مرحباً بكم بموقع الدكتور عبدالله بن صالح المقبل. تم إنشاء هذا الموقع في عام 1996 حينما كنت ادرس مرحلة الدكتوراة بالولايات المتحدة الأمريكية.

  • ×

11:06 مساءً , الأربعاء 17 يناير 2018

الحلقة العشرون: ذكريات سلبية من الحياة الأميركية

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
image

http://www.alrai.com/article/772773.html
صحيفة الرأي الأردنية (قسم الأبواب)

تاريخ النشر: الاحد: 6/3/2016- العدد: (16541)
الحلقة العشرون:

ذكريات سلبية من الحياة الأميركية
image

أ.د. جودت أحمد المساعيد:
رغم حلاوة الذكريات الإيجابية الجميلة عن الحياة الأمريكية التي قمتُ بتوثيقها في الحلقة السابقة بعد تدعيمها بالقصص الواقعية، إلا أن مرارة الذكريات السلبية لا يزال طعمها تحت اللسان، مما يحتم توثيقها قبل أن تدخل إن عاجلاً أم آجلاً في عالم الإهمال والنسيان. وتتم عملية التوثيق هذه، ليس من قبيل نكران الجميل لا قدر الله، وليس من أجل التشهير الذي يكرههُ الخالق والمخلوق في وقتٍ واحدٍ، بل كي تكون درساً لمن يخطط للدراسة أو الهجرة أو العيش في تلك البلاد المضيئة في بعضٍ من جوانبها، والمعتمة في بعض جوانبها الأخرى.
وتتمثل أهم جوانب الحياة السلبية الأمريكية، في التفكك الأُسري الرهيب الذي يعيشه الناس هناك، حيث تكاد سلطةُ الوالدين على الأبناء والبنات تختفي، عندما يبلغون سن الثانية عشرة تقريباً. ولا أقول هذا الكلام جُزافاً، بل من واقع الحياة، وإليكم هذه القصة: كان في المنطقة السكنية التي أعيش فيها صديقٌ أمريكي كاثوليكي متدين، يبعد عن البيت الذي كنتُ أقطنه نحو مائة متر، وكنا نلتقي أحيانا خلال الأنشطة الترفيهية التي تنظمها إدارة هذا السكن. وكان لديه توأم من البنات في سن المراهقة. وقد علمتُ فيما بعد أنه كان يوجههن توجيهاً دينياً ويمنعهن من القيام ببعض العادات السيئة التي تقوم بها صديقاتهن من البنات، ولا سيما تكوين صداقات غير بريئة مع الذكور.
وفي يوم من الأيام لم تعد الفتاتان إلى البيت إلا ومعهما سيارة الشرطة، إذ قامتا بتقديم شكوى رسمية ضد أبيهما الذي يمنعهما من تكوين صداقات مع زملائهم الذكور، ويمنعهما من الخروج في العديد من الأوقات التي يرغبن فيه من المنزل، وربما المبيت في منزلٍ آخر لليلةٍ أو أكثر. وقد جاء هذا الكلام على لسان الأب الذي اتصل بي فجأةً يوماً من الأيام وطلب زيارتي، فرحبتُ به. وما أن جلس على الأريكة حتى أخذ يجهش بالبكاءِ قائلاً: لقد أوشكتُ على فقد بناتي للأبد يا جودت، فقد أحضرنّ الشرطة للبيت، وتمَ سَوقي إلى المحكمة كالمجرم، من أجل أن أوقع على تعهدٍ خطي بعدم منعهن من إقامة صداقات مع الجنس الآخر، والسماح لهن بالخروج في أي وقتٍ يلبي رغباتهن. ويضيف قائلاً: هل هذا جزاء عملي وتربيتي لهن على الوجه الأفضل بالتعاون مع والدتهن؟. وأنهن ومنذ حضور الشرطة قبل أسبوعين لم أعرف أين مقرهن، لا سيما وأن الهواتف الجوالة لم تكن معروفة آنذاك.
وهناك قصة أخرى لأمٍ تركت إبنها المراهق وزوجها، واختارت صديقاً آخر لتعيش معه في مدينةٍ بعيدة. وما هي غير شهرين أو نيف، حتى دبّ الخلاف بين الأب وإبنه ليقوم الإبن بطعن والده والاختفاء تماماً عن الأعين، كي يعيش الأب بعد شفائه وحيداً دون زوجة، ودون إبن، من أجل أن يستعد بعدها للذهاب إلى ملجأ العجزة، وهو مصير كبار السن في الحياة الأمريكية، إذ يتحدث الفرد مع نفسه أكثر مما يتحدث مع الآخرين وكأنه فقد عقله. وهذه هي الكارثة الاجتماعية الحقيقية من التفكك الأُسري التي يعيشونه في أمريكا، في حين ولله الحمد، تبقى رعاية الوالدين عند كبرهما أمانة في أعناق معظم أبناء أمتنا العربية والإسلامية. وهاتان القصتان ما هما إلا غيضٌ من فيضٍ للكثير من الأمثلة على سلبية التفكك الأسري.
أما السلبية الأخرى التي تشيع في الحياة الأمريكية، فتتمثل في ضعف الأمن الشخصي للفرد، وذلك نظراً لشيوع ظاهرة الإجرام بشكلٍ ملفت للنظر. فلا تكاد وسائل الإعلام من مكتوبةٍ أو مسموعةٍ أو مرئية، تتوقف لحظةً بسيطة عن إذاعة مقتل هذا أو ذاك، حتى تعود إلى طرح أخبارٍ جديدة تحمل المآسي والجرائم الإضافية التي تقشعر لها الأبدان. وكنتُ من قبل في حملة محو الأمية التي ترأستها في منطقة الجوف السعودية، قد ذكرتُ على لسان الأميرعبدالرحمن السديري، كيف أنه عانى من الخوف على حياته وحياة مرافقيه عند زيارته للولايات المتحدة، رغم الحراسة المشددة من جانب الشرطة، كلما تحركوا من مكانٍ إلى آخر.
ومع ذلك، فقد مررتُ شخصيا بعدة حالات شعرت فيها بالخوف على حياتي، ولكن واحدة منها لا يمكن أن تُنسى، لأن الفرق بين الموت والحياة كانت بضعُ ثوانٍ فقط. ففي آخر عشرة أيام لي في أمريكا، حيث انتظر حفل التخرج واستلام شهادة الدكتوراة، وبينما كان أبنائي الثلاثة يلعبون مع أقرانهم في الحي بعد عصر إحدى الأيام، إذا بأحد الأطفال يقذف بحجرٍ على الآخر، فيصيب زجاج سيارة أحد السكان ويهشمه، فيبدأ الأطفال بالادعاء على بعضهم بعضاً، فما هي إلا برهة من الوقت حتى رأيتُ إلا ذاك الأمريكي المزمجر يقرع الباب ويقول تعال كي كي ترى ما فعلهُ أبناؤك في زجاج سيارتي، فخرجتُ ومعي زوجتي ليس لرؤية السيارة فحسب، بل وقبل ذلك للاطمئنان عن ابنائي. وعندما وصلت مكان الحادث وجدتُ السيارةً وقد تحطم زجاجها فعلاً. بعدها قلت للأمريكي، سأتحدث مع أبنائي واستفسر منهم عن المشكلة، وسأتحدث معك بعدها. وكنتُ من قبل قد علمتُ الأبناء بقول الحقيقة مهما كانت النتيجة وتجنب الكذب، هذا بالإضافةً إلى تنبيهي عليهم في الشهر الأخير من وجودنا في أمريكا بعدم القيام بأي احتكاك أو مشكلة حتى نعود الى الأردن بخير وسلام.
وناديتُ على أطفالي أمام الناس المتجمهرين، وتحدثتُ معهم بالعربية عما إذا كانوا قد قاموا بكسر زجاج السيارة، مع ضرورة قول الحقيقة، وأنه من السهولة شراء وتركيب الزجاج إذا كانوا هم من فعلوا الحادث، مع تأكيد زوجتي عليهم أيضاً، ولكنهم أصروا تماماً بأن من فعل هذا هو الطفل دونالدDonald ، ويؤيدهم في ذلك بعض الأطفال الآخرين. فقلت وقتها للأمريكي الغاضب: إن أبنائي لم يكسروا زجاج سيارتك، ووأقترح عليك الاتصال بالشرطة فوراً للتحقيق في الأمر. قال نعم، ودخل منزله، وظننتُ أنه سيتصل بالشرطه، وإذا به يخرج ومعه بندقية طويلة ويصوبها نحوي قائلاً: ستدفع ثمن الزجاج فوراً، وقبل أن أُجيب انقضت زوجتهُ عليه بكل قوتها لتأخذ منه البندقية، كي نستغل الفرصة أنا وزوجتي وأبنائي وكل من كان واقفاً آنذاك للهرب.
وقد اتصلت بعدها بالشرطة التي حضرت خلال دقائق. وبعد أن أجرت التحقيق الدقيق، تأكد لها أن الطفل دونالد كان هو المسبب للحادث، وتغرم والده تصليح السيارة. أما بالنسبة لي، فقد أوضحتُ للشرطة كيف أنني كدتُ أن أفقد حياتي على شيء قليل القيمة، ويتم كل هذا قبل أن أعود إلى بلدي لتقديم رسالتي التدريسية الجامعية. فذكرت لي الشرطة بأنه إذا رُفعت القضية للمحكمة فلا تستطيع السفر، إلا بالتنازل عن حقك نتيجة الشكوى عليه. فذكرتُ لهم أنني اتصلت بكم لحماية نفسي وعائلتي، فقالوا: نعم هذا جيد، وقد قمنا بصياغة تعهدٍ سوف يقوم هو بتوقيعه، ويفيد بعدم التعرض لك ولعائلتك بتاتاً، وتستطيع قراءته، وسوف تبقى سيارة الشرطة تحوم في المنطقة من وقتٍ لآخر، لحين سفركم بالسلامة، فوافقتُ على ذلك. وهذا يوضح كيف أن حياة الإنسان قد يكون ثمنها مجرد دراهم معدودة عند فقدان الأمن والأمان.
أما عن السلبية الثالثة في الحياة الأمريكية، فتتمثل في البون الشاسع بين الأغنياء والفقراء. فصحيح أن عدد الأغنياء هنا يفوق كثيراً عددهم في أي قطرٍ آخر من العالم، وأن حياة البذخ هي المسيطرة عليهم، مما يجعل الكثير من الناس لا يصدقون أبداً أن فئة من أبناء الشعب الأمريكي تنبش أكوام القمامة كي يبحث أفرادها عما يقتاتون به. وهذا ما رأيتهُ بأم عيني عدة مرات في بعض الولايات الأمريكية التي زرتها أو أقمتُ فيها، مما يساهم في انتشار الجريمة من جانب من يشعرون بالحرمان، كلما رأوا الآخرين يعيشون في عالم السحاب. ولا يخفى على من يقيم في الولايات المتحدة أن يتلمس الفراغ الروحي الواضح المنتشر بين الناس من المستويات الاجتماعية والثقافية كافة. فالماديات هي التي تحكم معظم علاقات البشر ببعضهم. صحيحٌ أن المادة مهمة جداً لحياة الناس، إلا أنها ليست كل شيْ، مما يجعل الكثير من المشكلات يتم إرجاعها بسبب الفراغ الروحي، الذي يجعل قتل الإنسان مقابل حفنة من الدولارات أمراً واقعاً. وإذا ما فكرنا في سلبيةً أخرى لوجدنا جهل الأمريكيين بالحقائق حول العالم خارج الولايات المتحدة، رغم أن لديهم بلا شكٍ خبراء في السياسة والاقتصاد والاجتماع والبيئة، ولكنهم قليلون إذا ما قورنوا بالشعب الذي قد لا يدرك إلا القليل خارج ولايته، وربما خارج مدينته أو بلدته.
وقد أدىَ هذا للأسف الشديد إلى استهتار معظم الشعب الأمريكي ليس بالشعوب الأخرى فحسب، بل وأيضاً بمقدرات بلدانهم وتاريخها وحضارتها وقضاياها العادلة وعلى رأسها القضية الفلسطينية. فهم يرون أنهم الأغنى مالاً، وهم الأقوى سلاحاً، وهم الأكثر تأثيراً، وهم الأعظم هيمنةً، وهم الأكثر إنتاجاً، وهم الأوسع لغةً. ورغم أن بعض هذه الصفات قد أصبحت حقائق لدى الكثيرين، إلا أن تصرفات الناس هناك، تظهر واضحةً في الاستعلاء على الآخرين من جهة، والرغبة الجامحة من جهةٍ أخرى في السيطرة عليهم بالترغيب تارة، وبالترهيب والتهديد بالقوة تارات وتارات، دون محاولة حل القضايا التي تزعزع الأمن والسلام العالميين، بل وينصرون الظالم على المظلوم. والخوف كل الخوف أن تتحول هذه السلبيات وغيرها كثير، إلى آفاتٍ تنخر في تركيبة الحياة الأمريكية، كي تنطبق سُنة التاريخ في ظهور الامبراطوريات العديدة التي وصلت إلى القمة، ثم تراجعت وضعفت وأخيراً بادت. فهل من عبرة من ذلك التاريخ الصادق ولو بعد حين؟. وهنا أودع ذكريات الحياة في أمريكا بحلوها ومُرها، كي أعود إلى يرموك العلم والرمز، من أجل توثيق ذكرياتٍ أخرى، ولكن بطعمٍ أحلى.

jawdatmassa@gmail.com
Website: http://www.jwdat.com
profjawdat@yahoo.com


بواسطة : admin
 0  0  45