مرحباً بكم بموقع الدكتور عبدالله بن صالح المقبل. تم إنشاء هذا الموقع في عام 1996 حينما كنت ادرس مرحلة الدكتوراة بالولايات المتحدة الأمريكية.

  • ×

01:54 مساءً , السبت 20 يناير 2018

الحلقة السادسة والثلاثون: قصة الانتقال إلى جامعة السلطان قابوس

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
image
http://alrai.com/article/1002735
صحيفة الرأي الأردنية (قسم الأبواب)

تاريخ النشر: الأحد: 31/7/2016- العدد: (16685)

الحلقة السادسة والثلاثون:
قصة الانتقال إلى جامعة السلطان قابوس
image

بقلم: أ.د. جودت أحمد المساعيد
ما أن قررتُ تطبيقَ مبدأ ضرورة تنوع الخبرات التدريسية والبحثية لدى الأستاذ الجامعي، بعد ما يقارب العقد من الزمان في العمل بجامعة اليرموك الأردنية، حتى تقدمتُ بطلباتِ توظيفٍ إلى عدة جامعاتٍ عربية، مستفيداً من إجازة التفرغ العلمي التي منحتني إياها جامعة اليرموك. وكم تعجبتُ عندما وافقت خمسُ جامعاتٍ في وقتٍ متقارب، ممن تقدمت للعملِ فيها، على ترشيحي للعمل رسمياً اعتباراً من مطلع شهر أيلول(سبتمبر) من عام 1988م. وقد اخترتُ من بينها جامعة السلطان قابوس بمدينة مسقط العُمانية، في ضوء مجموعةٍ من الأسباب والمعايير التي أُميل إليها في العادةً من أجل اختيار العمل الجامعي.
وفي ضوء هذا الاختيار، قمتُ بتوقيع عقد العمل مع عميد كلية التربية بجامعة السلطان قابوس آنذاك أ.د. محمد الشبيني، الذي زارني في جامعة اليرموك أواخر ربيع عام 1988م، عندما كنتُ رئيساً لقسم التربية وعلم النفس، وأعطاني فكرةً جيدةً للغاية عن الأوضاع الأكاديمية في تلك الكلية. وقد تبين لي من حديثهِ المطول معي أن الكلية بحاجة ماسة إلى خبراتي للاشتراك مع الأساتذة الموجودين فيها ومع العميد، من أجل تطويرها نحو الأفضل، وفتح برامج لأول مرة للدراساتٍ العليا، وأن المكتبة العامة في الجامعة ككل، ما زالت متواضعة أيامها، مما يستلزم ضرورة إحضار ما أستطيع حمله من مراجع التخصص الدقيق عند السفر إلى مسقط.
وقد قمتُ بنقلِ هذه المعلومات كلها إلى سعادة الملحق الثقافي العُماني في سفارة السلطنة بالعاصمة الأردنية عمان حينئذٍ، الذي تفهم بدورهِ الأمر جيداً، وأبلغني استعدادَ الملحقية بشحن تلك المراجع مهما كان وزنها بالطائرة على نفقة الجامعة الخاصة، عن طريق منحي ما يشبه التذكرة Voucher، وبمقدار خمسماية ريال عُماني(أي نحو 920 ديناراً أردنياً أو 1350 دولارأ أمريكياً). وقد زاد هذا من اطمئناني بدرجةٍ كبيرة إلى نجاح رحلتي المقبلة أكاديمياً إلى جامعة السلطان قابوس.
وعملتُ بالفعل على تجميع المراجع الأجنبية الكثيرة التي كنتُ قد أحضرتها معي من الولايات المتحدة بعد انتهائي من دراسة الدكتوراة في جامعة كانساس Kansasخلال صيف عام 1980م، إضافة الى البحوث والكتب التي كنتُ قد نشرتها وأنا على رأس عملي في جامعة اليرموك لمدة ما يقارب العقد من الزمان، ونُسخٍ من رسائل الماجستير التي أشرفتُ عليها في قسم التربية بالجامعة، ونُسخٍ من المجلدات التي صدرت عن مركز البحث والتطوير التربوي في الجامعة خلال عملي مديراً له، أو خلال فترة إدارة أ.د. فريد أبو زينة، والتي شملت ملخصاتِ جميع رسائل الماجستير في التربية، التي نوقشت في جامعة اليرموك في مختلف التخصصات طيلة عقدٍ كامل من الزمان(منذ نهاية السبعينيات، وحتى نهاية الثمانينيات من القرن العشرين).
وبدأت عملية الاستعداد للسفر في أي وقتٍ أراهُ مناسباً بالاتفاق مع الملحق الثقافي العُماني في الأردن، لأنه هو الذي يقوم بإصدار تذاكر السفر والحجز على طيران الخليج. وفي الأسبوع الأخير من شهر آب (أغسطس) من عام 1988م، تمَ الاتصال هاتفياً بي من الملحقية، وإبلاغي بضرورة الحضور لاستلام تذاكر السفر لي ولأفراد عائلتي جميعاً، مع تحديد وقت الرحيل إلى السلطنة، وذلك قبيل فجر الخامس من أيلول(سبتمبر) من العام نفسه.
ونظراً لكثرة عدد حقائب السفر للأغراض المخصصة لعائلةٍ كبيرة من جهة، وللمراجع الأكاديمية الكثيرة التي أحتاجها للتدريس من جهةٍ أخرى، فقد استأجرتُ شاحنةً صغيرةً، وخشيتُ أن أدفع مبلغاً إضافياً بسبب كثرة الوزن. وعندما وصلتُ إلى شركة طيران الخليج التي كانت آنذاك في منطقة العبدلي قرب مجمع الحافلات بمدينة عمان، تقدمتُ لأحد الموظفين كي أُبلغهُ بوجود تذكرة إضافية غير تذاكر سفر أفراد العائلة، فأخذ جميع التذاكر ودخل بها إلى مدير الشركة آنذاك، الذي ما أن قرأ الإسم حتى جاء مُسرعاً نحوي، وإذا به يعانقني بحرارةٍ شديدةٍ، وأنا حتى تلك اللحظة لم أستطع معرفته، كي يتبين لي فيما بعد، أنه أحد الطلاب الذين قمتُ بتعليمهم في مدرسة الفحيص الثانوية للبنين، عندما كنت أحمل درجة البكالوريوس قبل ذلك التاريخ بثمانية عشر عاماً. إذ عرّفني بنفسه ورحب بي أيما ترحيب، وقال بالحرف الواحد: إن هذه الكتب يتم شحنها من أجل العِلم وليس من أجل التجارة، وسيكون شحنها بالمجان تكريماً لك يا أستاذي الفاضل، وأما عن تذكرة الكتب، فأعيدها إليك وأنت حر في التصرف بها. كما حجز لي ولأفراد العائلة في مقاعد متقدمة داخل الطائرة. وقد شكرتهُ جداً على وفائهِ لأستاذهِ من ناحية، وعلى موقفه النبيل نحو العلم وأهله من ناحيةٍ ثانية.
وانطلقت الطائرةُ من مطار الملكة علياء الدولي في العاصمة الأردنية عمان، في تمام الساعة الثانية والنصف قبيل الفجر، كي تصل إلى مطار مسقط الدولي في تمام الساعة السادسة صباحاً. وهناك واجهتني المشكلة الأولى التي لم أكن أتوقعها، والتي تتمثل في ضرورة اطلاع أحد موظفي وزارة الإعلام على المراجع والكتب الكثيرة التي أحضرتها معي من الأردن، قبل السماح لي بإخراجها من المطار، مما يحتم التأخر لحين بدء الدوام الرسمي بعد الساعة الثامنة صباحاً.
وبالفعل، جاء ذاك الموظف مبكراً، وفتح جميع الحقائب التي تحتوي على الكتب، ثم اختار مجموعةً من بينها بطريقةٍ عشوائيةٍ. وبعد تقليب صفحاتها والاطلاع على مضمونها بصورةٍ عامة، تولدت لديه قناعةً بأنها عبارة عن كتبٍ علميةٍ صِرفة، وغالبيتها مراجع باللغة الإنجليزية، فقام بالتوقيع على نموذجٍ خاصٍ للسماحِ بإخراجها من المطار، بعد أن رحب بي وبفكرة إحضار المراجع الكافية لفائدة طلبة الجامعة.
أما المشكلة الثانية التي واجهتني في اللحظات الأولى لوصولي وعائلتي إلى السلطنة، فكانت تتمثلُ في عدم قدوم مندوبٍ من الجامعة لاستقبالنا، نتيجة نسيان الشخص المكلف بهذه المهمة لذلك الأمر، لا سيما ونحن لا نعرف أحداً في مسقط من قبل. وانتظرنا برهةً إضافيةً من الوقت لعل أحداً يأتي ويسأل، ولكن دون جدوى. فكان مني إلا أن توجهتُ إلى أحد المسؤولين في المطار وأبلغته بالأمر، كي يتصل مشكوراً بإدارة جامعة السلطان قابوس، ليكتشفوا الخلل، ويسرعوا بإرسال حافلةٍ صغيرةٍ تنقلنا إلى داخل الحرم الجامعي. وهناك تمّ التوجه بنا إلى إحدى الفلل المفروشة فرشاً كاملاً والمخصصة في العادة لأعضاء هيئة التدريس، حيث تمّ إدخال ُالحقائب، وطلبوا مني التوجه معهم إلى إدارة الجامعة لاستكمال الإجراءات الرسمية للتعيين، تاركاً الزوجة والأبناء ممن هم في المرحلة الثانوية، لتدبر أمر الترتيب الأولي للأغراض المتعددة.
وما أن ذهبتُ إلى إدارة الجامعة، حتى استقبلني المسؤولون في شؤون الموظفين بالترحاب، مع اعتذارهم عما حصل من تأخيرٍ للاستقبال في المطار, ثم تابعتُ بعدها تعبئة النماذج الرسمية الخاصة بالالتحاق بالجامعة، بعد أخذ صورٍ وثائقية من جوازات السفر لأفراد العائلة، واستصدار البطاقة الشخصية كعضو هيئة تدريس في الجامعة، وتسليمي دفعة نقدية أولى من أجل تسيير الأمور الحياتية العاجلة، وإعطائي نبذة عن كيفية التنقل من مكان السكن إلى مقر كلية التربية، حيث العمل الأكاديمي اليومي بواسطة حافلات الجامعة، وذلك قبل عملية التفكير بشراء سيارةٍ خاصة. وقد أخبرتهم ما حصل معي من قصة شحن الكتب والمراجع مجاناً على الطائرة، وأن التذكرة المخصصة لذلك لم تستعمل من جانبي، وقمتُ بتسليمها لهم. وقد شكروني شفاهةً على ذلك، ووصلني من نائب رئيس الجامعة بعدها بعدة أيام خطاب شكر رسمي على هذا التصرف.
وانتقلتُ بعد ذلك لمقابلة عميد كلية التربية، الذي عقد معي اجتماعاً مطولاً، ناقش خلاله وبالتفصيل، المهام الموكلة لي في القريب العاجل، بعد أن يصدر الخطاب الرسمي بتولي منصب رئاسة قسم المناهج وطرق التدريس. وبالفعل لم يمر إلا الوقت القصير، حتى مارستُ مهامي الإدارية الأكاديمية الجديدة كرئيس لذلك القسم، الذي كان يلتحق به خمسةٌ وأربعون عضواً من أعضاء هيئة التدريس، من جنسياتٍ عربيةٍ عُمانيةٍ وأُردنيةٍ ومصريةٍ وسودانيةٍ ومغربيةٍ، في تسعةٍ من التخصصات الفرعية للمناهج وهي: مناهج وطرق تدريس التربية الإسلامية، واللغة العربية، واللغة الإنجليزية، والرياضيات، والعلوم، والدراسات الاجتماعية، والتربية الفنية، والتربية الرياضية، والتربية الأُسرية. وبدأت عجلة العمل الأكاديمي تدور في تلك الجامعة العريقة، كي أخدمَ فيها عَشرةَ أعوامٍ كاملة، مررتُ خلالها بالكثير الكثير من التجارب والذكريات، التي لا يكفي لها كتابة حلقةٍ أو اثنتين أو حتى أربع، بل ربما أكثر من ذلك، والتي ستأتي تِباعاً، وبشكلٍ متسلسلٍ حسب زمان حدوثها بإذن الله تعالى.

profjawdat@yahoo.com jawdatmassa@gmail.com
Website: http://www.jwdat.com



بواسطة : admin
 0  0  48