مرحباً بكم بموقع الدكتور عبدالله بن صالح المقبل. تم إنشاء هذا الموقع في عام 1996 حينما كنت ادرس مرحلة الدكتوراة بالولايات المتحدة الأمريكية.

  • ×

02:04 مساءً , السبت 20 يناير 2018

الحلقة السابعة والعشرون: ذكريات الإسكان الشرقي لجامعة اليرموك

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
image
http://www.alrai.com/article/782969.html
صحيفة الرأي الأردنية (قسم الأبواب)

تاريخ النشر: الاحد: 24/4/2016- العدد: (16590)

الحلقة السابعة والعشرون:
ذكريات الإسكان الشرقي لجامعة اليرموك

image

بقلم: أ.د. جودت أحمد المساعيد
كانت إدارة جامعة اليرموك منذ افتتاحها في شهر تشرين الأول(أكتوبر) من عام 1976، حريصةً كل الحرص، على راحة أعضاء هيئة التدريس العاملين في كلياتها ومراكزها وأقسامها الأكاديمية المختلفة، ممن لا يمتلكون مساكن خاصة بهم في المنطقة المحيطة أو القريبة منها، وذلك عن طريق توفير مساكن ملائمةً من حيث المساحة، ومفروشةً بما يليق لمن يقومون بتدريس طلبتها، ومزودة بالأجهزة والأدوات العصرية المرغوب فيها، وبنظام متميزٍ من التدفئة الشتوية، وبطاقمٍ متخصصٍ في الصيانة وتقديم الخدمات، مما جعل من الحياة سهلة وممتعة وذات طعمٍ خاص، وذلك مقابل أجرةٍ رمزيةٍ إلى حدٍ كبير.
وكان الإسكان الشرقي للجامعة وقتئذٍ، يمثل أحد أكبر تجمعات أعضاء هيئة التدريس التابعة لها في مدينة إربد الواقعة شمال الأردن، وكان يبعد نحو ثلاثة كيلومترات عن الحرم الجامعي، ويقع بالقرب من بلدة حوارة المعروفة. وكان يتألف الإسكان آنذاك من نحو ثلاثين بنايةٍ أو عمارةً ، كل واحدةٍ منها تشتمل على ثلاث طبقات وست شقق، تحيط بها وتفصل بعضها عن بعض، الكثير من الشجيرات التي تمت زراعتها في الأصل، من أجل إضفاء المنظر الأخضر اليانع على المكان بصورةٍ عامة، والذي كان يلفُ الممرات ومسالك الطرق الرفيعة بينها، بشكلٍ يبهج النفس ويريح الأعصاب، ليس لقاطني هذه العمارات فحسب، بل ولزوارهم من الأقارب والضيوف أيضاً. وهذا لا يعني أنه كان يمثل التجمع الإسكاني الوحيد للعاملين في الجامعة، بل كانت هناك تجمعاتٌ أخرى داخل أسوار الجامعة، حتى تلبي حاجات هؤلاء العاملين من المساكن المناسبة لهم ولعائلاتهم.
ونظراً لأنني كنت من قاطني الإسكان الشرقي للجامعة طيلة عقد الثمانينيات من القرن العشرين تقريباً، فإنني أستطيع سرد العديد من الذكريات، مع وصف طبيعة الحياة فيه خلال تلك الفترة الذهبية من عمر الجامعة، وتوضيح نوع العلاقات التي كانت تربط بين أعضاء هيئة التدريس فيه، والتي كان يغلبُ عليها الطابع الاجتماعي التعاوني الأخوي بصورة عامة، حتى مع وجود العديد من المدرسين الأجانب من مشارق الأرض ومغاربها.
وكانت الأجواء شبه العائلية، تتجلى بوضوحٍ كبير خلال المناسبات الدينية والاجتماعية والأكاديمية. ففي عيد الفطر السعيد، أو عيد الأضحى المبارك على سبيل المثال لا الحصر، وبعد أن يقضي كل عضو هيئة تدريس، الوقت الكافي مع أهله ومحارمه وأقاربه خارج السكن الشرقي، الذي يكاد يصبح خالياً من قاطنيه وقتها، يعود الجميع إلى مساكنهم من جديد، وتبدأ المواكب في التقاطر زرافاتٍ ووحدانا، كي يتم الانتقال من عمارةٍ إلى أخرى، ومن زميلٍ إلى آخر. وهنا تتم التهاني والتبريكات بالمناسبة، مع تناول الحلوى والمشروبات الساخنة، إضافةً إلى تبادل أطراف الحديث في المستجدات التي قد تكون سبقت المناسبة أو حصلت أثناءها، ويعود كل فردٍ مرتاحاً من الناحية النفسية إلى أسرته، بعد أن أدى واجبه الاجتماعي الممزوج بنكهةٍ دينيةٍ خاصة.
ومن بين اللقاءات الدينية المستمرة، والمؤثرة إيجاباً كذلك على العلاقة بين أعضاء هيئة التدريس في الإسكان الشرقي لجامعة اليرموك، حضور صلاة الجمعة في مسجد حي الضباط، القريب من ذلك السكن. إذ ما أن تنتهي تلك الصلاة فعلياً، حتى يتجمع معظم الزملاء خارج المسجد، يتصافحون بحرارةٍ، ويتبادلون الأخبار والمعلومات الجديدة، ووجهات النظر المتنوعة والسريعة، في العديد من الأمور، والتي قد تؤدي أحياناً، إلى تحديد وقتٍ لزيارةٍ معينة في السكن ذاته، أو إلى اجتماعٍ رسميٍ قريب داخل الحرم الجامعي في الأيام التالية.
ومما يزيد من الألفة والمحبة بين القاطنين أحياناً، عودة المجموعات معاً من المسجد إلى السكن سيراً على الأقدام، والذي يبعد نحو ثلاثمائة متر، بحيث يستزيدون في مناقشة بعض الأمور، والتعليق على أخرى، وكم يقفون خلال تلك الأحاديث الجذابة لدقائق طويلة نسبياً، من أجل جلاء بعض الأمور، أو استيفاء حق تعقيبٍ من التعقيبات، أو توضيحٍ من التوضيحات، قبل الانصراف عائدين إلى عائلاتهم.
أما عن الاهتمام بالمناسبات الاجتماعية بين قاطني الإسكان الشرقي لجامعة اليرموك، فحدث ولا حرج. فما أن يُرزقُ أي زميلٍ أو زميلةٍ بمولودٍ جديدٍ، حتى يبدأ معظمهم بتقديم واجب التهنئة والتبريك مجتمعين أو فُرادى، وإذا ما نجح أحد الأبناء في امتحان الثانوية العامة، فإنهم يشاركون بقوةٍ، تلك الفرحة العارمة مع ذويه، وعندما يُصاب أحد القاطنين بوعكةٍ صحيةٍ يدخل على أثرها المستشفى، يهرولُ الجميع لزيارته والرفع من معنوياته، ثم يلحقونها بزيارةٍ إلى منزله بعد العودة إليه سالماً مُعافى. وفي حال حدوث وفاة لأحد أقارب القاطنين من الدرجة الأولى، يَهُبُ الكثيرون منهم إلى مواساته في مكان الوفاة، ويقوم من لم تسعفه ظروفه بأداء هذا الواجب، عن طريق زيارته في بيته بعد عودته إليه.
وبالنسبة إلى مجال الروابط الأكاديمية، فقد كان لها نصيبٌ وافر من العلاقات الاجتماعية الوطيدة. صحيح أنني كنت أُلاحظُ وجود محاور من الزيارات والعلاقات التي تربط بين ذوي التخصص الواحد، إلا أن هذا المحور أو ذاك، كان يكبر من وقتٍ لآخر، كي يستوعب التخصصات الفرعية القريبة من هذا التخصص الرئيس أو ذاك، مما يوسع من دائرة تلك العلاقات. وكم كانت تسفر تلك المناقشات والدردشات الأولية التي كانت تتم في منازل الإسكان الشرقي للجامعة بين ذوي التخصصات الرئيسة أو الفرعية، إلى وضع بوادر مشاريع بحثيةٍ مستقبلية، لا تلبثُ أن يتم التوسع فيها بالحديث الجماعي عنها في جلساتٍ لاحقة، إلى أن تبصر النور بوضع خطةٍ بحثيةٍ دقيقةٍ، يحصل أصحابها على دعمٍ ماديٍ ومعنويٍ من عمادة البحث العلمي في الجامعة.
وتستمر الجهود التعاونية البحثية في لقاءات متتالية، حتى يتم الانتهاء من البحث الأول أو الثاني، كي يُصارُ إلى إرساله إلى إحدى الدوريات العلمية المُحَكَمة، كي ينتقل الفريق خلال لقاءاته الاجتماعية اللاحقة، إلى طرح أفكارٍ جديدةٍ لم يتم تقصيها في مشاريع الدراسات السابقة لهم، والتي تمَ إنجازها بنجاح، وهكذا دواليك، من دوامة النشاط البحثي الأكاديمي الجماعي ذي الجذور الاجتماعية التعاونية الواضحة.
وكم كانت تُعقد جلسات الفرح والسرور الاجتماعية، والتي يتم فيها توزيع الكنافة النابلسية الساخنة واللذيذة، كلما حصل عضو هيئة تدريس أو مجموعة منهم، على قبول بحثٍ في مجلةٍ جامعيةٍ أو مهنيةٍ مُحَكَمة، كي يرتفع مستوى تكلفة الفرح الاجتماعي بعد ذلك، إلى المناسف الأردنية الأصيلة والمتعددة، عندما يحصل أي زميلٍ على رتبةٍ أكاديمية أعلى، كي تكون المناسبة الأولى أو الثانية مدعاةً لتشجيع الآخرين وتحفيزهم، كي يحذو حذو زملائهم النشطين في مجال إجراء البحوث العلمية ونشرها حسب الأصول.
هذه باختصارٍ شديد، شذرات من ذكرياتٍ إجتماعيةٍ متنوعةٍ، لأحد قاطني الإسكان الشرقي لجامعة اليرموك لعقدٍ أو أقل من الزمان، جنباً إلى جنب مع جزء لا يُستهانُ به من أعضاء هيئة التدريس فيها آنذاك. ورغم أن معظم العادات الاجتماعية التكافلية التي وردت في هذه المقالة القصيرة هي شبه طبيعية، وتمثل مجموعةً من خِصالٍ إيجابية أصيلة منتشرة بين أبناء المجتمع الأردني والعربي بفئاته وطوائفه الكريمة كافةً، إلا أنني وددتُ توثيقها رسمياً للتاريخ، لا سيما بعد أن لاحظتُ بوضوحٍ، ومع مرور الزمن بعد ذلك، وصول ظاهرة التبخر إلى بعضها، والتي وإن لم تعمل على القضاء عليها تماماً، فإنها قد أدت بلا شك إلى إضعافها بشكلٍ ملفت للنظر، ولا سيما في ظل الكثير من التغيرات المذهلة التي حدثت وما زالت تحدث هذه الأيام، لدرجة أنها لم تَعُد تعصف بالأجواء المجتمعية الجامعية فحسب، بل وقد تعدتها بقوةٍ، كي تدق أبواب المجتمعات العربية العديدة من محيطها إلى خليجها، دون إبلاغٍ أو استئذانٍ، كي تؤثر سلباً على أواصر الحياة الاجتماعية بحلوها ومُرها، شئنا أم أبينا.
وهنا تبقى المسؤولية الكبرى على عاتق الأكاديميين الجامعيين، الذين ينبغي عليهم النضال الصلب من أجل ضرورة الإبقاء على زخم تلك العادات الاجتماعية الإيجابية التي كانت سائدة بقوةٍ، كي تجد مكانها بينهم من جديد، وحتى تُضفي نوعاً من الأجواء الأخوية والبحثية التعاونية الناجمة عن تلك العلاقات الاجتماعية الوثيقة، والتي تتطلع الجامعات العربية بعامة، وجامعة اليرموك الرمز منها على وجه الخصوص، كي تعمل على تحقيقها بكل قُدرةٍ واقتدار.

profjawdat@yahoo.com jawdatmassa@gmail.com

بواسطة : admin
 0  0  42