.
وهذا ما حاولتُ تطبيقهُ شخصياً ما أمكن، خلال الأسابيع القليلة الأولى من خدمتي في جامعة السلطان قابوس، لا سيما وأن الوضع لم يقتصر على تنوع البيئة المحيطة من حيث الطقس أو المناخ من جهة، ولا من حيث طبيعة الناس وظروفهم وأحوالهم وطريقة التعامل معهم من جهةٍ ثانية فحسب، بل وأيضاً لأن الفسيفساء الأكاديمية كانت بارزةً بشكلٍ كبيرٍ داخل الجامعة، وذلك من حيث التنوع الواضح في جنسيات أعضاء هيئة التدريس المتعددة، وخبراتهم الطويلة والمتنوعة، وجامعاتهم الشرقية أو الغربية المختلفة التي تخرجوا منها أو التي خدموا فيها سابقاً، مما أوجد بيئةً غنيةً جداً للتفاعل الأكاديمي المثمر بين الجميع، والذي كان يَصبُ في نهاية المطاف لصالح الطلبة والجامعة والدولة المضيفة.
وقد تَرَكزَ جُلُ اهتمامي في بداية الأمر، على الإلمام الدقيق بأنظمةِ الجامعة وتعليماتها المتنوعة، والاطلاع على الملفات السابقة لقسم المناهج وطرق التدريس، أو أي ملفٍ آخر من ملفات كلية التربية، تتيح لي اللجان الرسمية التي أقوم برئاستها من الاطلاع عليه، وذلك حتى أعمل على تكوين فكرةٍ كاملةٍ لما يدور حولي، وذلك قبل تقديم الاقتراحات المناسبة للتطوير، أو قبل طرح الحلول الملائمة لبعض المشكلات التربوية والتعليمية والتنظيمية والإدارية التي قد تظهر من وقتٍ لآخر.
وقد لاحظتُ منذ الوهلة الأولى، وجود تعاونٍ كاملٍ من جانب عميد كلية التربية آنذاك، وخبير اليونسكو المعروف أ.د. محمد الشبيني، الذي حاول وضعي في صورة ما تمَ في الكلية من إنجازات رئيسة خلال السنتين اللتين سبقت قدومي للسلطنة، مع تحديده لأسماء اللجان الكثيرة الموجودة في الكلية، والتي شدد على ضرورة تفعيلها بدرجةٍ أفضل، كي تحقق الكلية ما تصبو إليه من الأهداف التربوية المنشودة خلال ذلك العام الدراسي. وكان يحرص وهو يتحدثُ معي على أمرين بالنسبة لتلك اللجان: الأول أن يستنير برأيي في اللجان التي أرغب في رئاستها، وتلك الأخرى التي أميل لأن أكون عضواً فاعلاً من بين أعضائها من رؤساء الأقسام الآخرين، كي يأخذ فكرةً واضحةً مني قبل اجتماع مجلس الكلية عن هذا التوجه. وقد أبديتُ له رغبتي الشديدة في رئاسة لجنة الدراسات العليا، ولجنة الندوات، ولجنة البحوث العلمية، أما باقي اللجان فلا بأس إن كنتُ فيها مجرد أحد الأعضاء العاديين. وحصل ذلك بالفعل خلال الاجتماع الرسمي لمجلس الكلية خلال الأسبوع الثاني من التحاقي بالعمل في الجامعة. حيث أدار العميد الاجتماع بحرفيةٍ عاليةٍ، وخلال توزيع اللجان على أعضاء مجلس الكلية، كلفني برئاسة اللجان الثلاث السابقة، وشاركني كعضو في عددٍ من اللجان الأخرى.
وفي اليوم التالي، اتصل بي هاتفياً وطالبني بالاجتماع معه لمناقشة بعض القضايا، والتي كان على رأسها الطلب مني كتابة تقارير عن الخطط المقترحة لتطوير اللجان الثلاث، ورفعها إليه، كي يناقشها معي في وقتٍ لاحق. ثم انتقل بعدها للحديث عن وضع قسم المناهج وطرق التدريس بالكلية، الذي كنت أقوم شخصياً بمسؤولية رئاسته، وكيف يمكن تدبر أمور برامجه المختلفة، وعلى رأسها برنامج التربية العملية، الذي كان يمثل أكبر برنامج في الكلية، ويتطلب جُهداً من حيث التخطيط والتنظيم والتنفيذ، بالإضافة إلى التفكير الجدي في وضع أسسٍ دقيقة لبرنامج الماجستير في المناهج وطرق التدريس بتخصصاته الفرعية المختلفة، وبرنامج آخر للماجستير في الأصول والإدارة التربوية، وثالث في علم النفس التربوي، تمهيداً لبدء الإجراءات الرسمية لجعلها برامج دراسات عليا واقعية.
وفي ظل هذه الحماسة الشديدة من المناشط الأكاديمية المتنوعة، ومن التفاعل المتواصل مع رأس الهرم في كلية التربية وهو العميد، فقد شعرتُ بأن القسم والكلية تحتاج مني إلى الكثير من الجهد والخبرة والعمل الدؤوب، من أجل إنجاز ما هو مأمول بالفعل، لا سيما وأن التناغم في العمل مع كل الأطراف كان هو المسيطر، مما يمثل أقوى عوامل النجاح في البيئة الجامعية السليمة. كل هذا شجع الجميع، على التخطيط المطلوب لرفع سقف التوقعات بالنسبة للانجازات التي يرغبون في إتمامها خلال ذلك العام الدراسي، وبالذات بعد الاستعداد الواضح من بقية رؤساء الأقسام الأخرى في الكلية لأخذ توجيهات العميد بكل أمانةٍ ومسؤولية.
وانطلق الجميع نحو العمل التشاركي المثمر، الذي كان تنظمهُ وتتابعهُ باستمرار الاجتماعات المتتالية لمجلس الكلية من أجل متابعة الأمور أولاً بأول، للتأكد من سلامة الخطوات المطبقة، والتطرق إلى بعض العقبات التي قد تظهر أحياناً، كي يتم تذليلها حتى لا تحول دون الوصول إلى المستوى المطلوب. وبينما نحن في هذا الزخم الأكاديمي الكبير، يقع حادثٌ لم يكن في الحسبان مطلقاً، مما أثر سلباً على عملية تسارع الخطوات كافة.
فما أن أكملتُ رسمياً عملية إجراء الإقامة، وإستبدال رخصة السياقة الأردنية بمثيلتها العُمَانية، حتى فكرتُ بشراء سيارةٍ جديدةٍ للحاجة العائلية الماسة لها. وقد حددنا أحد أيام العطلة الأسبوعية للذهاب إلى مدينة مسقط، التي تبعد نحو أربعين كيلومتراً عن الجامعة، ومعي زوجتي وإبني الأكبر خلدون، الذي كان وقتها في الصف الأخير من المرحلة الثانوية. وبينما كنا نتجول وسط المدينة، إذا بإحدى السائقات المبتدئات تأخذ زوجتي من على طرف الرصيف، وتقذفها بقوة عدة أمتار بعيداً إلى الأمام، مما أحدث لها بعض الكسور والارتجاجات الدماغية، استدعت عمليات جراحية عاجلة، والمكوث لفترة ليست بالقصيرة في المستشفى، كان الأبناء والبنات الصغار بأمس الحاجة إلى والدتهم وقتها، إضافةً إلى ضرورة الزيارة شبه اليومية لها من جانب أطفالها، مما أدى إلى حدوث حالةٍ من الارتباك وتشتيت الفكر والجهد والوقت معاً.
كل هذا قد حدّ من نشاطي الأكاديمي الجامعي بشكلٍ لافتٍ للنظر. ولكن مما كان يُثلجُ الصدر، وقوف جميع الزملاء والمسؤولين في كلية التربية بخاصة والكليات الأخرى في الجامعة بعامة، موقفاً مُشًرفاً من حيث الاهتمام بإدارة القسم أحياناً، وإعداد التقارير لبعض اللجان أحياناً أخرى، مع تسيير أمور برنامج التربية العملية على الوجه الأكمل. ومما زاد في تقديري وإعجابي في تلك الأزمة الطارئة، التضامن العائلي من جانب الزملاء من الجنسيات المختلفة المجاورين في السكن، من حيث الاهتمام بالصغار من وقتٍ لآخر عن طريق احتضانهم، وتوالي الزيارات المنزلية شبه اليومية بعد خروج الزوجة من المستشفى، مما رفع من المعنويات لدى أفراد العائلة، وساهم في عملية الشفاء، الذي يمثل الجانب المعنوي واحداً منه.
ومع شراء سيارةٍ جديدة، والتنقل بأفراد العائلة من مكان لآخر من أجل الترفيه والتخفيف من حدة ما حصل، بدأت الحياة تعود تدريجياً إلى حالتها الطبيعية، وبدأت الكلية تشهد جولةً من الندوات التربوية والثقافية والعلمية والدينية والوطنية المتنوعة، كما أخذت الاجتماعات الخاصة باللجان في مجالات البحث العلمي والدراسات العليا تؤتي أُكُلها، بوضع الإطار العلمي والتنظيمي اللازمين لتقديم المقترحات المفيدة في هذا الصدد، تمهيداً لاتخاذ القرارات الرسمية الملائمة.
وباختصار شديد، فإن الانتقال إلى عملٍ آخر أو إلى بيئةٍ معيشيةٍ جديدة، لا شك يؤدي إلى إكساب الفرد الكثير من الخبرات الحُلوة والمُرة. ومع ذلك، فهي جميعها تُسهم بقوة في تشكيل شخصيتهِ القيادية المطلوبة، وبخاصةٍ للإنسان الأكاديمي الجامعي، والتي ستجعله يتعود إن عاجلاً أم آجلاً على التذوق بلحظات النجاح عند حدوثها، وعلى امتصاص صدمات الألم أو الإخفاق حال وقوعها، مع محاولة الوقوف ثانيةً بكل عزيمةٍ واقتدار، لأن الحياة التي نحياها ما هي إلا دولاب يدور بما تمليه الأقدار، والذي يُخصصُ من الأيام ما تُحسَبُ للفرد، ومن الأيام الأخرى التي تُوصَفُ بأنها عليه. ومع ذلك، فهي محسوبة من ذلك العمر المحدود بالسنين والأيام، مما يستدعي اغتنام حلاوتها بالمزيد من الاستمتاع بمنجزات العمل والانتاج والنجاح، مع عدم الخضوع لمرارتها بالإحباط والكآبة والاستسلام، بل لا بد من الوقوف ثانيةً من الكبوة الطارئة، والبحث عن وسائل التحدي التي تعيد ذلك الفرد من جديد إلى ميدان العمل المنتج والتميز فيه.

profjawdat@yahoo.com jawdatmassa@gmail.com
Website: http://www.jwdat.com




بواسطة : admin
 0  0  53