مرحباً بكم بموقع الدكتور عبدالله بن صالح المقبل. تم إنشاء هذا الموقع في عام 1996 حينما كنت ادرس مرحلة الدكتوراة بالولايات المتحدة الأمريكية.

  • ×

02:02 مساءً , السبت 20 يناير 2018

الحلقة الثانية والثلاثون: قصص الرحلات الترويحية أيام "اليرموك"

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
image
http://www.alrai.com/preview.php/article/789990.html
صحيفة الرأي الأردنية (قسم الأبواب)

تاريخ النشر: الأحد: 29/5/2016- العدد: (16625)

الحلقة الثانية والثلاثون:
قصص الرحلات الترويحية أيام "اليرموك"
image

بقلم: أ.د. جودت أحمد المساعيد
لقد حظيت جامعة اليرموك الأردنية، بموقعٍ جغرافيٍ واستراتيجي متميز، ليس بالنسبة إلى مدينة إربد التي تحتضنتها، والتي تمثل عروس الشمال الأردني فحسب، بل وكذلك بالنسبة إلى الببيئاتٍ التاريخيةٍ والجغرافية المحيطة بها من جميع الجهات، والعريقةٍ جداً في آثارها وعمرانها القديم، وجمال مناظرها الطبيعية المتنوعة، والتي يقصدها مئات الآلاف من الزوار سنوياً من الداخل، ومن السياح القادمين من مختلف بقاع الأرض وأقطاره.
فإلى منتصف المسافة تقريباً بين جامعة اليرموك والعاصمة عمان، وعلى بُعدِ نحو أربعين كيلومتراً من الجامعة جنوباً، تقع آثار مدينة جرش الرومانية، الجميلة جداً في أعمدتها الحجرية الشاهقة، ومسارحها الواسعة، وساحاتها المتعددة، ومدرجاتها الهندسية الكبيرة، ومعابدها الرومانية واليونانية المختلفة، وهياكلها ذات الأشكال المتعددة، وشوارعها وأزقتها المبلطة، وبواباتها العالية العملاقة، التي تمثل كلها في الواقع تحفةً معمارية رائعة.
كل هذا يشد في الواقع من انتباه المثقفين بصورةٍ عامة، وأساتذة الجامعات منهم على وجه الخصوص، كي يتعرفوا بدقة على تاريخ بلادهم، وحضارتها الموغلة في القِدَم، مما يجعلهم يتسلحون بسلاح العلم والمعرفة عن جوانبها المختلفة، من أجل الترويج لها على مستوى السياحة الداخلية والخارجية في وقتٍ واحد. وهذا لا يقتصر أثرهُ بالتالي على المردود المادي فحسب، بل وأيضاً على الجانب المعنوي، المتمثل في تكريس قيم الولاء والانتماء لهذا الوطن، أرضاً، وتاريخاً، ومقوماتٍ بشريةٍ وطبيعيةٍ زاخرة. وهذا ما كان يشجعنا من وقتٍ لآخر خلال تنقلنا من جامعة اليرموك إلى عمان أو العكس، أن نعرج على تلك الآثار لزيارتها، والشرح للأطفال عن هذه المباني التاريخية تارةً، وإفساح المجال لهم لطرح الأسئلة والاستفسارات حول ما يشاهدونه تارةً أخرى، حتى ترسخ المعلومات في أذهانهم عن عراقة تاريخ بلادهم التي يشهد له القاصي والداني.
وإضافةً إلى المظاهر السياحية الأثرية العريقة لمدينة جرش المشهورة، وإذا كانت الرحلة إليها هي بقصد الراحة والاستجمام، فإن هذه المدينة الأردنية، تمتاز بلمساتها السحرية العصرية التي تأخذ الألباب، والخاصة بنوعية المطاعم السياحية الفاخرة، ذات الشلالات المتدفقة بمياهها الرقراقة، التي تنعكس عليها نسائم الهواء العليل في أيام الربيع الجميل، أو أوقات الصيف الحار، وعرائشها المغطاة بالنباتات والورود، التي تُلقي الظلال الوارفة على الجالسين أسفلها، وتنعشهم بروائح الزهور المتنوعة، مما ينسيهم همومهم، وينعش نفوسهم، ويجدد حيويتهم للعمل بنشاط وانتعاش في القليل القادم من الأيام.
وإذا جاء وقت اختيار ما هو شهي ولذيذ من الطعام والشراب، فما على المرء سوى إطلاق العنان لحاسة الشم، لما يتم تجهيزه للزبائن من حوله، وذلك قبل أن يستلم قائمة المأكولات المتوفرة لدى المسؤولين عن المطعم. ومما يلفت نظر رواد تلك المطاعم، وجود الطابون أو التنور البلدي، الذي تشم عن طريقهِ عبق رائحة الخبز الساخن، الذي يجعل المرتاد للمطعم لا يستطيع التحكم في رغبته القوية لأكل ذلك الخبز منفرداً، وقبل إنجاز الطعام المطلوب. كما تتوفر في تلك المطاعم الخدمة المتميزة التي يلقاها الزبائن، منذ لحظة تقديم المقبلات والسلطات، مروراً بالمشويات والمقليات والمحشيات، وانتهاءاً بشرب المياه والعصائر والمرطبات، هذا ناهيك عن الترتيب فائق الدقة للطاولات والجلسات، التي قد تضم أحياناً من الزوار والسياح العشرات، بل والمئات.
وإن كانت هناك رغبة لمشاهدة الطبيعة الجميلة حول مدينة جرش أو جارتيها مدينتي سوف وساكب، فما على الزائر سوى التجول بالسيارة مع أفراد عائلته، عبر تلك المساحات الشاسعة من الأشجار الباسقة فى طولها، والوارفة في ظلها، والمليئة بأنواع الطيور زاهية الريش، والتي تشدو بأصواتها الشجية من حولهم، كي تجعل الجو ساحري بالنسبة لحاستي النظر والسمع بالدرجة الأساس، وتشجعهم في النهاية على الترجل من تلك السيارة، والتجوال بين هذه الجنان، أو الجلوس تحت أغصانها وأوراقها الغَنّاء.
كل هذا الحديث كان يتعلق بأول موقعٍ مهمٍ للترويح الجسمي والنفسي يقع جنوبي جامعة اليرموك. أما إذا اتجهنا من اليرموك نحو الغرب تماماً، فستأخذنا الطريق نحو منطقة الأغوار الشمالية، والتي تؤلف مع منطقتي الأغوار الوسطى والجنوبية، سلة الغذاء الرئيسة للأردن ككل. وتمثل الأغوار الأردنية في الواقع، جنة الله الخضراء في أرضه، وأنه بمجرد ذهاب أي عضو هيئة تدريس من جامعة اليرموك إلى تلك السهول الفاتنة مع عائلته، لا تقع عيناهُ في الغالب إلا على بيارات البرتقال بأنواعهِ العديدة، وبمذاقاتهِ اللذيذة، وبخرير المياه الذي يمر نحو هذا البستان أو ذاك، ويكون مصدرهُ في الأصل قناة الغور الشرقية، التي تروي مزارع الخضروات المنتشرة على مد النظر، بأشكالها وألوانها وفوائدها الغذائية العديدة، مما يجعلها مصدراً غذائياً للكثير من المدن والبلدات الأردنية القريبة والبعيدة، وعلى رأسها العاصمة عمان.
ولم تقتصر الرحلات من جامعة اليرموك إلى الأغوار الشمالية على عامل التنزه والاستمتاع بالمناظر الطبيعية الخلابة فحسب، بل تتعداهُ كذلك إلى التأكيد على أهمية العامل الديني، عن طريق زيارة قبور العديد من الصحابة الأجلاء أمثال أبو عبيدة عامر بن الجراح، وضرار بن الأزور، ومعاذ بن جبل، رضي الله عنهم، الذين تشد مواقعهم التاريخية الكثير من الزوار المسلمين من داخل الأردن وخارجه، وذلك للدور الكبير الذي قام به هؤلاء القادة في نشر الإسلام، مما يجعل من زيارة الأبناء مع ذويهم العاملين في جامعة اليرموك، تعميقاً لتاريخ آبائهم وأجدادهم في نفوسهم جميعاً.
وبعد الحديث عن المواقع الترويحية في الجنوب والغرب من جامعة اليرموك، يأتي الكلام عن الشمال بمواقعهِ الزاخرة تاريخياً وجغرافياً. فالموقع التاريخي لمدينة أم قيس (أو جدارا)، يضم آثاراً يونانيةً ورومانيةً، حيث الأعمدة، والمدرجات، والساحات، والمسارح، وغرف الحمامات التي كان يزودها الرومان بالماء البارد والدافئ والساخن، إضافةً إلى القرية العثمانية الماثلة للعيان. وتتمتع أم قيس بموقع استراتيجي وعسكري مهم جداً، حيث تشرف تماماً على هضبة الجولان من جهة، وعلى بحيرة طبريا وشمال فلسطين من جهةٍ ثانية. وتظل زيارة موقع جدارا، من الأمورا بالغة الأهمية للعاملين بجامعة اليرموك، حتى يكتسبوا المعارف هم وأولادهم عن تاريخ الأمم والأقوام، التي عاشت ثم بادت في هذه الأماكن، بعد أن تركت آثاراً ماثلة للعيان، يفتخر بها الجميع.
كما يظل موقع معركة اليرموك الخالدة، والذي تمّ اشتقاق إسم الجامعة إسمها منه، أهم المواقع العسكرية التي كانت فاصلةً في التاريخ الإسلامي، بالنسبة إلى مصير بلاد الشام في بدايات حركة الفتوحات الإسلامية، حيث أجبر انتصار المسلمين فيها بقيادة القائد العبقري خالد بن الوليد، إلى انهيار معنويات الروم، الذين تجبروا وظلموا البلاد والعباد، حيث أُجبروا على الانسحاب من بلاد الشام وإلى الأبد، مما يجعل زيارتها من جانب العاملين في جامعة اليرموك وغيرهم، تجديداً للآمال بأن ظلم المحتلين لفلسطين مهما طال، سيأتي فجر الانتصار بخالدٍ آخر بإذن الله.
ولا تخلو المنطقة من جمالها الطبيعي الساحر، حيث التلال المنحدرة بشدة على وادي نهر اليرموك، والتي تكسوها الأشجار دائمة الخضرة، إلى حين الوصول إلى مناطق تحت مستوى سطح البحر في منطقة الحمّة قرب الحدود السورية الأردنية، حيث الينابيع الحارة، وأماكن الاستجمام التي تمّ إنشاؤها من أجل راحة الزوار من الداخل والخارج، الذين يبحثون عن الهدوء والسكينة من ناحية، وعلى الشفاء من بعض الأمراض المستعصية التي تعالجها المياه الكبريتية الساخنة من ناحيةٍ ثانية.
ولا ننسى أن جامعة اليرموك محاطةً من الجهة الجنوبية الغربية، وعلى بُعدِ بضع عشراتٍ قليلة من الكيلومترات، بمناطق من الغابات الكثيفة والجميلة، حيث مناطق بلدات ومدن عنجرة، وصخرة، وعبين، وعبلين، واشتفينا، وحلاوة، وعين جنة، وعجلون، وكفرنجة، وغيرها، مما يجعلها متنفساً ترويحياً لسكان منطقة إربد بعامة، والعاملين في جامعة اليرموك منهم على وجه الخصوص.
وكم كانت تتفق عائلات يرموكية بشكل شبه إسبوعي، بالذهاب خلال عطلة نهاية الأسبوع إلى تلك المناطق الخلابة، للجلوس تحت ظلال أشجارها الوارفة، وتبادل أطراف الحديث الشجي، بعيداً عن ظروف العمل وضغوطه النفسية، والتمتع بنسمات الهواء العليل، وتناول أطايب الطعام والشراب الحلال، مع ترك الأطفال يلعبون ويمرحون في هذا المكان المفتوح، بعيداً عن الحوائط والأسوار التي سئموا منها في المدينة. وتستمر تلك الجلسات الاجتماعية والعائلية اللطيفة معظم ساعات النهار، وما أن يهدهد الليل بظلمتهِ، حتى يبدأ الجميع بلملمة أغراضهم، وإعادتها إلى السيارات، والانطلاق عائدين إلى رحاب اليرموك، مزودين بطاقةٍ حيويةٍ جديدة، تُعين الجميع على النشاط والحماس والعمل الدؤوب، طيلة أسبوع جديد على الأقل.
وتبقى قلعة عجلون التاريخية أو قلعة الربض، الواقعة في أعلى القمم المحيطة بمدينة عجلون، من المواقع الأثرية والتاريخية المرموقة، التي تتطلب عملية زيارتها، تخصيص يومٍ كامل للتمتع بهذه التحفة المعمارية المهمة، والتي بناها أحد قادة صلاح الدين الأيوبي ضد الغزو الصليبي. ويحيط بهذه القلعة الشاهقة، خندقٌ كبيرٌ تمّ حفره داخل الصخر الصلب، كي تتم تعبئته بالمياه لحماية حراس القلعة وقاطنيها من الأعداء، والتصدي لهجمات الجيوش الغازية، ليس على المناطق المحيطة بمنطقة عجلون وضواحيها فحسب، بل وأيضا على بقاع أخرى بعيدة نسبياً، قد تصل إلى مشارف الحدود السورية والفلسطينية.
أما المناطق الواقعة على بُعدِ عشرات الكيلومترات إلى الشرق من جامعة اليرموك، والتي كانت الجامعة قد خدمتها فترةً طويلة، حيث الرمثا ومحافظة المفرق، فهي غنيةٌ جداً بمحاصيلها الزراعية، وثرواتها الحيوانية المتنوعة، والآثار التاريخية الموزعة على العديد من الكهوف والمغاير والتلال، والتي تجعل من زيارة أراضيها المنبسطة، وسهولها الواسعة، متعة للزائر من اليرموك وغيرها.
وبكلماتٍ موجزة، تظل جامعة اليرموك التي خدمتُ فيها أستاذاً لنحو عقدٍ من الزمان، لؤلؤة العلوم والآداب والتكنولوجيا، بعد أن نشر علماؤها آلاف البحوث والكتب منذ إنشائها قبل أربعين عاماً، وبعد أن دخل الشارع المجاور لها عام 2002م، في كتاب جينيس المشهور Guinness Book، كأطول شارع في العالم يحوي مقاهي لخدمة شبكة الإنترنت. هذا ناهيك عما حباها الله من موقع جغرافي مميز، محاطة بالدرر التاريخية الأثرية، التي تؤكد وجودها وانتصاراتها على مر الزمان، وبالمناظر السياحية الخلابة من الجهات الأربع، التي تجذب الزوار باستمرار، وتشهد لها دوماً، بأنها اليرموك الإسم، والرمز، والتاريخ، والحضارة، وقبل ذلك كله، الإبداع من الخالق عز وجل، في جمال المحيط بها، من المساحات الخضراء وجنائن النعيم.
profjawdat@yahoo.com jawdatmassa@gmail.com
Website: http://www.jwdat.com



بواسطة : admin
 0  0  43