مرحباً بكم بموقع الدكتور عبدالله بن صالح المقبل. تم إنشاء هذا الموقع في عام 1996 حينما كنت ادرس مرحلة الدكتوراة بالولايات المتحدة الأمريكية.

  • ×

12:52 مساءً , الجمعة 19 يناير 2018

الحلقة الثامنة عشرة: زيارة الأمم المتحدة والبيت الأبيض

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
image

image
http://www.alrai.com/article/769766.html

صحيفة الرأي الأردنية (قسم الأبواب)

تاريخ النشر: الاحد: 21/2/2016- العدد: (16527)

الحلقة الثامنة عشرة:

زيارة الأمم المتحدة والبيت الأبيض

image
أ.د. جودت أحمد المساعيد

ما أن انتهيتُ من زيارة شلالات نياجارا Niagara Falls على الحدود الأمريكية الكندية في أقصى شمال ولاية نيويورك في شهر أيار(مايو) من عام 1980، كما تمّ توضيح ذلك في الحلقة السابقة، حتى اتجهتُ بالسيارة مباشرةً مع عائلتي جنوباً نحو المدينة الأولى ليس في الولايات المتحدة الأمريكية فحسب، بل وأيضاً في العالم أجمع، ألا وهي مدينة نيويورك، الضخمة جداً في عدد سكانها، ومارد المال والأعمال، وأسطورة العمران والسياسة، حيث بها ناطحات السحاب العديدة، والمنظمات الدولية الشهيرة، التي تتحكم باستقرار الكون، عن طريق المؤسسات الأشهر عالمياً، وعلى رأسها هيئة الأمم المتحدة، ومجلس الأمن الدولي.

ورغم صخب الحياة الشديد في هذه المدينة المزدحمة جداً بالأجناس والألوان والأعراق والأديان والثقافات المختلفة، إلا أنني صممتُ على خوض تجربة صعبة تتمثل في السياقة بسيارتي الخاصة ولأول مرة داخل منطقة مركز المدينةC.B.D. Area ، معتمداً على الخرائط التي حصلتُ عليها من محطات الوقود. ولكن هذه التجربة كانت قاسية للغاية، حيث أثارت مسيرتي البطيئة نسبياً في شوارع لم أعهدها من قبل غضبَ واشمئزازَ السائقين من خلفي، جعلت بعضهم يستخدم ما هو مكروه جداً في الحياة الأمريكية وهو الضغط على المنبه أو الزامور. وكم كنت أضطرُ مرغماً إلى التوقف أحياناً في أماكن الحافلات بشكلٍ مؤقت، كي أتيح الفرصة للغاضبين بتجاوز سيارتي، إلى أن وجدتُ فجأة يافطةً تشير الى الاتجاه نحو مباني الأمم المتحدة، فانعطفتُ فوراً نحوها.

وما هي إلا هنيهات من الوقت حتى اقتربتُ منها، ودخلتُ مرآباً بالأجرة للسيارات، كي أحمدُ الله على الوصول إلى نهايةٍ سعيدة، وذلك بالخروج من هذه الورطة، التي علمتني درساً فيما بعد، بضرورة وضع السيارة في مكانٍ آمنٍ أولاً، ثم التجوال في المواقع المرغوبة، عن طريق خدمة التكسي المأجور.

ولم أصدق بعد خروجي وأفراد العائلة من المرآب، أننا على مسافة نحو مائتي متر من ذلك المبنى الأممي الذي يدعى هيئة الأمم المتحدة، والذي كنت أتمنى زيارته في يومٍ من الأيام، بعد أن كنتُ أشرحُ الكثير من المعلومات عنه لطلاب المرحلة الثانوية الأردنية في نهاية الستينيات من القرن العشرين، عندما كنتُ معلماً للدراسات الاجتماعية، كي أجد نفسي وقد حققتُ ذلك الحلم في أوائل الثمانينيات. وكانت أيامها عملية الدخول الى الأماكن الحساسة كناطحات السحاب الشاهقة، وهيئة الأمم المتحدة وحتى البيت الأبيض، حيث مقر الرئيس الأمريكي في واشنطن، تمثل عملية سهلة والناس يقفون بالطوابير للدخول الرسمي إليها مع أدلاء سياحيين. ولكن لا أعرف إن كانت قد بقيت تلك التعليمات او الترتيبات في ضوء انهيار مركز التجارة العالمي بنيويورك عام 2001، وبداية احتلال أفغانستان والعراق فيما بعد.

وما زلت أتذكر عملية التطواف Touring داخل مبنى هيئة الأمم المتحدة مع أطفالي وزوجتي ضمن مجموعة من السياح من دولٍ مختلفة، وصولاً إلى قاعة مجلس الأمن الدولي، حيث يتم صنع أخطر القرارات الدولية زمن الحرب أو السلام. وكم كان هذا الشخص أو ذاك من تلك المجموعة، يجلس على مقاعد هذه الدولة العظمى أو تلك، ويأخذ بالخطابة أمام الحضور، كي يُحاكي ما يتم في أرض الواقع، بينما عدسات التصوير الشخصية لا تهدأ من أجل تسجيل هذه اللحظات الثمينة والنادرة التي يمر فيها من ساعدهم الحظ للوصول إلى هذا المكان.

ونغادر موقع الأمم المتحدة وفي أذهاننا زيارة لإحدى ناطحات السحاب المشهورة جداً آنذاك، وهي مبنى إمبير ستيتEmpire State ، التي تتألف من (102) طابق، وكانت أعلى ناطحة سحاب في العالم لفترةٍ غير قصيرة من الوقت، قبل الدخول في سباقٍ محمومٍ بين الدول في مختلف القارات، لبناء المبنى الأعلى والأضخم في العالم. وكم كان منظر مدينة نيويورك ساحراً من قاعة المشاهدة فوق هذا المبنى الشاهق، سواء باستخدام النواظير المتوفرة، أو عن طريق النظر بالعين المجردة.

وبما أن الموقع السياحي البارز جداً في مدينة نيويورك بعد الأمم المتحدة يظل مبنى تمثال الحرية Statue of Liberty، فقد كان لا بد من تنظيم زيارةٍ له في اليوم التالي، إذ توجهنا إلى رصيفٍ بحري مخصص لركوب الزوار داخل قوارب كبيرة نسبياً لحمل أكبر عددٍ منهم، متجهين عبر خليج نيويوك نحو ذلك التمثال الجميل القابع في جزيرة الحرية، والذي يرتفع لثلاثةٍ وتسعين متراً علٍى قاعدةٍ صخريةٍ تقارب الخمسين متراً، والذي يمثل صورة إمرأة فلاحة تخلصت من العبودية، وتحمل بيدها اليمنى مشعل الحرية، بينما تحمل في اليسرى كتاباً حُفِرَ فيه تاريخ الرابع من تموز(يوليو) من عام 1776، وهو عيد الاستقلال الأمريكي، وكان هذا التمثال عبارة عن هدية من جمهورية فرنسا إلى الولايات المتحدة الأمريكية بمناسبة مرور مائة عام على الاستقلال الأمريكي عن بريطانيا. وكانت لتلك الجولة بلا شك الأثر الطيب في نفوس الجميع، ولا سيما الأطفال، الذين يتعلمون معنى الحرية، وأهمية الصداقة والاحترام بين الدول.

وكانت الرحلة الترفيهية التالية بعد الانتهاء من زيارة العاصمة الاقتصادية والأممية نيويورك، تتمثل في التوجه بالسيارة مباشرة نحو العاصمة السياسية واشنطن، بعد المرور في مدينة فيلادلفيا الصاخبة، والتجوال في بعض أحيائها. وكانت الرغبة الأولى في الزيارة هي مشاهدة البيت الأبيض، حيث مقر الرئيس الأمريكي وقتها كارتر Carter. وبالفعل توجهنا إلى محيط ذلك المقر، كي نجد المئات من الناس من مختلف الجنسيات في طوابير طويلة، من أجل الدخول إليه. وما أن نقترب من الأبواب الرئيسية، حتى يتم تقسيم الداخلين إلى مجموعات صغيرة نسبياً يرافق كل منها الدليل السياحي، الذي يتولى مهمة الشرح للأقسام الداخلية للبيت الأبيض وما فيها من تُحفٍ وتصميمٍ عمراني متميز. وكان الناس يظنون وقتها بأنه يمكن ملاقاة الرئيس الأمريكي والسلام عليه، أو حتى مجرد مشاهدته عن بُعد. ولكن الذي حدث، هو أن جزءاً من البيت الأبيض فقط هو المسموح بزيارة الناس له، بينما يوجد الرئيس والطاقم الذي يساعده في الحكم في الجزء الآخر من المبنى، يُخطط للسياسة الداخلية والخارجية للبلاد ويتابعهما بانتظام. ولا أعرف إن كانت تلك الزيارات المسموحة للبيت الأبيض قد بقيت مستمرة حتى اليوم، أم أنها أُلغيت لدواعي أمنية.

وقد علمنا من احتكاكنا بالناس في الطابور أمام البيت الأبيض، عن وجود أماكن أخرى في واشنطن تستحق الزيارة، ومن أهمها المتاحف المختلفة، حيث بدأنا بالمتحف الطبيعي الضخم، الذي يمثل مدرسة فكرية كبيرة يتعلم منها الصغار والكبار أشياء كثيرة عن المخلوقات وعلى أرض الواقع تماماً. ومن يرغب في الاستفادة أكثر، فما عليه سوى صرف اليوم بطولهِ إن أراد، لا سيما أن المطاعم وأماكن الراحة متوفرة. ثم انتقلنا بعد ذلك إلى متحف الطيران، الذي يبين التطور الهائل في عالم الطيران منذ أيام الأخوين رايت Wright Brothers، وحتى وقت الزيارة (1980)، وذلك عن طريق عرض نماذج حقيقية للطائرات المقاتلة خلال الحرب العالمية الأولى، وأثناء الحرب العالمية الثانية وما بعدها، منتقلين في فترة ما بعد الظهر إلى ال المهم جداً وهو مبنى الكابيتول Capitol Building، أو ما يسمى بالكونجرسCongress ، حيث مجلسي الشيوخ والنواب، حيث الجولة الممتعة والتعليمية التي لا تنسى في ذلك المبنى الضخم الذي يعلو لأكثر قليلاً من مائتي وعشرين متراً (أي ما يقارب الثمانين طابقاً في حال ناطحة السحاب)، والتي تدور في قاعاته المناقشات حامية الوطيس بين أعضاء الكونجرس من ديمقراطيين وجمهوريين من أجل التشريعات أو صناعة القرارات الداخلية والخارجية.

وقد أنهينا زيارتنا للعاصمة الأمريكية واشنطن، بالذهاب إلى المسجد الكبير والصلاة فيه عصراً، ثم وداع المنطقة عائدين إلى ولاية كانساس، عبر ولايات فرجينيا، وكنتاكي، وإلينوي، وميزوري، بعد عشرين يوماً من التجوال في ولايات ومواقع أمريكية طبيعية وبشرية مختلفة. وقد ختمنا جدول الزيارات الترفيهية بالسفر جواً إلى ولاية فلوريدا لزيارة صديقنا السعودي أحمد بامخرمة، الذي كان جاراً لنا ونحن ندرس سوياً في جامعة كانساس، وانتقل إلى فلوريدا، حيث أمضت العائلتان إسبوعاً لطيفاً قمنا خلالها بزيارة العديد من الأماكن السياحية الجميلة، عدنا بعدها ثانية إلى جامعة كانساس لحضور حفل التخرج واستلام شهادة الدكتوراة، والحجز للسفر عائدين إلى أرض الوطن للعمل في الجامعة العتيدة، التي حصلتُ منها على بعثةٍ للدراسة في الخارج وهي اليرموك، ذلك الإسم الخالد تاريخاً وعلماً.

إن هذه الزيارات الترفيهية العائلية، والتي قمتُ بها استغلالاً لفترة الانتظار ما بين مناقشة أطروحة الدكتوراة وحفل التخرج والتي امتدت لأربعين يوماً، كانت في الواقع مكافأةً لي وللزوجة والأطفال الأربعة، على الصبر والكفاح وعدم ضياع الوقت للرحلات والجولات إلا في الوقت المناسب، وبعد أن تمَ تحقيق الأهداف الرئيسة المرسومة ولله الحمد، والمتمثلة في الحصول على شهادة ماجستير ثانية وبتخصصٍ لا يشبه الماجستير الأولى، ثم الحصول أيضاً على شهادة الدكتوراة، وحتى نودع أربع سنواتٍ من العمل الأكاديمي الصرف، الذي تمّ تتويجه بشهرٍ تقريباً من العمل الترفيهي المرغوب نفسياً وعائلياً، حتى يكتمل الغذاء العقلي العلمي بالترويح الجسمي والنفسي.


profjawdat@yahoo.com
jawdatmassa@gmail.com

Website: http://www.jwdat.com


بواسطة : admin
 0  0  45