مرحباً بكم بموقع الدكتور عبدالله بن صالح المقبل. تم إنشاء هذا الموقع في عام 1996 حينما كنت ادرس مرحلة الدكتوراة بالولايات المتحدة الأمريكية.

  • ×

11:07 مساءً , الأربعاء 17 يناير 2018

الحلقة الثلاثون: قصص الأبحاث الميدانية أيام اليرموك

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
image
http://www.alrai.com/preview.php/article/787278.html
صحيفة الرأي الأردنية (قسم الأبواب)

تاريخ النشر: الأحد: 15/5/2016- العدد: (16611)
الحلقة الثلاثون:
قصص الأبحاث الميدانية أيام اليرموك

image

بقلم: أ.د. جودت أحمد المساعيد
كانت الظروف الأكاديمية من تدريسيةٍ وبحثيةٍ وخدمةٍ مجتمعيةٍ، في أحسن أحوالها وإمكانياتها، بالنسبة لأعضاء هيئة التدريس التابعين لقسم التربية وعلم النفس في جامعة اليرموك، خلال أوائل عقد الثمانينيات من القرن العشرين، لا سيما حينما كان يلتحق بذلك القسم قرابة الأربعين عُضواً، جُلُهم ممن هم برتبة أستاذٍ مساعد. وقد أدى ذلك إلى ارتفاع جذوة الحماسة الملفتة للنظر بينهم، إلى درجة أقرب إلى التسارع، في إجراء البحوث، ونشر المؤلفات والكتب الجامعية التخصصية.
ولما كانت الترقيات العلمية المتعارف عليها في جامعة اليرموك آنذاك، بالنسبة إلى التخصصات التربوية بصورة عامة، تركز بالدرجة الأساس على البحوث الميدانية، مع اعتبار المقالات النظرية والمؤلفات من الكتب الجامعية المختلفة، ليست إلا عبارة عن جهودٍ مشكورةٍ وداعمةٍ لطلب الترقية فحسب، فقد تمحور العمل البحثي الأكاديمي بين أعضاء هيئة التدريس في القسم، حول إجراء البحوث التربوية الميدانية، القائمة على تطبيق الأدوات البحثية الأساسية شائعة الآستخدام كالاستبانات، واختبارات التحصيل، والمقاييس المتنوعة لقياس الذكاء، أو الاتجاهات، أو مهارات التفكير، أو الإبداع أوغيرها، قبل أي شيء آخر. وهذا ما دفعني في البداية، إلى وضع خطةٍ مُحكَمةٍ، تقوم على إجراءِ البحوثِ الميدانية منفرداً، خشية أن أشترك مع بعض الزملاء، بحيث لا تؤخذ الأمور معهم أحياناً بالجدية المطلوبة، أو قد تحدث بعض الخلافات أثناء تطبيق خطوات إنجاز البحث، مما قد يزيد من التوترات بين ذوي التخصص الواحد.
ولكن ما أن بدأت البحوث الفردية تأتي أُكُلَها، عن طريق الحصول على وثائق قبولٍ للنشر من بعض هيئات تحرير المجلات العلمية المُحَكَمة، حتى ورد على لسان بعض الزملاء في القسم وخارجه، وجهة نظرٍ أخرى، تتلخص في أن البحوث الجماعية تبقى في الواقع أفضل بل وأقوى من البحوث الفردية، على اعتبار أن رأي اثنين يظل أفضل من رأي واحد، وأن رأي ثلاثة أو أكثر يبقى أقوى من رأيين بصورةٍ عامة. وكان ذلك يمثل نقطة تحول بحثيةٍ كبرى عندي، حيث قمتُ فعلاً بتشكيل فريقٍ بحثيٍ برئاستي، مؤلف من ثلاثة أكاديميين متخصصين في مناهج وطرق تدريس الدراسات الاجتماعية.
وانطلقنا في لقاءاتٍ واجتماعاتٍ متلاحقة، وبمعدل لقاءٍ واحدٍ على الأقل أسبوعياً، ولمدة قاربت الأربع سنوات من الزمن، كنا خلال ذلك نناقش حالة التخصص الأكاديمي الدقيق الذي ننتمي إليه، وما تحتاجه البيئة التربوية الأردنية والعربية، من إجراء بحوثٍ ميدانية متنوعة حوله، من أجل معالجة الكثير من المشكلات التربوية الواقعية، أو بهدف تطوير مناهج التخصص وطرائق تدريسه المتعددة. وكم كان اللقاء الواحد يستمر ليلاً لساعاتٍ طويلةٍ حتى قبيل الفجر، وسط مناقشاتٍ حامية الوطيس، ومثمرةٍ جداً في نتائجها، في ضوء تبادل الآراء والأفكار بصراحةٍ تامة، ومع الاحترام المتبادل من الجميع، حتى يتم الوصول إلى القرارات الأفضل في هذا الصدد.
وتتمثل أكثر النقاط التي كانت تأخذ الوقت والجهد أثناء المناقشات البحثية الجماعية، في عملية الصياغة اللغوية الدقيقة لعنوان الدراسة، بحيث تتحدد من خلالها، المتغيرات المتنوعة والمناسبة لها. فما أن يستقر هذا الأمر تماماً بقناعةٍ كاملةٍ من أعضاء الفريق البحثي، حتى يتم الشروع في كتابة خطة البحث المطلوبة، عن طريق توزيع المهام على الأعضاء الثلاثة، وبخاصةٍ بعد حدوث مناقشةٍ أخرى، يتم من خلالها صياغة أسئلة الدراسة وفرضياتها الملائمة، والاتفاق على ذلك نهائياً. فيقوم أحدهم مثلاً بمهمة كتابة مقدمة الدراسة، وتحديد مشكلتها وأهدافها وأهميتها، وبيان حدودها ومحدداتها، بينما يُكلف آخر بالبحث عن الدراسات السابقة العربية والأجنبية ذات الصلة، وتحديد مصطلحاتها الدقيقة، ووضع التصميم الاحصائي لها، في حين يقوم الثالث بإعداد أدوات البحث اللازمة أو تطويرها، سواءٌ كانت عبارة عن استبانةٍ، أو اختبارٍ، أو مقياس.
وكان هذا التوزيع للمهام يتغير في العادة من وقتٍ لآخر، حتى يمر أعضاء الفريق بالخبرات المتنوعة كافة. وما أن يأتي موعد الاجتماع القادم، حتى يكون كل عضوٍ قد أحضر فعلاً ما تمَ تكليفه من قبل. ومع ذلك، فقد كان هناك اتفاقٌ مسبقٌ، بضرورة عرض ما يتم إنجازهُ على الأعضاء الثلاثة، بعد تصويره بعددهم وتوزيعه عليهم، وتتم قراءته جهراً، مع أخذ الرأي الجماعي في نهاية المطاف. وكم كان يتم أحياناً حذف بعض العبارات أو الفقرات، وإضافة أو دمج بعضها الآخر. وكم كنا نسمع من الآراء والأفكار البحثية المفيدة والبناءة، التي لم نكن لنتوصل إليها مطلقاً، بدون هذا الحوار العلمي الهادف، وذاك النقاش الصريح والمسؤول.
وكم تأثرتُ خلال دراسة برنامج الدكتوراة في الولايات المتحدة بنوعٍ معينٍ من الأبحاث التربوية الذي تسمى بالبحوث التكاملية Complementary Kind of Research، والتي تتلخص في تناول المشكلة التربوية من زوايا متعددة، وبمتغيرات مختلفة، حتى يمكن في ضوء النتائج لتلك الأبحاث المتعددة، ليس مجرد التوصل إلى الحلول الملائمة لتلك المشكلات فقط، ولا إلى إصدار التوصيات المرغوب فيها فحسب، بل إضافةً إلى هذا وذاك، إقتراحُ إطارٍ نظريٍ قائمٍ على نتائج إحصائيةٍ دقيقة، تمّ نشرها ضمن بحوثٍ رصينةٍ في دوريات علمية جامعيةٍ أو مهنيةٍ مُحَكمة.
وتنفيذاً لهذا التوجه أو تلك السياسة، فقد اقترحتُ على الفريق البحثي الذي أقوم برئاسته، أن نتناول في بحوثنا التكاملية موضوعين كبيرين من موضوعات الدراسات الاجتماعية، ومن جوانب مختلفة. وهذان الموضوعان هما: مهارات الخرائط ونماذج الكرة الأرضية، والاتجاهات نحو الدراسات الاجتماعية. ولتحقيق هذا الغرض، تمّ بذل جهودٍ كبيرةٍ لإعداد مقاييس متتنوعة لقياس مدى اكتساب طلبة المدارس والمعاهد العليا والجامعات من مختلف المستويات، لمهارة استخدام مقاييس رسم الخريطة، ومهارة قراءة رموز الخريطة، ومهارة استخدام الجهات الرئيسة والفرعية في الحياة اليومية، مما ساهم في نشر خمسة أبحاثٍ في الدوريات المحكمة الآتية: مجلة دراسات الصادرة عن الجامعة الأردنية، ومجلة أبحاث اليرموك، ومجلة العلوم الانسانية الصادرة عن جامعة الكويت، ومجلة جامعة دمشق، والمجلة التربوية الصادرة عن جامعة الكويت، والمجلة العربية للبحوث التربوية.
وقد كنتُ أحصلُ على خطاباتٍ رسميةٍ من وزارة التربية والتعليم الأردنية، من أجل توزيع هذه المقاييس على الطلبة الملتحقين بالصفوف من السادس وحتى الحادي عشر في مدارس مديريات التربية والتعليم بمحافظات وألوية شمال الأردن. ومن القصص التي لا تنسى خلال عملية توزيع مقياس مهارة استخدام الجهات الرئيسية والفرعية في الحياة اليومية، أن هذا المقياس بالذات يشتمل على خمسين فقرةً أو سؤالاً، كل واحدٍ منها مزودٌ برسم أو بشكلٍ توضيحيٍ، كي يقوم الطالب باختيار الإجابة من بديل واحد فقط من بين البدائل الأربعة، وأن الأمر يتطلب التفكير بعمقٍ للوصول إلى الإجابة الصحيحة، مع استخدام مهارة التخيل.
وكانت إجابة هذه الأسئلة أو الفقرات، تأخذ نحو ساعةٍ من الوقت في المعدل، لدى طلبة الصف العاشر في العديد من المدارس التي تمّ تطبيق المقياس فيها، وكنت أقوم أنا شخصياً أو أحد أعضاء الفريق البحثي بتوزيع المقياس على الطلبة ومراقبتهم خلال الإجابة حتى النهاية، ولا نسمح بتسرب الأسئلة لأي طالب أو معلم، لأن عملية التطبيق مستمرة في الألوية الأخرى المستهدفة. ولكن في إحدى المرات، اتصلتُ هاتفياً بمديرة مدرسة عين جالوت الثانوية للبنات في مدينة إربد، لتحديد موعدٍ لتطبيق أداة البحث على إحدى شُعَبِ الصف العاشر.
وما أن وصلتُ تلك المدرسة، حتى اتجهت إلى مكتب المديرة، طالباً مساعدتها لتطبيق المقياس، فأرسلت معي نائبتها إلى الشُعبة(أ) من ذاك الصف، حيث كانت توجد وقتها خمسُ شُعَبٍ أخرى له. وما أن تمّ توزيع فقرات القياس، حتى وجدتُ اهتماماً فائقاً من الطالبات، اللواتي أنجزن الإجابة في نحو نصف الوقت الذي احتاجتهُ الطالبات والطلاب في مدارس التطبيق السابقة. فاستغربتُ الأمر، وظننتُ أن الأسئلة قد تسربت بطريقةٍ أو بأخرى اليهن، وتوجهتُ للمديرة طارحاً سؤالاً يمثلُ استغراباً لما حدث، فقالت بالحرف الواحد: إذا عُرِفَ السَبب، بَطُلَ العجب، فقلت وما هو، فأضافت قائلةً: هذه الشُعبة هي شعبة الأوائل، حيث اخترنا الخمس طالبات الأوائل من كل شُعبة وبمجموع ثلاثين طالبة، ووضعناهن في الشعبة(أ). وقد فكرتُ نتيجةً لهذه الحقيقة، أن أقوم بإلغاء هذه الإجابات، ولكن عندما وجدت أن العينة قد فاقت الألف طالبٍ وطالبة، قررتُ إبقاءها، لا سيما إذا علمنا أن هناك بعض الشُعَب في مدارس أخرى قد يعاني طلابها أو طالباتها من الضعف في المستوى الأكاديمي.
وأمرٌ مُشابه آخر تقريباً، قد حصل بالنسبة لموضوع الاتجاهات نحو الدراسات الاجتماعية، إذ تمّ وضع مقياس، من أجل قياس تلك الاتجاهات مؤلفٌ من (142) فقرة، موزعة على ثمانية محاور، تمّ تناول كل محورين في بحثٍ واحدٍ، مع إدخال متغيرات مختلفة، مما أدى إلى نشر أربعة أبحاثٍ في دورياتٍ علميةٍ محكمة هي: حولية كلية التربية بجامعة قطر، والمجلة التونسية لعلوم التربوية، ومجلة دراسات تربوية الصادرة عن جامعة الملك سعود بالرياض، ومجلة العلوم الاجتماعية الصادرة عن جامعة الكويت.
هذا إضافةً إلى إجراء بعض البحوث الميدانية الأخرى مثل بحث عن طريقة الاستقصاء في التدريس ، وبحث صعوبات تدريس التربية الاجتماعية، اللذان تمّ نشرهما في المجلة العربية للعلوم الإنسانية الصادرة عن جامعة الكويت، وبحثُ شكلية تزويد الطلبة بالأهداف، وبحثُ تدريب الطلبة على عملية أخذ الملاحظات، اللذان تمَ نشرهما في مجلة دراسات، الصادرة عن الجامعة الأردنية، وبحثُ فاعلية المشاغل التربوية، الذي نشرته المجلة التربوية الصادرة عن جامعة الكويت.
وباختصار شديد، فإن الأبحاث الميدانية أيام جامعة اليرموك، تظل هي الأساس في زمن الأنشطة البحثية الفاعلة، رغم أنه قد تمّ نشر عدة مقالات نظرية غير ميدانية، تناولت موضوعات تربوية وتخصصية مختلفة، كانت مع الأبحاث الكثيرة الميدانية الأخرى للزملاء في قسم التربية وقتها، تمثل عنوان الزمن البحثي الجميل لتلك الجامعة، التي كانت وما زالت، ترمز إلى أصالة التاريخ، ومعاصرة العلم، وإبداع البحث العلمي المنشود.
profjawdat@yahoo.com jawdatmassa@gmail.com
Website: http://www.jwdat.com



بواسطة : admin
 0  0  43